في عصر تتسارع فيه التحوّلات التقنية بوتيرة تكاد تسبق قدرتنا على الفهم والاستيعاب، يجد المثقف العربي نفسه أمام سؤال مزدوج: كيف يقرأ العالم الرقمي الجديد الذي يتشكّل أمامه؟ وكيف يعيد بناء أدواته الفكرية ليبقى طرفاً فاعلاً في النقاش الحضاري، لا مجرد متلقٍّ لمنجزات الآخر؟ في كتابه "الإنسان الرقمي والحضارة القادمة"، يقدّم الاقتصادي الفرنسي الراحل دانيال كوهين رؤية مركّبة لا تُغري بسذاجة التبشير التقني، ولا تستسلم لتشاؤم ثقافوي منفصل عن الواقع. إنها رؤية تضع المثقف، خصوصاً المثقف العربي، أمام ضرورة تفكيك الأساطير الرقمية التي انتشرت في خطابنا المعاصر، وإعادة وصل التكنولوجيا بسياقها البشري والسياسي والبيئي. من هنا، يصبح الكتاب مادة استراتيجية للمفكرين العرب، لأنه لا يقدّم درساً في التكنولوجيا فحسب، بل درساً في فهم الإنسان داخل متاهة القرن الحادي والعشرين. في زمنٍ يتصاعد فيه الضجيج المعلوماتي، ويخضع الوعي لاقتصاد الانتباه، ويعيش المواطن داخل فضاء رقمي يلتهم خصوصيته ويعيد تشكيل إدراكه للعالم، يأتي كوهين ليذكّرنا بأن الثورة الرقمية ليست خلاصاً، بل لحظة اختبار حضاري. ينطلق كوهين من نقد الفكرة الشائعة التي تقول إن التكنولوجيا هي جسر الخلاص من مشكلات العالم العربي: من الفساد إلى البيروقراطية، ومن سوء الإدارة إلى ضعف البنى الاقتصادية. يبيّن أن هذه الرؤية ليست سوى نسخة محلية من "الوهم الرقمي" العالمي الذي يعتقد أن العقل يمكن أن يُفصل عن الجسد، وأن المعنى يمكن أن يُنتَج عبر خوارزميات بلا جذور اجتماعية. هنا يلتقي نقد كوهين مع الحاجة العربية إلى تحرير النظر من التبشير التقني الذي يعيد إنتاج التبعية الثقافية. فالمثقف العربي، في كثير من الأحيان، وقع في أسر سردية ترى أن الرقمنة وحدها قادرة على إصلاح الواقع، متناسياً أن السياق الاجتماعي والسياسي هو الذي يحدد مصير التكنولوجيا، لا العكس. التكنولوجيا، كما يوضح كوهين، تضخّم تناقضات المجتمع، لا تحلّها: فإذا كان المجتمع هشاً سياسياً، غير متماسك اجتماعياً، ريعيّاً اقتصادياً، فلن تنتج الرقمنة سوى نسخة مضخّمة لتلك الهشاشة.
رأسمالية المراقبة وتصدّع استقلالية العقل
من أهم أبواب الكتاب ذلك المتعلق برأسمالية المراقبة. يشرح كوهين كيف تحوّلت التكنولوجيا إلى سلطة جديدة لا تعمل من خلال القوة القمعية، بل عبر إعادة تشكيل عادات الانتباه والرغبة والتفكير. وفي السياق العربي، تتجلى هذه الظاهرة بصورة مكثفة بسبب ضعف البنى المؤسساتية التي تحمي المواطن من الاستغلال الرقمي. ففي الوقت الذي يُقبل فيه الشباب العربي على منصّات التواصل بوصفها فضاءً للتحرر والتعبير، تعمل تلك المنصات على إعادة هندسة وعيهم بشكل خفي، مستندة إلى منطق "الفكر المتوحش" الذي يحول كل تفاعل إلى مادة اقتصادية. وهنا تبرز مسؤولية المثقف العربي في كشف آليات هذا التحكم غير المرئي، وتحرير الوعي من الخضوع الطوعي لاقتصاد الانتباه. إن تراجع القدرة على التفكير المعمّق، والانغماس في الاستهلاك الرقمي، وتآكل مهارة القراءة الطويلة، وتحوّل النقاش العام إلى معارك فارغة، كلها أعراض لنمط جديد من السيطرة لا يواجه بالعصيان التقليدي، بل بإحياء ملكات التفكير النقدي. يتناول كوهين التحوّل الجذري في بنية العمل نتيجة الأتمتة. هنا تبرز إشكالية إضافية للمثقف العربي: فبينما يناقش الغرب سؤال "ما مستقبل العمل؟"، ما يزال العالم العربي عالقاً في لحظة ما قبل صناعية، حيث تجد الرقمنة طريقها إلى السوق دون أن ترافقها تحولات في الإنتاج، أو في سياسات التشغيل، أو في منظومة التعليم. يكشف الكتاب أن الروبوتات لن تحلّ محل الإنسان بالكامل، لكنها ستعيد توزيع السلطة الاقتصادية. وهذا يعني أن المجتمعات التي لا تملك استراتيجية عمل رقمية ستجد نفسها تعيش تبعية مزدوجة: تبعية إنتاجية، وتبعية معرفية. ومن هنا يتأكد دور المثقف في توجيه النقاش العربي نحو بناء وعي بأن الرقمنة ليست مجرد استيراد أجهزة وبرمجيات، بل إعادة هيكلة للمعرفة والعمل والدولة.
