ثمة أصوات لا تمر بشكل عابر في ذاكرتنا، بل تلتصق بأرواحنا وبجدران المصانع، وسنابل الحقول، ومن بين هذه الأصوات يبرز اسم الفنان الراحل جعفر حسن؛ ذلك المبدع الذي لم يكن مجرد مطرب يمتلك صوتاً عذباً، بل كان "بوصلة غنائية" اتجهت دوماً نحو الإنسان الكادح، محولاً عرق العمال وأنين الفلاحين إلى سيمفونيات تنعش الروح والوجدان.
منْ منا لم تداعب مسامعه في الصغر تلك الأهزوجة الخالدة: "عمي يابو چاكوك أخذني أخذني وياك.. ذبني ويه العمال حلوة عيشتي هناك"!
لم تكن هذه الأغنية مجرد كلمات منسقة، بل كانت إعلان انحياز تام من جعفر حسن للطبقة العاملة في جميع انحاء العالم، والعراقية خاصةً.
بصوته المرهف، استطاع جعفر أن يجعل من طرقات "الچاكوك" إيقاعاً موسيقياً يبعث الفخر في نفوس الكادحين، مجسداً تعبهم وصبرهم في قوالب لحنية تلامس شغاف القلب.
رحلة الفنان جعفر حسن لم تكن مفروشة بالورود، بل كانت ممزوجة بالنضال السياسي والمواقف المبدئية. فقد ارتبط اسمه تاريخياً بـ الحزب الشيوعي العراقي، ليكون صوته هو "المنشور" الثقافي الذي يحرك الشارع، غنى لشعوب العالم، غنى للمرأة والطفل، غنى للوطن والناس بصدق واحساس، اختار أن يكون صوتاً لآمال شعبه وآلامهم.
تمتد رحلته لسنوات طويلة، خاض فيها غمار الغربة والترحال بين عواصم عدة، لكنه ظل يحمل تراب ووجع العراق في حنجرته أينما حل.
رحل جسد جعفر وبقي الصدى تاركاً خلفه أرشيفاً حياً ينبض بالحياة ليثبت أن الفن الحقيقي هو الذي ينبت جذره من طين الأرض ويحاكي سمرة وعرَق الجباه من اجل حياة أفضل.
باقات ورد لروح الفنان جعفر حسن في ذكرى رحيله الخامسة
وباقات قرنفل للأول من أيار عيد العمال العالمي.