لا يمكن مقاربة سؤال المثقف العراقي بوصفه سؤالاً ثقافياً محضاً، أو إشكالية معرفية معزولة عن شروطها التاريخية والاجتماعية. فالمثقف في العراق لا يتحرك داخل فضاء هادئ أو مستقر، بل يتكوّن وعيه في سياق مشحون بالعنف، والانقطاعات السياسية، وتراكمات الذاكرة المثقلة بالحروب، والانقسامات، وخيبات الدولة. من هنا، يصبح سؤال الموقف سابقاً على سؤال المعرفة، ويغدو التداخل في المواقف سمة بنيوية لا عرضاً طارئاً. المثقف العراقي يقف دائماً عند مفترق طرق: بين قول الحقيقة ومجاراة الواقع، بين النقد والنجاة، بين الانخراط والصمت. وهذا المفترق لا يُحسم دائماً عبر شجاعة أخلاقية صافية، بل كثيراً ما يُدار عبر حسابات الخوف، والانتماء، والمصلحة، أو حتى التعب الوجودي. لذلك، لا يكفي أن نسأل: ماذا يقول المثقف؟ بل الأهم أن نسأل: لماذا يقول، ولماذا يصمت، ولمصلحة من يتكلم أو يلوذ بالصمت؟ ليس كل من يقرأ أو يكتب أو يتحدث باسم الثقافة مثقفاً بالمعنى العميق للكلمة. فالثقافة ليست زخرفة لغوية، ولا تراكماً للمعلومات، ولا مهارة في استدعاء الأسماء الكبرى. المثقف الحقيقي ليس مخزناً للمعرفة، بل فاعلاً في إنتاج الوعي. والمعرفة التي لا تتحول إلى موقف، تبقى معرفة ناقصة، بل قد تنقلب إلى أداة تزييف حين تُستخدم لتبرير السائد بدل مساءلته. في هذا الإطار، يمكن التمييز بين نمطين أساسيين من المثقفين: المثقف غير الواعي، والمثقف الواعي. وليس المقصود هنا حكماً أخلاقياً تبسيطياً، بل توصيف بنيوي لطريقتين مختلفتين في التعامل مع الثقافة والواقع. المثقف غير الواعي هو ذاك الذي يتعامل مع الثقافة بوصفها مرآةً للذات، لا أداة لإعادة تشكيلها. يستهلك الأفكار كما تُستهلك السلع، ويعيد تدوير الخطابات الرائجة دون مساءلة شروطها أو نتائجها. يكرر ما يُقال، لا لأنه مقتنع به بعد تفكير نقدي، بل لأنه آمن، أو شائع، أو يمنحه موقعاً رمزياً داخل جماعة ما. رأيه غالباً ما يكون صدى لرأيٍ أقوى، أو امتداداً لسلطة سياسية، أو دينية، أو اجتماعية، أو حتى إعلامية. في السياق العراقي، يتجلى هذا النمط بأشكال متعددة: مثقف الطائفة الذي يبرر العنف الرمزي باسم الهوية، المثقف المحدود الافق الذي يخلط بين النقد والدعاية، مثقف السلطة الذي يجمّل القبح باسم الواقعية، ومثقف السوق الثقافي الذي يقيس مواقفه بعدد المتابعين وردود الفعل. جميعهم يمتلكون لغة، وربما معرفة، لكنهم يفتقرون إلى عنصر أساسي هو الجرأة على التفكير الحر، ثقافتهم ساكنة، لا تُقلق أحداً، ولا تُهدد بنية الهيمنة، أشبه ببحيرة راكدة تبدو غنية بالماء، لكنها بلا تيار ولا حياة. في المقابل، يظهر المثقف الواعي بوصفه كائناً قلقاً، غير مطمئن إلى ما يُقدَّم له كحقائق نهائية. الثقافة عنده ليست زينة ذهنية، بل ممارسة وجودية. لا يكتفي بأن يفهم النصوص، بل يسائل سياقاتها، ولا يستهلك الأفكار، بل يفككها. يدرك أن المعرفة مسؤولية، وأن التفكير فعل مقاومة، لا ترفاً ذهنياً. لا يفكر ليُبهر، بل ليكشف، ولا يكتب ليُرضي، بل ليُزعج الأسئلة الكسولة. هذا النمط من المثقف يرى في الثقافة علاقة عضوية بالواقع، لا انفصالاً عنه. لذلك، لا يتعامل مع الواقع بوصفه قدراً يجب التكيّف معه، بل بوصفه بنية يمكن مساءلتها وتفكيكها. هنا، لا تعود الثقافة فعلاً محايداً، بل فعلاً سياسياً بالمعنى العميق للكلمة، أي فعلاً يمسّ علاقات القوة، والهيمنة، والمعنى.
