لم تعد أوضاع الطبقة العاملة في العراق تسمح لليسار بأن يواصل العمل بالأساليب النقابية العمالية ذاتها التي استخدمها في مراحل سابقة. فالعامل يقف اليوم أمام اقتصاد مضطرب، تتداخل فيه هيمنة الريع النفطي مع ضعف الإنتاج، واتساع القطاع الخاص الخدمي، وانتشار العمل غير المنظم، وتراجع فرصه المستقرة، فضلًا عن سياسات الخصخصة الفوضوية، والتخلي التدريجي عن مؤسسات القطاع العام.
هذه التحولات لم تغيّر شكل الاقتصاد فقط، بل أعادت تشكيل الطبقة العاملة نفسها. فإلى جانب العامل الصناعي في الشركة والمعمل، هناك عامل العقد، والعامل في القطاع الخاص، والعامل الذي لا يمتلك ضمانًا اجتماعيًا، وعامل التوصيل والمنصات الرقمية، وآلاف العاملين في أعمال غير مستقرة لا توفر لهم سوى دخل محدود مقابل ساعات عمل طويلة. أمام هذا الواقع، يصبح تطوير أدوات اليسار النقابية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية وتنظيمية.
فوضى الاقتصاد وفوضى العمل
إن فوضى الاقتصاد تنعكس مباشرة على حياة العمال. فحين تضعف القطاعات الإنتاجية، تتراجع فرص العمل المستقرة، وحين تتوسع التجارة والاستهلاك على حساب الصناعة والزراعة، يتحول جزء من قوة العمل إلى وظائف هشة لا توفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي. والأخطر أن العامل يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام خيار قاسٍ: إما القبول بأجر منخفض وشروط عمل مجحفة، أو فقدان مصدر رزقه.
وفي ظل ارتفاع البطالة واتساع قاعدة الباحثين عن العمل، تصبح قدرة العامل الفرد على التفاوض ضعيفة جدًا، ولا يمكن تعويض ذلك إلا بتنظيم نقابي قوي وفاعل. وهنا تحديدًا تظهر أهمية النقابات، التي لن تكون صندوقًا لتقديم المساعدات أو جهة تصدر البيانات عند الأزمات، وإنما أداة لتنظيم القوة الجماعية للعمال وتحويل مطالبهم المتفرقة إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير.
الخصخصة -وتفكيك القطاع الإنتاجي
لا يمكن الفصل بين تدهور أوضاع العمال والسياسة الاقتصادية للدولة. فالتخلي عن الشركات والمعامل العامة وطرحها للبيع أو الخصخصة لا يهدد الوظائف فحسب، وإنما يهدد أيضًا قاعدة الإنتاج الوطني. وحين تتحول مواقع إنتاجية إلى مشاريع تجارية ومولات، فإن المسألة تتجاوز تغيير ملكية شركة أو استخدام عقار. نحن أمام تغيير في وظيفة الاقتصاد نفسه: من اقتصاد ينتج ويوفر فرص عمل إلى اقتصاد يستهلك ويعتمد على الاستيراد والخدمات والتجارة.
وفي مثل هذه الظروف، ينبغي أن يكون للنقابات واليسار موقف واضح، فالدفاع عن المؤسسات العامة لا يعني الدفاع عن سوء الإدارة أو الفساد داخلها، بل يعني الدفاع عن الحق في وجود قطاع إنتاجي قادر على توفير فرص العمل، تماماً كما يعني المطالبة بإصلاح الشركات وتطويرها بدلًا من التخلص منها.
أهمية تجديد العمل النقابي
إن أحد التحديات الأساسية أمام اليسار هو الوصول إلى العامل خارج الأطر التقليدية. فالعامل الذي يعمل في ورشة صغيرة، أو في متجر، أو في شركة خاصة، أو في تطبيق للتوصيل، يحتاج إلى أشكال تنظيم تتناسب مع طبيعة عمله.
وهذا يتطلب تطوير الخطاب النقابي وأدوات التنظيم، والاستفادة من وسائل التواصل والمنصات الرقمية في التواصل مع العمال، وإنشاء شبكات مهنية قادرة على رصد الانتهاكات، وتقديم المشورة القانونية، وتنظيم الحملات والاحتجاجات، وربط العمال ببعضهم بعيدًا عن الحواجز التي تفرضها طبيعة أماكن العمل.
كما ينبغي للنقابات أن تجعل من قضايا الضمان الاجتماعي، والعقود، والسلامة المهنية، والأجور، وساعات العمل، وحق التنظيم، محاور دائمة لنشاطها، لا ملفات موسمية تتحرك عند وقوع حادث أو اندلاع احتجاج.
تمتين العلاقة بين اليسار والعمال
لا يستطيع اليسار استعادة دوره بين العمال من خلال الخطاب وحده. المطلوب حضور فعلي في مواقع العمل، والاستماع إلى مشكلات العمال اليومية، والمشاركة في نضالاتهم، وتقديم حلول عملية قابلة للتحول إلى مطالب نقابية واضحة.
وفي المقابل، فإن بناء حركة نقابية مستقلة وديمقراطية وموحدة يمكن أن يمنح اليسار مجالًا واسعًا لاستعادة حضوره الاجتماعي، شرط ألا يحاول اختزال النقابات في أطر حزبية، بل أن يعمل على استقلاليتها ووحدتها وقدرتها على تمثيل جميع العمال.
سياسة عمالية تواكب التحولات
المطلوب اليوم ليس تكرار تجارب الأمس، وإنما تطوير سياسة عمالية يسارية تستجيب للواقع الجديد؛ سياسة تربط بين الدفاع عن الأجر والضمان والعمل اللائق، وبين الدفاع عن الصناعة والزراعة والقطاعات الإنتاجية.
كما ينبغي أن تربط النضال النقابي بالسياسة الاقتصادية العامة: أين تذهب إيرادات النفط؟ لماذا تتراجع الصناعة؟ لماذا تباع الشركات العامة؟ ماذا يحدث للعمال بعد الخصخصة؟ ومن المستفيد من تحويل مواقع الإنتاج إلى مشاريع تجارية؟ هذه الأسئلة ليست خارج نطاق العمل النقابي، بل هي في صلبه.
وأخيرًا، في بلد يعاني عماله من فوضى اقتصادية وتفكك في سوق العمل، تصبح مهمة اليسار أكبر من الدفاع عن مطلب هنا أو احتجاج هناك. إنها مهمة إعادة بناء القوة الجماعية للعمال، وربط نضالهم اليومي بمعركة أوسع من أجل اقتصاد منتج، وعمل مستقر، وضمان اجتماعي، وكرامة إنسانية. ومن دون ذلك، ستبقى الفوضى الاقتصادية أقوى من قدرة العامل الفرد على مقاومتها.