اخر الاخبار

أعلنت وزارة الزراعة، في 7 تشرين الأول 2026، الخطة الزراعية للموسم الشتوي 2026-2027، بمساحة إجمالية تبلغ 7,489,444 دونماً، بزيادة قدرها 40 في المائة عن الموسم الماضي. وتتوزع المساحة بواقع 5,334,898 دونماً للحنطة، و1,767,440 دونماً للشعير، و387,106 دونمات لمحاصيل الخضر.

وعلى الرغم من طموح الخطة واتساع مساحاتها، فإن نجاحها يتوقف على توفير مستلزمات الإنتاج والتمويل والتسويق، ومعالجة المشكلات التي يعاني منها القطاع الزراعي. وفي هذا السياق، أعلن وزير الزراعة تقديم دعم يتركز عملياً على المبيدات، ويشمل محاصيل الحبوب فقط، ما يثير تساؤلات بشأن مدى كفاية هذا الدعم لتحقيق أهداف الخطة، في ظل تأخر مستحقات الفلاحين وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف دعم منتجي الخضر.

مستحقات متأخرة ومستلزمات غالية

تشير المعطيات المتداولة في القطاع الزراعي إلى أن أكثر من 50 في المائة من الفلاحين لم يتسلموا مستحقاتهم المالية عن المواسم السابقة، ما يضعهم أمام صعوبات في توفير احتياجات الموسم الجديد من بذور وأسمدة ومبيدات وكهرباء ووقود ومستلزمات الري.

إن توسيع المساحات المزروعة من دون معالجة هذه المشكلة يحمّل الفلاحين أعباء إضافية، ويهدد قدرتهم على تنفيذ الخطة. لذلك، فإن الإسراع في تسديد المستحقات المتأخرة يمثل ضرورة لتمكينهم من مواصلة الإنتاج وتوفير مستلزماته.

أزمة الأسمدة

تمثل أسعار الأسمدة إحدى أبرز العقبات أمام الموسم الزراعي. فبحسب الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، بلغ سعر طن سماد اليوريا في الأسواق نحو مليون و250 ألف دينار، في حين يُفترض، وفق التقديرات الواردة في هذا الشأن، ألا يتجاوز 350 ألف دينار.

وترتبط الأزمة بتوقف أحد معملي الأسمدة في البصرة عن العمل، من دون وضوح أسباب التوقف، فيما مُنح المعمل الآخر إلى مستثمر يُفترض أن يوزع إنتاجه مناصفة بين شركة التجهيزات الزراعية والاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، لتجهيز الفلاحين بالأسمدة وفق الأسعار الرسمية. لكن هذه الترتيبات لم تحقق الغاية المرجوة، إذ لا يزال الفلاحون يواجهون أسعاراً مرتفعة، من دون وضوح بشأن أسباب عدم وصول الإنتاج المحلي إليهم عبر القنوات الرسمية.

وتزداد المشكلة تعقيداً مع رفع التعريفة الكمركية على الأسمدة المستوردة إلى 35 في المائة، بحجة حماية المنتج المحلي. فالحماية الكمركية لا تحقق هدفها إذا لم يتوافر المنتج المحلي بالكميات المطلوبة، ولم يصل إلى الفلاح بالسعر الرسمي، بل قد تؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج.

وعليه، يتطلب الحل إعادة تشغيل المعمل الحكومي المتوقف في البصرة، ومراقبة التزام المعمل المستثمر بواجباته التعاقدية، وضمان توزيع الإنتاج المحلي وفق الأسعار الرسمية، إلى جانب مراجعة أثر التعريفة الكمركية في تكاليف الإنتاج الزراعي.

تسعيرة الحنطة لا تتناسب مع كلفة الإنتاج

أعلن وزير الزراعة الإبقاء على سعر 700 ألف دينار للطن للمساحات التي تقل عن ألف دونم، و500 ألف دينار للطن للمساحات التي تزيد على ألف دونم، وفق التسعيرة المعلنة للموسم الحالي.

لكن هذه الأسعار لا تتناسب، من وجهة نظرنا، مع ارتفاع تكاليف البذور والأسمدة والمبيدات والوقود والري وأجور العمل والحصاد والنقل. كما أن زيادة المساحات المزروعة قد ترفع إجمالي النفقات التي يتحملها الفلاح، ولا تضمن بالضرورة انخفاض كلفة إنتاج الطن الواحد.

لذلك، نرى ضرورة إعادة تسعيرة الحنطة إلى مستواها السابق البالغ 850 ألف دينار للطن، بما يوفر عائداً مناسباً للفلاحين ويشجعهم على مواصلة الإنتاج والتوسع في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.

محاصيل الخضر خارج منظومة الدعم

يعاني منتجو الخضر، بحسب واقع الدعم الزراعي المشار إليه، من غياب الدعم المخصص لمستلزمات الإنتاج منذ عام 2010، بما يشمل البذور والأسمدة والمبيدات. ويواجهون كذلك منافسة المنتجات المستوردة التي تدخل الأسواق في أوقات ذروة الإنتاج المحلي، فتضغط على الأسعار وتتسبب بخسائر كبيرة للمزارعين.

إن تنظيم الاستيراد ينبغي أن يستند إلى حجم الإنتاج المحلي وحاجة السوق، مع مراعاة مواسم الحصاد، بدلاً من فتح المنافذ أمام المنتجات المستوردة في الوقت الذي يكون فيه الإنتاج المحلي متوافراً بكميات كبيرة.

