اخر الاخبار

مفكر عندما تسأله، وشاعر عندما يعيش المخيلة، وناقد صارم في احكامه الموضوعية الدقيقة. انسان حقيقي، صادق في مواقفه ورؤاه وحتى في حضوره بين الآخرين.

د. مالك المطلبي، شاعر يبني قصيدته بأحكام لغوي واع، ويعطي آراءه بوضوح تام وعطاء مثمر. اجاباته هنا تقدم لقرائه اهمية ان يكون المطلبي بؤرة ضوء وشاهد عصر ونظرة مفكر عميق الى المستقبل.* (الحلفاية) القرية النائية في مدينة العمارة.. ماذا تعني لكم؟ كيف شكّلت البذرة الأولى لاهتماماتكم المعرفية، ما مدى حضورها في كتاباتكم؟

 - ما أملاه عليَّ السؤال من تثبيت بطاقة الاسم (الحلفاية) والوصف (قرية نائية في مدينة العمارة) يُحدّد اسم مكانها، وموقعه، وبإمكاني أن أضيف اسمين آخرَين لها؛ (المركز)، وهو اسم يُطلقه عليها أهل الأرياف، و (المُشرَّح) وهو الاسم الذي يعتمده السجلّ الرسميّ (الحكوميّ) في المعاملات. أما اسم (الحلفاية) فهو الاسم الأكثر تداولًا، وقد سمّاها الآباء الأوّلون، بهذا الاسم، لأنها كانت أرضًا يُغطّيها نبات الحلفاء الكثيف. كل ما تقدّم من تعليم المكان إنما هو لتحديد الموقع، وإلا اختلط حابل الأمكنة بنابلها. أما في الحقيقة فالمكان والزمان، من المنظور الفلسفيّ، اختراعان افترضهما الإنسان بكونهما أداتَي توقيت يُميَّز بهما الموقع المستهدَف وبهما يستطيع إنجاز أعماله حين الخروج من كهفه والعودة إليه. وكثيرًا ما سُئلت هل تزور الحلفاية التي شُغفت بها حُبًّا وخصصتها وآثارها في قصائدك، وجعلتها في كتابك (حفريات في اللاوعي المهمل) مسرحًا للأحداث التي عاشها الطفل الذي كنته؟ وكان جوابي أنني لست موجودًا وجود ذلك الطفل الذي كنتُه، وقد استولى الكهل والشيخ على أملاكه.  وباختصار الطفل الذي كنته، كتب الحلفاية، في حين كتب الكهل والشيخ عن الحلفاية. وفي ضوء ذلك يكون المكان، في المنظور الفلسفيّ للأدب والفن، فاعلً حيّ وسط صراع الموجودات في عالمها التخييلي  (السرديّ). في رواية (جسر على نهر ألدرينا) لا يصبح الجسر شاهدًا على الأحداث، بل صانعها، وحدّد خطوطها، وبالتعبير التقليديّ بطل هذه الرواية، وفي رواية (صمت البحر) يُقاتل بيت العجوزين، بصمته، جنون القوة النازية التي احتلته. وهكذا ينبغي لنا انْ نحرّر مفهوم المكان في الأدب من كونه مكانًا تجري فيه الأحداث إلى فاعل للأحداث. 

*  الكتابة، هل تعدها صناعة الكلام، تجربة الكاتب، موقفه، عزلته، وبوحه ويقظته وسموه ومجده؟

