لا احسب أن أحدا ينظر لسرديات الحرب خارج ما تصنعه من قسوة، ومن مظاهر للعنف والخوف، والاحساس بالموت، فهذه السرديات تسخنُ عبر كثيرٍ من الأوهام، فتصنع من الضحايا، أكثر مما تصنعه من الابطال..
في الحروب التي تصنعها "الحكومات" و"الغرب الامبريالي" يختلط السرد بالتاريخ، فتعمد تلك "الحكومات" الى صناعة قواميس ومنابر و"اعلاف" ثقافية تجعل من هذه الحروب ترياقات تُغذي تلك الأوهام، عبر شعارات زائفة وعناوين للبطل الخارق، والعدو المارق..
صناعة الحروب العامة والعشوائية، ليست بعيدة عن أوهام "العقل الايديولوجي" ولا عن العصاب القومي، ولا عن الهروب من "الازمات الكبرى" الى غرائزية عنف الحرب، تحت يافطة الدفاع عن "الهوية المهددة" والقيم الضائعة، وعن الذات الرمزية المتضخمة لأنموذج الزعيم، والبطل القومي..
ما صنعته الحروب الكبرى، امتدت لتصنع حروبا موازية، أهلية بمزاج طائفي وقومي وحدودي وعشائري، وعلى نحوٍ تكرست معها قيم أسهمت في الترويج للهويات "القاتلة والمقتولة" بتوصيف امين معلوف، وفرضت مخيالها السردي المشوه لفكرة المنتصر والمهزوم والذي يجعل من انتصاره المزعوم تمثيلا للنقاء والعلو والقوة..
ما يحدث في عالمنا "الشرق اوسطي" من حروب مفتوحة، ومن سياسات لا تقل بشاعة عن الحروب ذاتها، تضعنا إزاء تحديات كبرى، وإزاء مراجعات نقدية، تتطلب وعيا فاعلا ب"عقدة الحرب" وبالقوى التي تقف وراءها، وعلاقتها ب"طبائع الاستبداد" السياسي والايديولوجي التي تقف خلفها، وحتى بعلاقتها بمرجعيات الغرب الاستعماري، والتي تجد في هذا الشرق السحري والنفطي بيئات مناسبة لفرض نظرية الحرب بوصفها اجراء للمحو والسيطرة، ولانتاج الخطابات التي تصلح لديمومة العنف الانثربولوجي، وتكريس فكرة التابع الذي تحدثت عنه غياتري سبيفاك، بوصفه الخانع والمقلد، والذي يواجه عصاب العنف المتوطن في أفكاره وفي مواقفه.
صياغة وتمثيل السؤال النقدي لمواجهة مركزية الحرب ليس سهلا، فالأمر يخص فاعلية العقل النقدي، واجراءاته في الخروج من الضيّق العصابي الى المتسع الثقافي، والى مواجهة "روح الهزيمة " في الذات، من خلال إعادة النظر بالمركزيات التي تحولت الى "استعمارات صغيرة" أكثرها بشاعة "استعمار الثروة" واستعمار الأسلحة، واستعمار معطف الآخر..
فهل يمكن لنقد الحرب أن يتحول الى حقل معرفي، والى درس جديد في الانثربولوجيا السياسية؟
هذا السؤال المفتوح لا يعني تحويل الخطاب الثقافي الى مجال للتنابز والسجال، والى "نقودات" تخص قضايا نقد الاستشراق والعقل السلفي، بقدر ما حاجتنا الى ضرورة أن يكون معنيا بتحفيز الثقافات الفاعلة، ثقافة التربية والتعليم، ثقافة التنمية، ثقافة مراجعة التاريخ، ثقافة العلاقة مع الآخر ونقد السرديات "الكولنيالية" والاوهام والشعبويات، وباتجاه تتعزز فيه قوة المعرفة بوصفها خطابا نقديا، ومواجهة تاريخ الأوهام التي تحولت الى استلاب وجودي، والى استبداد ثقافي، والى خراب داخلي، والى سياسات منغلقة لا تحمي سوى أفكار مغلقة..
النقد الانثربولوجي هو الاجراء الأكثر حيوية في إعادة صياغة وتوجيه "العقل النقدي" في سياق صناعة الخطاب الثقافي، وفي سياق صناعة "الرأي العام" وكذلك في سياق مواجهة تداعيات ازمة "العقل الشرق اوسطي" العقل المسكون باشباح الماضي، والمُضلل بكثير من الأوهام والوصايا، تلك التي جعلت الذات الثقافية تعيش مأزق وجودها وخواء اسئلتها، فضلا عن مأزق تورطها بحروب عبثية، وبعلاقات اكثر عبثية مع "اللوثيان" الامبريالي الذي تكرس عبر الأنموذج الأميركي، في شعبويته، وفي نزعاته التدميرية للحرب والعنف والصراعات الأيديولوجية، وكذلك في استغراقاته المعمدانية التي اتكأت على أوهام توراتية، تخص الأرض والمقدس والمخيال الديني..
إعطاء هذا النقد مساحته الثقافية، واجراءاته الفاعلة، يتطلب تأطيرا يستوعب كل اللوجستيات التي تعزز من مكانته العلمية والمعرفية، لا سيما في المجال التعليمي والاكاديمي، لأن واقعية تغيير قواعد الاشتباك الثقافي باتت اكثر حاجة لمثل هكذا ستراتيجيات نقدية، والى مشاريع وبرامج تنهض ب"الصناعة الثقافية" الى مستوى توسيع فعالياتها واجراءاتها واطروحاتها، والى مستوى أن يكون النقد مسؤولية تمنح المعرفة قوتها، بوصفها أداة العلم في مواجهة الاستبداد الداخلي أيضا، استبداد الأوهام والتخلف والعطب الثقافي، وكذلك استبداد الحرب التي باتت عنوانا ساخنا في المنطقة، وشعارا يحمله الغرب الكولنيالي، وكأنه تبشير بحرب "تطهيرية" ليست بعيدة عن فكرة "الشرق الأوسط الجديد" وأوهام الليبرالية الجديدة وما تخفيه من معمدانيات غامضة..