اخر الاخبار

الحرية لا بديل لها سوى الحرية، وأن ممارستها تعني البحث عن الانسان الحر الذي يؤمن بها، ويمارس وجوده من خلالها، بوصفها تمثيلا لوعيه وارادته ومسؤوليته، وبهذا تكون الحرية هي خط الصد مع الاستبداد، ومع العنف الذي يقوّض خياراتها الإنسانية والقيمية، فما تركه التاريخ لنا من اكراهات ومن عنف واستبداد، جعلنا ندرك أن للحرية ضرورة، مثلما لها طعما يشبه التطهير والخلاص، وأن الشحّ بها سيصيب الجسد الثقافي بكثير من العلل الاجتماعية والثقافية، ويجعل من الكتابة عنها وكأنه توقٌ الى الحقيقة، والى الأفكار التي تجعل من الحرية صالحة للاستعمال.

الحرية لا تعني هروبا من مسؤولية النقد، ولا من الأسئلة التي تخص توليد المعنى، بقدر ما تعني الاهتمام بتلك الأفكار، وبضرورتها في تأهيل الأوطان للمستقبل، وبناء الأسس التي تكفل صياغة سلسلة من العقود الاجتماعية والثقافية، وحتى السياسية التي تجعل الرهان على الحوار والقبول بالآخر متاحا، وقابلا للتنفيذ. قرأنا الفلسفة وكتب المعرفة والادب لنتحسس وجود الحرية، ولندرك حمولاتها الرمزية والحقوقية في التداول الثقافي، وفي التدريب على تجاوز عقدة مركزية التاريخ التي تركت لنا ارثا صلبا من الاستبداد، ومن الواحديات التي جعلت العالم ضيقا، حتى بدا حديث الحرية شائها، ومضللا وكأنه بحثٌ عن زمن خارج المألوف، وخضوع الى سرديات اغرقت ذلك التاريخ بكثير من الدوستوبيات المُعتمة، وبشخصيات امتلكت الصولجان والخطاب والفكرة والسلطة والعنف.. ارتبطت الحرية بوعي الثورة على صاحب الصولجان، مثلما ارتبط بالثورة على الاستعمار والاستبداد، فكانت جزءا من مشروع التحول، ومن النضال الإنساني الذي شغفت به الشعوب، بوصفه مجالا ثقافيا، يتسع للنقد، والحوار والجدل والاختلاف، فضلا عن تمثله لفاعلية النضال الثقافي الذي يؤسس خطابه على اساس مناكدة التاريخ، وعلى ترحيل فكر الحرية من الخطاب الى الواقع، ومن اللغة الى التداول، ومن التمثيل الانثربولوجي الى التمثيل العقلاني، حيث مواجهة ارهابات الاستبداد والاستعمار والعبودية ورثاثة الفكر الرجعي والطبقي. الفهم الثقافي لهذه الحرية ليس مجردا، ومكتفيا بهواجس الذات، بل يتجاوز ذلك، الى تمثيله في سياق التأسيس المعرفي، على مستوى علاقة الحرية بالفلسفة والايديولوجيا والمواطنة والتنمية، وقضايا الحداثة والتنمية والديمقراطية، والتي جعلت من "قضية الحرية" داخل تمثلات نقدية تعني بالدراسات الثقافية، في سياق تمثيلها النقدي، أو في سياق توسيع مجالها المفهومي، والخاص بتعرية "الهيمنة الرأسمالية" وبفضح رهابات "المقموع والمسكوت عنه" وكذلك بالقضايا التي تخص تنمية الوعي وتحرير الجهد الاكاديمي، وبرامجه التي تُعنى بنظريات "ما بعد الاستعمار" وقضايا النسوية والنقد البيئي، والتمثيل السياسي، وإصلاح منظومات الحكم والسياسات العامة، ضمن مشاريع وبرامج، تجعل من الحرية رهنا على التغيير، وعلى أن يكون الحق في النقد، هو المدخل للحديث عن حريات واسعة تخص الرأي والاعتقاد والتظاهر، ومواجهة الظلم الاجتماعي والسياسي، فالحرية ليست "جهازا" يمكن أن تصنعه الدولة، بقدر ما هو ممارسة تقوم على الوعي بالارادة، وبتحمل المسؤولية، وتجديد وسائط التفكير من خلال حرية التواصل مع العالم، عبر الثقافات والمعارف ومناهج التعليم الحديث، وعبر التنميات الوطنية التي تعزز فيه الوجود الحر في المدينة، وفي الدولة، وفي صناعة الخطاب، وفي تحرير الهوية من الانغلاق الى الصيرورة التي تحدث عنها الفيلسوف جيل دولوز.

 تاريخ الاستبداد العراقي جعل من الحرية الغائبة وكأنها طلسم سحري، وأن تمثيلها يحتاج الى جيوش من الفلاسفة والثوار، لكي يمنحوا تلك الحرية وجودها، بعيدا عن الأوهام التي تكرست مع الاستبداد، ومع المركزيات السياسية والأيديولوجية، ومع الأقنعة التي اخفت كثيرا من الخراب، ومن مظاهر الرثاثة الاجتماعية، والعنف الذي تحوّل الى مؤسسات قامعة، وطاردة، وربما الايهام بشعارات ربطت الحرية بالطاعة، و بتمثيل الفكرة المركزية للبطريارك الأكبر، وبالوعي الزائف الذي تصنعه "ادلجة" وبالصور الذهنية التي صنعها، والتي جعل منها منبره و"شعبويته" التي جردت المفاهيم من توصيفها النقدي، ومن حيويتها وضرورتها في أن تصنع وعيا متعاليا، وفاعلا، ومؤهلا لتمثيل "رأيٍ عام" قادر على مواجهة الاستبداد، وعلى تغيير موازين القوى، وخلق بيئات ثقافية ووطنية، يمارس من خلالها المثقف المواطن دوره في صناعة الخطاب الثقافي، وفي النظر الى مؤسسة الدولة من منطلق الحق والواجب في اعلان الحديث عن الحرية بوصفه حقا طبيعيا ينبغي النضال من اجله..