- الكلام والكتابة لا يصنع أحدهما الآخر، بل هما صورتان للغة، الكتابة تمثّل صورة الغياب (غياب) المؤلف. والكلام صورة الحضور، (حضور) المؤلف. وأنا معك في أن الفعل اللغوي هو نوع من أنواع الصناعة إذا ربطنا الصناعة بالوعي، كما يحدث في صِدام الأفكار. أما في الإبداع الأدبيّ، والفنيّ، فيصدر عن قوًى متعددة؛ اللاوعي، والكليات العميقة، وتفاعل النصوص (التناص). وفي ضوء ذلك ظهر مصطلح (موت المؤلف) لدى الفيلسوف الفرنسي (رولان بارت)، ومفهوم هذا الموت هوأن (المؤلف) لا يُشارك قارئ النص ليبيّن مقاصده، ويشرح ما غمض منه. وهو أمر مستحيل الحدوث. وبالعودة إلى الأسئلة عن موقف الكاتب ويقظته وسموّه...إلخ سنكون أمام إشكاليّة (وليست مشكلة) تتعلق بموقف المؤلف من جزأَي الفاعليّة الإبداعيّة، وهما الشكل والمحتوى. وفي تأريخ الأدب رسمت هذه الثنائيّة تأريخ السجال. طرد أفلاطون (الشاعر) من جمهوريته، لأنه لا يبحث عن الحقيقة، وفي الإسلام طُرِد القوّالون (الشعراء) ومَن تبعهم من الشياطين: {والشُّعراءُ يَتَّبِعُهم الغاوون. أ لَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهيمون. وأنَّهُم يقولون ما لا يَفعَلون} / الشّعراء: 224 – 226 واستثنى من المطرودين الذين يُوجّهون قصائدهم نحو فعل الخير: {إلّا الذين آمنوا وعَملوا الصّالحات} / الشعراء: 227 وسيظهر مصطلح (المعنى النبيل) وصفًا للمُحتوى الإيماني، ومعيارًا لتجنيس الشعر، وقال به الإمام (الغزالي)  وتبناه الدكتور علي الورديّ في كتابه (أسطورة الأدب الرفيع). أما الجهة التي رأت أن صياغة المحتوى هي الفعل الذي يجعل الشاعر شاعرًا، أو يسلب هذه الصفة منه. ولعلّ المقولة التراثيّة: " أحسن الشعر أكذبه" تُشير إلى الطاقة التخييليّة الشكلية معيارًا للحكم على قوة الشعر، وضعفه. وتبنت المقاربات الحداثية، وما بعدها، الذاتيّة الأدبيّة  كالمدرسة الشكلانية الروسيّة، والبنيوية، والتفكيكيّة. في حين ذهب بعض المقاربات (البنيوية التكوينية التي أسسها (لوسيان جولدمان) إلى الجمع بين المحتوى والشكل، بين تحليل البنية المغلقة للنص، وسياقه التأريخيّ والاجتماعيّ. وإذا أردنا مقاربة تطبيقية لهذا السجال النظري، تناولنا النتاج الشعري لمحمود درويش الذي جعل من محتوى القضية الفلسطينيّ أساسًا لبنائه الشعريّ، غير أنه لم يخلع على هذا المحتوى (الأيديولوجيّ) صفة التقديس، بل قدم صياغة فنيّة حوّلت المحتوى إلى لغة شعرية تستثير الكوامن البشريّة، وتتخطّى بها البعد الدعائيّ.    

* مشروعكم النقدي المتعلق بالمبدع الكبير محمد خضير الذي كانت نواته الأولى كتاب مشترك مع الناقد عبد الرحمن طهمازي. مشروعكم الأخير / الرباعية النقديّة، تألقت في اللغة. ما الذي يميّز مشروعكم النقديّ هذا عن المشاريع النقديّة في العراق؟

- يتجه السؤال إلى المنهج المقارن في الأدب. وهو أمر يحتاج إلى فحص نصوص النقد العراقي، ومقارنتها بمشروع الرباعية النقديّة، لاستيفاء متطلبات هذه المقارنة. ومع ذلك أحاول تقديم إجابة تستند، على نحو ما، إلى ما أمتلكه من قراءتي للنقد العراقي، وكوني مؤلّفًا لهذا المشروع. والملاحظة الأولى أن تناول أعمال شخص واحد، في زمن محدّد، لم يعهده النقد العراقي الذي يتناول أزمانًا وأعمالًا مختلفة متباعدة. والثانية تناولي في تجربتي النقدية، ما يجمع بين الوقوف عند المعرفة الأدبية، وأبنيتها المغلقة، وأنساقها المضمرة، والحفر المعرفي في  الوجود  والزمن، والخطاب، والسلطة، والموقف والحريّة..إلخ 

*  لماذا طلق الشعر الحديث الوضوح، واتّكأ على الغموض، ولماذا صارت لغة الشعر الراهنة يتناولها الشعراء في ما بينهم في عزلة عن القارئ؟

