عرفتها منذ أن كانت (محرِّرَةً للقصة) في مجلة "الطليعة الأدبية" التي كانت تصدر منذ عام 1979، وتواصلت في نشر عطائها الابداعي، الذي نال اهتمام وإعجاب الأدباء والكتاب العراقيين والعرب على حدٍّ سواء. ولكن هل بوسعنا أن نفي حق هذه المرأة المتمدنة رؤيويا، والمتحررة اجتماعيا، والمفكرة ثقافيا، والنشيطة اعلاميا، والمبدعة أدبيا، بمقالاتها وكتبها المتواصلة التي تشي الى ذلك؟ نحن على يقينٍ تامٍّ، بأننا لا نجد أحدا أبدا، يمكنه نكران منجزها الإبداعي اللافت بتفرّده وثرائه، لما ينطوي عليه من تميّز وإضافات للآخر، سواء على مؤسساتها الخاصة، أو على مستوى مشاركتها في المؤسسات العامة، وعلى كل المستويات. فهذه المقتدرة تمكنت من اصدار أكثر من خمسين كتابا في القصة والرواية والدراما والدراسات الثقافية والفكرية، كما أنها ترجمت ما لا يقل عن خمسة وعشرين كتابا الى اللغة العربية وفي مختلف المجالات.
في قناديلها، وهي إذْ تتحدَّثُ عن صديقها الذي: (لم يكن كائنا هشا، ولا مِمَّنْ تهُزُّهُمُ التَّفاصيلُ العابرةُ)1 إنَّما تحكي عن نفسها التي تراها فيه. وتحكي عنها أيضا، حين تقولُ عنه: (آمنَ دوماً أنّ الإنسان، متى ما امتلكَ القدرةَ على الفهمِ، امتلكَ القدرةَ على الإحتمالِ، لكنّ ما لمْ يكنْ يَعلمُهُ، أو لعلّهُ تجاهّلَهُ طويلاً، أنَّ هناكَ لحظاتٍ، يعجزُ فيها العقلُ نفسُهُ عن تفسيرِ الألمِ، فيقفُ متفرّجاً عاجزاً يَرْقبُ انكسارَ الروحِ وانعطابَ القلب)2. فيا لها من رائيةٍ، تُحْرِجُ العَقْلَ، وتُرْبِكُ العاطفة.
وما أروعها وهي تنتقل الآن الى عالمٍ آخرَ، وبصمتٍ موغلٍ في تذكيرنا، بما قالته عن "صديق الفيس بوك" الذي انتقل من بيتٍ الى بيتٍ آخر. (المكان، في نظره، كائن صامتٌ لكنّه فعّال، يشاركُ بقسوة غير مرئيّة في تشكيلنا دون أن ننتبه. نحن لا نعيشُ في البيوت فقط؛ بل نُعيدُ تشكيل أنفسِنا داخلَها: نكبرُ معها، ونتركُ فيها أجزاءً لا يمكنُ نقلُها مهما حزمنا الأثاث بعناية)3. وإذا كانت تخشى أنه سيكتشف، أن شيئا منه قد تخلّفَ الى الأبد، فكيف بنا؟ ونحن نعرف تماما، أنها تركت هذا الإرث الثقافي الكبير، الذي يتطلب منا أن نردَّ لها جميل فضلها علينا؟
لقد غابت سيّدة الكلام،
وجوهرة القمر النبيلة،
غابت للأسفٍ، غابتْ حزينةً،
كما نحن الآن،
وهي تكرِّرُ ما قالته سابقا:
"عندما يَعجزُ العقلانيُّ عنْ عَقْلَنَةِ آلامِهِ"
فهل تُنسى..
لُطفيَّةُ العراقِ
وبعقوبة المحبةِ
وبرتقالة الثقافة النبيلة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه/ لطفية الدليمي/ جريدة المدى/ العدد 5390/ بتاريخ 18/1/ 2026.
2- وباقي المجتزءات/ المصدر نفسه.