تُعد مجلة (رسالة العراق) واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي ارتبطت بتاريخ المعارضة العراقية في المنفى خلال عقد التسعينيات، إذ أسهمت في نقل صورة الواقع العراقي إلى الرأي العام العربي والدولي، ووثقت جانبًا مهمًا من نشاط الحزب الشيوعي العراقي وقوى المعارضة في مواجهة النظام الدكتاتوري. وقد تجاوز دورها حدود النشرة الحزبية التقليدية، لتتحول إلى منبر سياسي وثقافي وإعلامي اتسم بالمهنية والرصانة، وأسهم في توثيق مرحلة مفصلية من التاريخ العراقي المعاصر.
الجذور الأولى للمجلة
تعود البدايات الأولى لـ (رسالة العراق) إلى ستينيات القرن العشرين، عندما أصدر الحزب الشيوعي العراقي نشرة داخلية محدودة التداول، كانت تُطبع بطريقة الاستنسل (الرونيو)، وتحمل الاسم نفسه. وقد وُجهت أساسًا إلى منظمات الحزب خارج العراق، وتضمنت أخبار التنظيم ونشاطاته داخل الوطن.
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي استؤنف إصدار النشرة في مدينة عدن، ولكن بصيغة أكثر انفتاحًا، حيث صدرت مطبوعة ورقية موجهة إلى جمهور أوسع. ولم يطل الأمر حتى انتقل إصدارها إلى بيروت، لتتحول إلى مجلة دورية تضم أبوابًا سياسية وثقافية وصفحات متنوعة، وكانت تشرف عليها منظمة الحزب في لبنان بإشراف الرفيق فخري كريم زنكنة.
انطلاقة جديدة في لندن
شهدت العاصمة البريطانية لندن، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مرحلة جديدة في مسيرة المجلة، تزامنت مع اشتداد قبضة النظام الدكتاتوري على وسائل الإعلام داخل العراق، وهيمنة خطاب (الصوت الواحد) على المجال الإعلامي. وفي هذا السياق برزت مجلة (رسالة العراق) بوصفها نافذة إعلامية للحزب الشيوعي العراقي، ومنبرًا لقوى المعارضة العراقية في الخارج، وجسرًا لنقل المعلومات والتحليلات التي كانت محجوبة عن الداخل العراقي.
ولم يكن صدور المجلة في لندن عام 1994 حدثًا معزولًا، بل جاء ترجمة عملية لمقررات المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي عام 1993، الذي رفع شعار (التجديد والديمقراطية)، وأكد أهمية تطوير إعلام الخارج ليكون أكثر قدرة على مخاطبة الجاليات العراقية والرأي العام العربي والدولي.
الإدارة والتحرير
صدرت (رسالة العراق) بوصفها مجلة سياسية وإعلامية شهرية عن إعلام الخارج للحزب الشيوعي العراقي في لندن. ومن أبرز عوامل نجاحها إسناد رئاسة تحريرها إلى المؤرخ والصحفي البارز الدكتور فائق بطي، أحد أعلام الصحافة العراقية، الذي منح المجلة طابعًا مهنيًا رصينًا، قائمًا على التوثيق والتحليل والالتزام بأصول العمل الصحفي.
كما أسهمت كوادر إعلام الحزب خارج الوطن في تطوير المجلة وإدارتها، وأسهمت في تنسيق النشاط الإعلامي للحزب وتطوير أدواته، الأمر الذي عزز حضور المجلة وتأثيرها، ورسخ مكانتها منبرًا إعلاميًا وثقافيًا. وبفضل هذا الجهد المهني، لم تعد (رسالة العراق) مجرد مطبوعة حزبية، بل أصبحت مصدرًا إعلاميًا يعتمد عليه عدد من وكالات الأنباء والباحثين ومراكز الدراسات المهتمة بالشأن العراقي.
منبر للمثقفين والمعارضة العراقية
تميزت المجلة بانفتاحها على مختلف الاتجاهات الوطنية والديمقراطية، واستقطبت نخبة واسعة من الكتاب والمفكرين العراقيين المقيمين في المنافي. وأسهم في صفحاتها عدد من الصحفيين والباحثين، إلى جانب عشرات الكتاب من التيارات الديمقراطية واليسارية والقومية والكردية والمستقلة، الأمر الذي منحها طابعًا وطنيًا جامعًا، يتجاوز الإطار الحزبي الضيق.
التوثيق وكشف انتهاكات النظام
من أبرز ما ميز (رسالة العراق) اعتمادها على شبكة واسعة من المراسلين والكوادر التنظيمية داخل العراق، الذين كانوا ينقلون، بسرية تامة، المعلومات والتقارير والوثائق من بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب، مستخدمين أسماء مستعارة حفاظًا على أمنهم الشخصي.
وقد أتاحت هذه الشبكة الشجاعة للمجلة نشر تقارير موثقة عن الانتهاكات التي ارتكبها النظام، شملت حملات الاعتقال والإعدام، والتصفيات السياسية، وما أعقب انتفاضة آذار/مارس 1991 من عمليات قمع واسعة، فضلًا عن رصد أوضاع السجون والمعتقلات.
كما أولت المجلة اهتمامًا خاصًا بتوثيق جريمة تجفيف أهوار جنوب العراق وما ترتب عليها من آثار إنسانية وبيئية واجتماعية، وسلطت الضوء على ملفات المقابر الجماعية والمفقودين والتصفيات الجسدية، في وقت كانت هذه القضايا شبه غائبة عن وسائل الإعلام الدولية.
وفي الجانب السياسي، عملت المجلة على تفكيك الخطاب الإعلامي الرسمي للنظام، من خلال نشر دراسات وتحليلات اقتصادية وسياسية تناولت تداعيات الحروب والحصار الاقتصادي، وانعكاساتها على حياة المواطنين، وقدمت قراءة نقدية للسياسات التي انتهجها النظام خلال تلك المرحلة.
نهاية مرحلة وبداية أخرى
واصلت مجلة (رسالة العراق) صدورها بانتظام طوال عقد التسعينيات، محافظة على مكانتها بوصفها واحدة من أهم منابر الصحافة العراقية في المنفى. ومع سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان/أبريل 2003، انتهت المهمة التاريخية التي اضطلعت بها المجلة، إذ عاد عدد من كوادرها، إلى جانب قيادات الحزب الشيوعي العراقي، إلى بغداد ومدن عراقية أخرى، لينتقل النشاط الإعلامي والسياسي إلى داخل الوطن.
وفي هذه المرحلة استعادت الصحافة الشيوعية العراقية حضورها العلني، وفي مقدمتها جريدة (طريق الشعب)، التي واصلت أداء دورها في إطار البيئة السياسية والإعلامية الجديدة.
خاتمة
تمثل مجلة (رسالة العراق) تجربة بارزة في تاريخ صحافة المنفى العراقية، ليس بوصفها مطبوعة حزبية فحسب، وإنما باعتبارها مشروعًا إعلاميًا جمع بين التوثيق المهني والدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد أسهمت، عبر سنوات صدورها، في كسر احتكار النظام للمعلومة، وإيصال صوت المعارضة العراقية إلى الخارج، كما أرست نموذجًا للصحافة الملتزمة التي استطاعت، في ظروف استثنائية، أن تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق جانب مهم من تاريخ العراق المعاصر.