- يُعدّ الغموض الفني جزءًا من خصائص الشعر. لا يعطينا الشعر معلومات، ولا يزودنا بشروح لما استعصى علينا فهمه. إنه فعل يخلخل وجودنا الماديّ ومنطقنا العقليّ. كل ما يمسّه الشعر يترك فينا صدمات كسر التّوقّع، أيًّا كان موضوعه، الحياة اليومية، أوالآفاق الماورائيّة. وفي ضوء ذلك يكون الغموض الفني جزًءًا من ألعاب اللغة الشعريّة. أمّا الغموض المقصود فهو مسألة فرديّة يظن بعضهم أنّها تقوده إلى الكتابة الشعريّة الحقّة. أما عزل القارئ والتحول إلى سلطة النخبة، فهو أمرٌ لا يمكن تحقّقه في الجانب العمليّ. وقد أزاحت نظريّة التلقي المؤلف، والبنية المغلقة لصالح القارئ الذي لم يعد مجرد متلق سلبيّ، بل هو العنصر الفاعل الذي يسد فجوات النص، ويكتشف ما يُخبِّئه.

* غاب الهدف وحضر الحدس في القصيدة الحديثة.. ما مُسوّغات هذا التوجّه؟

-  يحيلني سؤال الحَدس على الفلسفة التي تعدّه مصدرًا أوليًّا للمعرفة الفجائيّة التي تقع خارح التفكير، أو التجريب، أوأي نوع من أنواع التأمّل. وقد نسبه بعض الفلاسفة إلى الغريزة، وليس إلى العقل.  وإذا أخذنا بالقول الذي يذهب إلى أن الشعر نوع من أنواع الفلسفة غير المنضبطة، أدركنا أن الحدس من لوازم الشعر. أما غياب الهدف، فالخطاب الشعريّ، كما أشرت إلى ذلك، لا يضع أهدافًا على لائحته. بعبارة أخرى، لا يقسم الشعر الوجود إلى أزمان تتدرج من البداية إلى تحيق الهدف (النهاية)، لأنه - الشعر- ببساطة، لازماني. هدف الشعر هو الدهشة، والفلسفة وُلدت حين وُلدت الدهشة.

* السّرد، هل تنفعه السيرة والذاكرة لكي يكون مضيئًا، لكي يكون لسان حال الذات لا الموضوع؟

- كل شيء ينفع السرد: ما تموّله دراما الواقع، وما تموله السِّير التي يتعاقب زمانها على مراحل العمر، وما تختزنه الذاكرة، وما تُخَلِّقه دراما الخيال. وما يحمله مجرى الزمان. وكل ما يُنير الطريق أمام الحكّائين الذين إذا انقطعت سلسلتهم، لم يعد الوجود قائمًا، ( قولة ريكور "الوجود والزمان والسّرد"). في الخلق السّرديّ يُصبح الموضوع شكلًا، وتتحول سلطة التصرف بالنص (أو لسان الحال) إلى القارئ.

* القطيعة مع الإيديولوجيات.. هل تعني الحريّة، هل الإيديولوجيات عقبة أمام الكتابة الحرّة، هل تجرّد الإبداع من الفكر؟

-   يحيلنا هذا السؤال على الصراع المرير بين الفردانيّة، والقطيعانيّة، بين الجبر والاختيار، بين الانغلاق والانفتاح. سيكون الجواب انعكاسًا للبديهة، أكثر مما يكون انعكاسًا للتفكّر: تنزع الذات البشريّة، بطبيعتها، نحو حرية الاختيار، أما الإديولوجيا فصناعة تأريخيّة يتقاعد فيها العقل. غير أن هذا الجواب يطرح جانبًا، صمود هذه الإشكالية (إشكالية الانغلاق العقليّ) وصمودها أمام التحولات التأريخيّة الكبرى في الديمقراطيّة والحريّة.. ألسنا نعيش ضمن مجموعات (قبائل) منغلقة على نفسها تستجلب سؤالًا آخر: أهناك نزعة متأصلة في الخلق الإنسانيّ للذوبان في النسيج الجمعيّ، أو أنها ظاهرة تأريخية يدافع عبرها الإنسان عن بقائه على لائحة الوجود؟

وفي سؤال: هل الإديولوجيات عقبة أمام الكتابة الحرة؟ نحتاج إلى سؤال يتفرّع عن هذا السؤال.. ما حدود تلك الحرية للكتابة الحرّة؟ والجواب عن هذا التفريع يصل بنا إلى أن الإبداع والإيديولوجيا يقتضيان موت أحدهما ليعيش الآخر، وهو أمرٌ لا تحقّق له في الواقع حتى الآن

* د. كتور مالك المطّلبي / الأكاديميّ، هل أضاف الدرس لكم إرثًا تعتزون به في مسيرتكم الأدبيّة، هل يتلقّى طلبتكم الخطاب الأكاديميّ شهادة أم معرفة؟

-  نعم أضاف لي كثيرًا. أنا أفهم الدرس الأكاديمي، بكونه صراعًا معرفيًّا شاقًّا بين المعلم وطلابه، ينتهي إلى بناء أجيال خلّاقة تُؤسّس لمجتمع حيّ. ولكي نحول هذا الذي يبدو مجرد خطاب مقطوع الصلة بمحتواه، ينبغي لنا أن نبني ستراتيجية التعليم الأكاديميّ على الإبداع وليس على التلقين. أن يكون الطالب مشاركًا في الحوار، وليس كائنًا سلبيًّا يهمّه الحصول على الشهادة بدون ما تنطوي عليه هذه الشهادة من حمولة معرفيّة. الواقع الأكاديميّ يشير إلى الشهادة أكثر مما يشير إلى المعرفة. 

* الآن..هناك توجه عام لإنتاج الجهل والخرافة والغيبيّات.. كيف تنظرون الى ما يجري. هل تعدون أنفسكم ممن يُنتج المعرفة باتجاه الوعي وإزالة الجهل؟

-  تضرب آفات الجهل والخرافة والغيبيّات الوعي الجمعيّ في بعده الثقافي، ليؤدّي ذلك إلى انهيار في بنية هذا الوعي لنكون أمام انشطاره إلى وعيين؛ الوعي الإيجابيّ، والوعي المنكفئ؛ يعيشان في دورة صِدام مرير تكون الغلبة فيه للوعي المنكفئ. هذا الانشطار يجعل من المجموعة البشريّة ذات الوعيين، في حالة تراجع دائم، لتحلّ الأعراف القبليّة محل القانون، ويحل عقل القوّة، محلّ قوة العقل. والسؤال المهم هنا كيف نواجه إشكاليّة الانشطار الاجتماعيّ؟ يرتبط الجواب بإطلاق خطاب تشحنه مؤسسات الدولة (التعليم، والإعلام)، وتُسنده منظمات المجتمع المدنيّ. غير أنّ ما يجعل هذا الجواب مُجرّد هواء في شبك، هو أننا نطلق خطابات لا محتوى لها.  ومعنى ذلك أن الخطاب الفارغ يمدّ الوعي المنكفئ بطاقة مضافة تجعل من الوعي الإيجابيّ محشورًا في زاوية من الخوف الدائم.                     

* ما مستقبل الكتابة، والثقافة عمومًا، في الحضور المتسّع للذكاء الصناعيّ؟

- للجواب عن هذا السؤال وجهان..الأول أن مصطلح صناعي يعني إحالة ضمنية على الذكاء الطبيعي. ويعني ئلك أن الذكاء الاصطناعي هو صنعة الذكاء الطبيعيّ. وهو أمر يمنحنا فرصة تقويم ذلك الغول الذي يزحف على ديارنا مخلوعة الأبواب، وهو ما يُفضي إلى الوجه الثاني الذي يتمثّل بسرديات زائفة تبدو لنا، في التقنية الفائقة، كالحقائق التي لا يخالطها شك. وإذا اتفقنا على أننا لا نواجه ما يحدق بنا من العواصف التكنولوجية بالمقياس الغربيّ المعمّد بدماء أطفال غزة، فإننا سننحدر إلى درجة صفر الهاوية. سيخلع طلاب العلم لدينا عقولهم ويركّبون، بدلا منها، العقول الاصطناعيّة التي تنوب عنهم في رسم شكل وجودهم وحدوده.