في هذا السياق، تبرز تجربة أنطونيو غرامشي بوصفها مثالاً كثيف الدلالة لمعنى المثقف الواعي. فغرامشي لم يكن مفكراً يكتب عن السلطة من خارجها، بل مثقفاً منخرطاً في صراع مجتمعه، واعياً بدور الثقافة في إعادة إنتاج الهيمنة أو مقاومتها. لم ينظر إلى المثقف بوصفه كائناً متعالياً على المجتمع، بل بوصفه "مثقفاً عضوياً" مرتبطاً ببنية اجتماعية، ومسؤولاً عن تفكيك الوعي الزائف السائد. غرامشي أدرك أن السيطرة لا تُمارس بالعنف المباشر وحده، بل عبر الثقافة، والتعليم، واللغة، والمعنى. لذلك، جعل من الوعي ساحة معركة أساسية. وحين زُجّ به في السجن، لم يتخلَّ عن هذا الدور، بل عمّقه. في "دفاتر السجن"، لم يكن يدوّن تأملات شخصية، بل كان يعيد صياغة علاقة الثقافة بالسلطة، والمثقف بالمجتمع. الكتابة عنده لم تكن ترفاً فكرياً، بل شكلاً من أشكال المقاومة، ومحاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحرية في أقسى الظروف. في المقابل، تطرح تجربة مارتن هيدغر سؤالاً إشكالياً عن حدود الفكر حين ينفصل عن الموقف. هيدغر، أحد أعظم فلاسفة القرن العشرين، أعاد طرح سؤال الوجود بعمق غير مسبوق، وترك أثراً هائلاً في الفلسفة المعاصرة. لكن هذا العمق الفلسفي اصطدم بلحظة تاريخية حاسمة، حين واجه صعود النازية. في تلك اللحظة، اختار الصمت، بل والتواطؤ المؤقت، مفضلاً الانسحاب إلى عالم التفكير الخالص، أو تبرير الصمت باسم تعقيد اللحظة. هنا لا يتعلق الأمر بإدانة أخلاقية مبسطة، بل بتشخيص مفارقة عميقة: كيف يمكن لفكرٍ يسائل الوجود أن يعجز عن اتخاذ موقف واضح من أكثر أشكال الوجود توحشاً؟ هذه المفارقة تكشف أن العمق المعرفي لا يضمن بالضرورة وعياً أخلاقياً، وأن الفكر، حين ينفصل عن المسؤولية التاريخية، قد يتحول إلى ملاذ آمن من مواجهة الواقع. بين هذين النموذجين، يتحرك المثقف العراقي المعاصر. واقع معقد، سلطات متعددة، عنف رمزي ومادي، وضغوط لا تنتهي. في هذا السياق، يصبح التداخل في المواقف اختباراً يومياً. هل يقول المثقف ما يعتقده حقاً، أم ما يسمح به السياق؟ هل يختار الصمت بوصفه تكتيكاً، أم يتحول الصمت إلى موقف دائم؟ كثيراً ما يُبرَّر الصمت بذريعة "تعقيد الواقع"، أو "الخوف من الفوضى"، أو "عدم جدوى الكلام". لكن هذه التبريرات، مهما بدت عقلانية، قد تتحول إلى أشكال من الوعي الزائف إذا لم تُساءل ذاتها. فالتعقيد لا يُلغي المسؤولية، بل يضاعفها. والمثقف الواعي لا يبحث عن موقف مريح، بل عن موقف صادق، حتى لو كان مكلفاً. نعيش اليوم زمناً تُسلّع فيه الثقافة، وتُختزل المعرفة إلى اقتباسات عابرة، وتُقاس القيمة الرمزية بعدد الإعجابات والمشاركات. في هذا الزمن، يزداد خطر المثقف غير الواعي، لأنه يتحول إلى جزء من آلة إعادة إنتاج السائد، حتى وهو يظن نفسه ناقداً. يعيد نشر ما يُرضي الجمهور، لا ما يُحرّك وعيه، ويخشى خسارة المنصة أكثر مما يخشى خسارة المعنى. أما المثقف الواعي، فيدرك أن الوعي ليس رفاهية فكرية، بل شرط بقاء إنساني.
وأن الثقافة، إن لم تكن أداة تحرير، ستتحول إلى أداة تزييف. لذلك، لا يتوقف عن طرح السؤال الغرامشي الجوهري: من يُنتج الثقافة؟ ولصالح من؟ ولا يكف عن الحذر من الوقوع في الصمت الهيدغري المريح. في النهاية، ليس المطلوب من المثقف العراقي أن يكون بطلاً، ولا أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل أن يكون شاهداً نقدياً، قادراً على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف. فالثقافة، في معناها الأصيل، ليست كومة كتب، بل جريان وعي حي، مثل الماء الذي لا يفسد لأنه يتحرك، ومثل الشرارة التي تنير لأنها تحترق. وفي هذا الاحتراق، وحده، يتحدد الفرق بين مثقف يبرر الواقع، ومثقف يحاول تغييره.