إلهي الذي في السماوات والأرضِ! ماذا فعلْنا؟ لِنعبُرَ هذا المضيقَ الطويلَ، ونصبِرَ في جَوْفهِ صاغرينَ، ونعبُرَ بحراً من الظلماتِ، ونبصِرَ تلك المغارةَ ماثلةً، فنهلِّلَ أنا وصلْنا المنارةَ، ثمَّةَ شيءٌ أضاءْ ولكنَّ تلك المنارةَ كانت ورودَ حديدٍ، على عُروةٍ في حذاءْ*
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! هذي بلادي، لماذا تركتَ العبادَ طويلاً لهذي البدايةِ حتى النهايةِ؟ كيف غَفا حوْلَنا الفجرُ؟ كيف تحطَّم ميزانُ ذاك القضاءْ؟ فمرَّ على لحمنا حاطبُ اللحم والعظمِ، ألقى بنا خارج البيتِ مثلَ الجِراءْ وعمَّقَ حُفرتَنا، ثم صَبَّ علينا الحديدَ، وقهقهَ، حتى بكى الحالَ حتى الهواءْ*
إلهي الذي في السماوات والأرض! نحن بنيك البقايا/الشظايا، طلبْنا النجاةَ، -ونهمِسُ في كلِّ يومٍ يمرُّ: نَجَوْنا!-فخُضْنا إليها السماواتِ والبرَّ والبحرَ، قلنا بأنْ ما تبقَّى لدينا سواكَ، رأيناكَ تنظرُ في دهشةٍ، كان طفلٌ مُدمَّى يُهدِّدُ قاتلَهُ، أنه سيراكَ، فيُخبرُ عن كلِّ شيءٍ رآهُ، وأغمضَ عينيه من ألمٍ، ومضى في عُلاهُ، فجاء مَلاكٌ مُدمَّى، فغطَّاهُ في قطعة من سماءْ وطار به في الأعالي، إلى حيثُ لا ألمٌ أو دماءْ*
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! هذي بلادي التي حدَّثتْني التواريخُ عنها، وباهتْ بها أُمَمٌ، ونشأنا على وهْم أنَّ لدينا بلاداً على عَرْض أحلامنا، من جَنائنِ عَدْنٍ، وأرضاً مَشاعاً من النار والنورِ، والأبجديةِ، والسفنِ الجارياتِ، وبيتاً يُكلِّله الياسمينُ، إذاً هذهِ سوريا يا إلهي! فهل كان وهماً؟ أهذا الذي كان حقَّاً وصدقاً؟ أهذا الحُطامُ/ الرُّكامُ بلادي؟ أهذي الوجوهُ الغريبةُ أهلي؟ وكلٌّ يغنِّي، وليلاه ليلٌ طويلٌ، "سأحرقُ هذي البلادَ، تجوعونَ أو تركعونَ، أنا لا سوايَ!" يصيحُ المهرِّجُ في بُرجهِ بانتشاءْ أهذي سفينةُ نوحَ الأخيرةُ تمضي بنا للفَناءْ؟*
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! لا شكَّ كنتَ ترانا بَنيكَ الذين طَغَوا في البلادِ، نَمَوا في جُحور الطواغيتِ، حتى استحلْنا طواغيتَ، صِرْنا مُسوخاً، على جُرُفٍ وشَفا حُفرةٍ من عَماءْ! تَرى غَدَها في الهَباءْ
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! لم يبقَ لي من بلادي سوى خطوةٍ.. خطوتينِ، لأَدفِنَ فيها جراحي، وأُلقي سلاحي، وأمسحَ عن قُبَّة الروحِ ما فعله الطواغيتُ، ما لوَّثوا من مياه السواقي، وما سَمَلوا من عيونٍ، وما اقتلعوا من أظافرَ، نبحثُ مثلَ المجانين عن مخبأٍ في كهوفِ البلاد التي تركتْنا وحيدينَ، مُمْتلئينَ صَديداً، ورُعباً مديداً، نقابلُ في كلِّ يومٍ بلاداً على شكل فزَّاعةٍ في الطريقِ، وفي الأغنياتِ، وعبْرَ الحدودِ، إذاً لا بلادَ لنا ههنا، سوف نرقصُ تحتَ السياطِ، نغنِّي نشيداً/نشيجاً: "حماةَ الديارِ عليكم...!" عليَّ، على الكلِّ، نحفرُ أسماءنا في الزنازينِ، لا الشمسُ ضاءتْ، ولا الأرض جاءتْ، ولا الموتُ جاءْ وعشنا على أرضنا غرباءْ*