وتتفاقم المشكلة بسبب نقص المخازن المبردة بالقرب من مناطق الإنتاج، ما يضطر المزارعين إلى بيع محاصيلهم بسرعة، حتى عندما تكون الأسعار منخفضة، خشية تلفها. لذلك، تبرز الحاجة إلى إنشاء مخازن مبردة في البصرة وديالى وسامراء والنجف، بما يقلل الفاقد ويساعد على تنظيم عرض المنتجات وتحسين فرص تسويقها.

الشعير ودعم الثروة الحيوانية

يمثل الشعير مورداً مهماً لدعم مربي الأغنام والأبقار والجاموس والدواجن، الذين عانوا خلال السنوات الماضية من نقص الأعلاف وارتفاع تكاليفها، الأمر الذي أضعف قدرتهم على مواصلة نشاطهم.

ومن الضروري وضع خطة لتوزيع الشعير المنتج على مربي الثروة الحيوانية بأسعار مدعومة ورمزية، ومعالجة الاختلالات المتعلقة بتسويقه وتوجيه الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي إلى الجهات المعنية، ومنها شركتا ما بين النهرين والعراقية للحبوب، وفق الآليات المعتمدة. فمن شأن ذلك دعم الفلاحين المنتجين للشعير، وتقليل كلفة الأعلاف، والمساهمة في حماية الثروة الحيوانية والإنتاج المحلي من اللحوم والألبان.

التسويق والخزن والرقابة على الأسواق

إن توسيع المساحات المزروعة بالحنطة والشعير يتطلب خطة تسويقية متكاملة تحدد حجم الإنتاج المتوقع، والطاقة الاستيعابية للصوامع والمخازن، وآليات النقل والتسلم، ومواعيد تسديد مستحقات الفلاحين.

وفي ظل وجود خزين سابق كبير من الحنطة، ينبغي تحديد الاحتياجات الفعلية من الطاقات الخزنية الجديدة، وتطوير الصوامع ومراكز التسلم بما يتناسب مع حجم الإنتاج المتوقع. كما يتعين إنشاء مخازن مبردة للخضر والفواكه بالقرب من مناطق إنتاجها، لتقليل التلف وتحسين إدارة المعروض في الأسواق.

ومن الضروري أيضاً تشديد الرقابة على أسواق المستلزمات الزراعية، ولا سيما الأسمدة والبذور والمبيدات، للتحقق من جودتها ومطابقتها للمواصفات، ومنع الاحتكار والمغالاة في الأسعار والتلاعب بالتوزيع، وضمان وصولها إلى الفلاحين في الوقت المناسب.

وفي جانب آخر، تبرز أهمية توفير تقنيات الري الحديثة، ولا سيما منظومات الري بالرش، بأسعار مدعومة من خلال شركة التجهيزات الزراعية، بدلاً من طرحها بأسعار مرتفعة تفوق قدرة الفلاحين وتدفعهم إلى الاقتراض وتراكم الديون. وينبغي أن يقترن ذلك بالإرشاد والتدريب الفني لتحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الهدر وتكاليف الإنتاج.

متطلبات إنجاح الموسم الزراعي

إن نجاح الخطة الزراعية الشتوية 2026-2027 يتطلب إجراءات عملية تتجاوز الإعلان عن المساحات المستهدفة، وفي مقدمتها:

• تسديد مستحقات الفلاحين المتأخرة، وتبسيط إجراءات تسجيل المشمولين بالخطة الزراعية وتجاوز الروتين والبيروقراطية.

• معالجة أزمة الأسمدة بإعادة تشغيل المعمل الحكومي المتوقف في البصرة، ومراقبة التزام المعمل المستثمر، وضمان توزيع الإنتاج المحلي بالأسعار الرسمية، ومراجعة أثر التعريفة الكمركية على الأسمدة المستوردة.

• إعادة تسعيرة الحنطة إلى 850 ألف دينار للطن، بما يراعي تكاليف الإنتاج ويوفر عائداً مناسباً للفلاحين.

• دعم منتجي الخضر بالبذور والأسمدة والمبيدات، وتنظيم الاستيراد وفق حاجة السوق ومواسم الإنتاج المحلي.

• تطوير منظومة التسويق والخزن بزيادة كفاءة الصوامع والمخازن المخصصة للحبوب، وإنشاء مخازن مبردة للخضر والفواكه بالقرب من مناطق الإنتاج.

• دعم الثروة الحيوانية والري الحديث من خلال توزيع الشعير على المربين بأسعار مدعومة، وتوفير منظومات الري بأسعار مناسبة، وتعزيز الرقابة على أسواق المستلزمات الزراعية.

إن تنفيذ هذه الإجراءات بصورة متكاملة من شأنه تحويل الخطة من مجرد مساحات مستهدفة إلى برنامج إنتاجي قادر على تحقيق نتائج ملموسة. فالفلاح يحتاج إلى مستلزمات متوافرة وتمويل مستقر وتسويق مضمون وأسعار مجزية، كي يتمكن من مواصلة الإنتاج وتحمل مخاطره.

وعليه، فإن نجاح الموسم الشتوي ينبغي أن يُقاس بزيادة الإنتاج الفعلي، وتحسين دخل الفلاحين والمزارعين، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وحماية الثروة الحيوانية، وترشيد استخدام المياه، وصولاً إلى تعزيز الأمن الغذائي للمواطن العراقي.

ـــــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري