مرهقةٌ وجنتا الصبح
في فينيس الشرق ،
مرهقةٌ أجنحةُ تواصل
الدفيف دون جدوى،
أثقلتها شهقاتُ التراب.
تتقاصر السويعات ،
الأيام ،
السنين
لكن المرهقين يشعلون
سُرُج المدينة العالقة
في حبال الملح
كي لا تنم العتمة وحدها.
يسيرون كالعللِ الكسيحة
نحو شارع الوطن،
نحو ساحة سعد،
يتبعهم التعبُ
وحكمةُ المغيب،
لينالوا بسمةَ السنابل المنتظِرات،
والمناجلُ تشحذُ
أسنانها كالذئاب المتهمة
بسفك الأعمار الفتيّة.
((ولو أنّا، وآباؤنا الأوّلون ،
كدحنا طوالَ السنين،
وادّخرنا لجوعِ أطفالنا الجائعين))
قلوبُهم تراتيلُ قروية،
معجونةٌ بقصص الجنوبيّات،
ومخبوزةٌ بلهيب التنانير الكريمة،
بإيماءات شقائقِ النعمان،
وابتهالاتِ المزامير.
لم يتذوّقوا حفاوةَ طائر الحب،
لكنهم ينظرون إلى السماء
بعيون الآلهة.
وا أسفاه…
كم هي عذريّةٌ آمالُ الكادحين.
وا أسفاه…
تسقط عيونُهم
في مرصادِ ترنيمةِ القبور،
وتسقط أصواتُهم
في مرصادِ العَوَز.
وا أسفاه…
أن يكون العوزُ
عوزَ النقود.
يضيق بهم الذوبان،
يضيق بهم الطين،
يضيق…
يضيق…
يضيق.
يسيرون إلى مقصلةِ الزمن الحادة،
كما سار العراقُ في الضلال،
ما زلنا في التيه نبحث
عن بوصلةٍ عارفة :
((نزوعٌ ولا موت،
نطلقُ ولا صوتَ طَلْق،
ولا ميلاد))
لم يكترث العمّال بما قاله ابنُ عقيل،
ولم ينخروا رؤوسهم
بصليل الخلافات القديمة،
ولم يغرقوا في بحور الفراهيدي الفسيحة،
لكنهم يدركون
أن «الناس سواسية»،
وأن «العفو تاجُ المكارم».
يحفظون أناشيد الرحمة، لا الفتنة،
أناشيد البنفسج
الراقص على ضفّة الفرات،
وأناشيد الثكنات.
لم يسمعوا ما قاله كامو
عن شقاء سيزيف،
لكنهم يدركون سذاجةَ العبث:
((أنا وأنتَ وأصدقائي،
يا أشهلَ العينين،
كنّا كالنجوم بلا سماء،
وكأن بصرتَنا الحزينة،
البصرةَ الخجلى،
تنام على وسائدَ من سكينة))
يسيرون…
وخطاهم تتناثر في الفراغ،
تتبخّر في أزقّةٍ مغمومة.
تنعكس ملامحُهم التعيسة
واحدًا واحدًا
على دموع الطبيعة،
وتنعكس ابتساماتهم
الخالية من القهقهات والأسنان،
وتنعكس ثيابُهم البالية،
والمطارق،
والمعاول.
ويسيرون
كما سار العراقُ إلى القتل…
القتل…
القتل.
لم يسخر الموتُ منهم،
بل احتضنهم
في صدر الفوانيس المقدّسة،
لأنهم لم يُصلّوا صلاةَ الدلال،
ولم يشربوا
«من كأسٍ كان مزاجُها كافورًا»،
ولم يعرفوها
يومًا…
ولا عرفتهم.
وفي آخر الطريق
لم تكن هناك ساعة
تدلّ على الوقت،
بل صدأٌ يتدلّى من المعاصم.
البصرةُ
لم تبكِ…
كانت واقفةً عند حافة الماء،
تغسل أسماء العمّال
بملحٍ لا يشفي.
العراقُ
لم يُطلق رصاصة،
بل فتح فمَهُ
وابتلع أبناءه
واحدًا…
واحدًا…
الزمنُ
لم يقطع أعمارهم،
بل شحذها،
وتركها تتآكل
في جيوب النهار.
وحدها الفوانيس
ظلّت مشتعلة،
لا لتدلّ على طريق،
بل لتشهد
أن هؤلاء
مرّوا من هنا،
وأضاءوا،
ثم انطفأوا
دون أن يُصفّق لهم أحد.