ليست كل الثورات سواء، وليست كل الذكريات مجرد حنين ، فبعض الأيام تتحول إلى أسئلة مفتوحة، لا إلى مناسبات عابرة، وكان الرابع عشر من تموز واحداً من تلك الأيام التي ما زالت تطلب من العراقيين أن يعيدوا قراءتها بعين المستقبل، لا بعين الخصومة.
لا تُقاس الأحداث الكبرى بعدد السنوات التي تفصلنا عنها، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي للأمم، وثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 ليست مجرد تاريخ في روزنامة العراق، بل لحظة فارقة ما زالت، بعد أكثر من ستة عقود، تثير النقاش والاختلاف، وتستدعي أسئلة لم يفقد معظمها راهنيته.
لقد جاء الرابع عشر من تموز تتويجاً لتوق العراقيين إلى التحرر من نظام ملكي ارتبط، في نظر قطاعات واسعة، بالتبعية السياسية والاجتماعية، فكان إعلان الجمهورية بداية مرحلة جديدة حملت وعوداً كبيرة بالعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، وبناء دولة المواطن، ولم يكن من المصادفة أن يتحول ذلك اليوم إلى عيد للفقراء والكادحين، بعدما شهد العراق إصلاحات مهمة، كان في مقدمتها قانون الإصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية، والتوسع في التعليم، وتعزيز السيادة الوطنية، والاهتمام بالفئات المهمشة.
لقد كان الرابع عشر من تموز، في جوهره، إعلاناً عن ولادة أمل جديد في نفوس العراقيين. شعر المواطن البسيط، لأول مرة، بأن الدولة يمكن أن تكون إلى جانبه، وأن الفلاح والعامل والطالب والمرأة ليسوا مجرد هوامش في المجتمع، بل شركاء في صناعة المستقبل.
لذلك لم يكن الاحتفاء بالثورة نابعاً من تبدل نظام الحكم فحسب، وإنما من الإحساس بأن أبواباً كانت مغلقة قد بدأت تُفتح أمام أحلام الناس.
وهذا هو السر في أن ذكرى تموز بقيت حاضرة في الذاكرة العراقية، لأنها ارتبطت بفكرة العدالة والكرامة، أكثر مما ارتبطت بالأشخاص.
لكن قيمة الرابع عشر من تموز لا تكمن فقط في منجزاته، وإنما أيضاً في الدرس الذي يقدمه للأجيال.
فقد أثبت التاريخ أن الثورات لا تكفي وحدها لبناء الأوطان، وأن الحلم الكبير يحتاج إلى مؤسسات راسخة، وثقافة ديمقراطية، واحترام للتعددية، وسيادة القانون. وحين يغيب الحوار، وتتصاعد لغة الإقصاء، يصبح الطريق ممهداً لدورات جديدة من العنف والانقلابات، وهو ما عاشه العراق لاحقاً بأثمان باهظة.
وربما كانت إحدى أهم رسائل تموز أن الوطن لا يُبنى بالإرادة الثورية وحدها، بل بالتوافق الوطني أيضاً.
فحين تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات وجود، يصبح الجميع خاسرين، وتضيع منجزات الشعوب بين الاستقطاب والعنف، ولعل التجربة العراقية، بما حملته من آمال وانكسارات، تؤكد أن الديمقراطية ليست مجرد آلية للوصول إلى السلطة، وإنما ثقافة تقبل الآخر، وإيمان بأن الاختلاف لا يلغي حق الجميع في المشاركة في بناء الوطن.
إن استذكار الرابع عشر من تموز ينبغي أن يكون مناسبة للتأمل، لا للاحتفال الأعمى ولا للإدانة المطلقة، فالتاريخ لا يُقرأ بعين واحدة، ولا تُختزل الشخصيات والأحداث في صورة ملائكية أو شيطانية، والإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق من إنجازات وطنية واجتماعية، كما يقتضي أيضاً الاعتراف بالأخطاء التي فتحت أبواب الصراع وأضعفت التجربة الجمهورية في سنواتها الأولى.
واليوم، والعراق يواجه تحديات الدولة، والفساد، والانقسام المجتمعي، تبدو الحاجة ملحة لاستعادة القيم التي حملها تموز أكثر من استعادة شعاراته، فجوهر ذلك الحدث لم يكن تغيير نظام حكم فحسب، بل كان البحث عن وطن يتساوى فيه المواطنون أمام القانون، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُوزع فيه الثروة بعدالة، ويكون القرار الوطني مستقلاً.
لقد تغيّرت الأجيال، وتبدلت الظروف، لكن الأسئلة بقيت كما هي، كيف نبني دولة لا تتحكم بها الطوائف ولا المصالح الضيقة؟ وكيف نجعل المواطنة أعلى من الهويات الفرعية؟ وكيف نحقق العدالة الاجتماعية في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي ليكون في مصاف الدول المزدهرة؟
إن استعادة روح الرابع عشر من تموز لا تعني العودة إلى الماضي أو استنساخ تجاربه، فلكل مرحلة شروطها وتحدياتها، وإنما تعني استعادة الإيمان بإمكان التغيير، وبقدرة العراقيين على بناء دولة المواطنة والعدالة.
فالأوطان لا تتقدم بالحنين وحده، وإنما بتحويل القيم الكبرى إلى برامج عمل، وبترسيخ ثقافة الدولة التي تعلو فيها المصلحة العامة على المصالح الفئوية والشخصية.
إن الرابع عشر من تموز لا يستحق أن يبقى أسيراً للجدل السياسي، بل أن يتحول إلى فرصة للتفكير في المستقبل، فالأمم الحية لا تعيش في الماضي، لكنها أيضاً لا تقطع صلتها به، بل تستلهم من تجاربها ما يعينها على تجنب الأخطاء وتعزيز النجاحات، ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه إلى ذكرى الرابع عشر من تموز، ليس تكرار الخطب القديمة، بل العمل من أجل عراق ديمقراطي، مدني، عادل، يحترم الإنسان، ويحتكم إلى الدستور والقانون، ويؤمن بأن الاختلاف مصدر قوة لا سبباً للخصومة، فالأحداث الكبرى تنتهي في زمانها، أما الأفكار التي تحملها فتبقى حية ما بقيت الشعوب تؤمن بحقها في الحرية والعدالة والكرامة.