التفكك السياسي في ظل الثورة الرقمية
يبرز كوهين كيف سرّعت التكنولوجيا من تفكك العقد الاجتماعي عبر خلق مساحات استقطاب حاد، وصوت شعبي غير منضبط، وانهيار الثقة بالمؤسسات. ورغم أن السياق العربي مختلف، إلا أن ما حدث بعد موجة الربيع العربي يؤكد صحة تحليله: منصّات "التعبئة الفورية" التي أنتجت أشكالاً من التضامن اللحظي، لكنها لم تستطع بناء بديل سياسي مستدام. وهنا تشير أطروحة كوهين إلى أن التكنولوجيا يمكن أن تفتح الباب، لكنها لا تُبقيه مفتوحاً. لذلك جاء الاستقطاب الرقمي العربي أكثر حدّة، وأكثر هشاشة، وأكثر قابلية للاختراق من الأطراف الداخلية والخارجية. وبهذا يصبح دور المثقف جوهرياً في إعادة بناء خطاب عام يستند إلى العمق لا الانفعال، وإلى الفعل السياسي لا الضجيج الرقمي. يستعين كوهين بنظرية "150 صديقاً" ليبين أن قدراتنا البيولوجية لا تسمح لنا ببناء مجتمعات رقمية مترابطة بلا حدود، كما تدّعي سرديات التواصل الاجتماعي. فعدد الروابط الحقيقية التي نستطيع الحفاظ عليها محدود، مهما بلغ الاتساع الرقمي. وهنا تكمن أزمة الثقافة العربية المعاصرة: إذ يعتقد العديد من الشباب أن كثرة المتابعين وكثافة الوجود الرقمي هي شكل من أشكال القوة الاجتماعية، بينما هي في جوهرها فتات من الروابط الوهمية. يقدم كوهين أربعة نماذج للمجتمعات المقبلة، يشير أهمها إلى "انتصار الزواج الداخلي"، أي العودة إلى الانغلاق الهوياتي. وفي العالم العربي، تتجسد هذه الظاهرة في تصاعد الهويات الفرعية، وتراجع الروابط الجامعة، وسيطرة منطق القبيلة الرقمية، وهو ما يهدد إمكانية بناء فضاء مدني عقلاني.
المناخ وأزمة الحضارة التكنولوجيا جزء من المشكلة
يلفت كوهين النظر إلى الأزمة البيئية بوصفها الحد الحقيقي الذي سيحدد مصير الحضارة القادمة. وفي هذا السياق، يقدّم الكتاب درساً بالغ الأهمية للثقافة العربية: أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن السياسة البيئية، ولا عن تغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك. العالم يتجه نحو "شتاء عالمي"، حيث ندرة المياه، وتغير المناخ، وأزمات الغذاء ستفرض على الدول خيارات مصيرية. وإذا كانت الدول المتقدمة تعيد التفكير في نموذج النمو ذاته، فكيف يمكن للعالم العربي—الأكثر هشاشة—أن يستمر دون تصور بيئي شامل؟ هنا يصبح دور المثقف العربي مضاعفاً: أن يدفع نحو بناء وعي بيئي نقدي، وأن يفكك أسطورة أن الرقمنة قادرة على تجاوز الجغرافيا والمناخ. لا ينهي كوهين كتابه بالتنبؤات التقنية المعتادة، بل بأسئلة مفتوحة: هل يمكن أن نصل إلى مجتمع وفرة يتقلص فيه العمل بفضل التكنولوجيا؟ أم أن العالم سيغرق في حلقة من الأزمات المتداخلة؟ ويؤكد أن الإجابة ستحددها السياسة، لا التقنية.
بالنسبة للمثقف العربي، فإن هذا السؤال يتحول إلى مسؤولية: كيف نضمن ألا يتحول المستقبل الرقمي إلى زمن جديد من التبعية؟ وكيف نجعل الرقمنة أداة للتحرر، لا لإعادة إنتاج الهشاشة؟ هنا يكمن جوهر الرسالة: المستقبل ليس قدراً. إنه مشروع. "الإنسان الرقمي والحضارة القادمة" ليس كتاباً في التكنولوجيا، بل كتاب في الإنسان. إنه يضعنا أمام الحقيقة التي يحاول العالم الرقمي إخفاءها: أن كل تطور تقني لا قيمة له إذا لم يرتبط بوعي اجتماعي، وبمسؤولية سياسية، وبإدراك حدود الجسد والبيئة. بالنسبة للمثقف العربي، فإن الكتاب يفتح باباً للمراجعة الشاملة: مراجعة تصورنا للتقدم، وللرقمنة، وللمستقبل.
إنه دعوة إلى تفكيك الوهم، وإلى بناء مشروع ثقافي قادر على تحويل الرقمنة من قيد جديد إلى أفق إنساني.
وفي زمن تتزايد فيه الأصوات التي تبشر بعالم كامل من الخوارزميات، يعيد كوهين الاعتبار إلى الإنسان: بجسده، بعواطفه، بتاريخه، وبقدرته على أن يصنع معنى يتجاوز الآلة.