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! مرَّتْ جحيمٌ علينا، ذئابٌ عليها ثيابٌ، أتَوا جنة فأبادوا بها الحَرْثَ والنسلَ، كانوا إذا دخلوا قريةً أفسدوها، وشالوا أسافلَها للأعالي، أذلُّوا أعزَّتَها، أشعلوا النارَ في كلِّ شيءٍ، بلادي عروسَ الحضاراتِ كانتْ، أقاموا عليها الحدودَ، وخَطُّوا على جسمِها بالسكاكينِ طولاً وعَرضاً، تَرى روحَها تتعالى، وصَرْختُها تتلألأ، وجاءوا! أباطرةٌ خِرَقٌ، وجرادٌ، أبادوا فسادوا، وعُدْنا، وعادوا، وصارت بلاديَ سجناً فسيحاً! بلاداً بأكملها في صليبٍ، مساميرُهُ تتنزّى دماً، وتئنّ وتبقى، مع القهر أنقى، على رأسها تاجُ شوكٍ، كأنَّ المسيحَ تقمَّصَها، لا بلادَ لنا! نحن مَحْضُ هَوامٍ تَدِبُّ على قَفْرةٍ، كان لي فُسحةٌ فامَّحتْ، إنهم عَسسٌ، ورسالتُهم مَحْضُ مَحْوٍ، ولا شيئُهم كلُّ شيءٍ، ولا شيءَ في ظلمات البلاد أضاءْ سوى دمهم في الدواليبِ، أو عَظْمِهم في المَكابسِ، أو نظراتِ عيونٍ كأنْ لَوَّحتْ، ثم غابتْ، وجَلَّلها غسقٌ غامقٌ، وظلالُ نساءٍ يفتِّشنَ عن أثر للأحبَّاءِ تحت الترابِ الذي ضَمَّ أَعظمَهمْ، والرمادِ الذي نثروه عليهِ، فلم يتبقَّ سواهم، سوى الشهداءْ!*
إلهي الذي في السماوات والأرضِ! جِئْنَ إليكَ الثكالى/اليتامى/الأَيامى، يُخمِّشنَ بابَكَ، يا ربُّ رِفقاً، تعبنا، وما تعبَ الموتُ منا! تعبنا من الموتِ.. والعيشِ، نعبُدُ مَن قتلونا، ونبني لهم نُصُباً من عظام الضحايا، وبالدم نُمْلي الشعاراتِ فارغةً كالبساطيرِ فوق رؤوس البرايا، فيا أمُّ ماذا تريدين بعدُ؟ ومنذا يُعيدُ الذي غابَ؟ يا أمُّ نُوحي! فلا عَتَبَ اليومَ نُوحي! ونُحْنَ نساءَ بلادي! ففي سوريا الأمِّ تبكي السماءْ! لعلَّ الدموعَ ستوقظ في هذه الأرض ما يستحقُّ البقاءْ.*
إلهي الذي في السماواتِ والأرضِ! صُنْ شَيبتي ولياليَّ من غَدْرهم، في بلادٍ هي القبرُ، بل هي أدنى، ولا.. لا تَزِدْ من عذابي، فقد وَهَنَ العظمُ منيَ، واشتعلَ الرأسُ شيباً، فدعْني أعشْ آخرَ اللحظاتِ جميلاً كما أتمنَّى، لأنَّا تعبنا من الخوض في كلِّ سيلٍ، تعبْنا من الركض نحو السرابِ، وتحت الحرابِ، وخلف العذابِ الوباءْ دعِ الليلَ يأتي خفيفاً لطيفاً، وضُمَّ لنا مَن نحبُّ، ودعْنا نعانقْه، دعْنا مع الموتِ في موتنا طُلَقاءْ. *
هنا هَدَأَ المشهدُ الدمويُّ، ويستيقظُ الفجرُ، كانت دمشقُ وجامعُها الأمويُّ يُصيخان سمعاً، يَفِرُّ الرماةُ من السورِ، أبراجُه خالياتٌ، على رأسها الطيرُ، قنَّاصةُ الحيِّ فَرُّوا، خرجْتُ مع الفجر حتى أرى ما تَبقَّى، جَلاوزةُ الذئبِ ذابوا مع الذئبِ كالملحِ، لكنَّ أشباحَهم تَتراءى، دُخانٌ يُتوِّجُ (فرعَ فلسطينَ)، صَيحاتُ مَن دخلوا فاتحينَ تَعالتْ، رصاصٌ يُغطِّي على كلِّ شيءٍ، ومِن قاسَيونَ رأيتُ دمَ الأخوين يسيلُ إلى بردى، فابتعدتُ سريعاً، دخلتُ خرائبَ حولَ المدينةِ كي أوقظَ الشهداءَ الذين ينامونَ تحتَ الرُّكامِ، فقاموا من الموتِ مُبتهجينَ، وساروا إلى الشامِ، والصمتُ خيَّم من فوقِهم، فبكَوا عندَ بابِ المدينةِ، حيثُ تَنوحُ:
"حماةَ الديارِ عليكم دماءْ!"
تُغالِبُ دمعتَها: سوريا جثةٌ في العَراءْ
فقالوا لها: لم نَمُتْ، بل غَفوْنا قليلاً لِننهضَ من نومنا أقوياءْ!