اخر الاخبار

الظاهرة التي لا تتكرر (لبيد رشيد بكتاش) من عائلة بغدادية ميسورة تعنى بالفكر والادب فأبوه هو من قدم وحقق لأول ديوان شعر ينشر للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري فكان بيتهم ملتقى أعمدة الادب واللغة (علي جواد الطاهر، الجواهري، مهدي المخزومي وغيرهم الكثير) يتذكرهم أبو حالوب ويتفاخر أمام الشاعر الراحل مظفر النواب بأن الجواهري خصه بأبيات من الشعر عند ولادته فيمزح معه أبو عادل ما أن تموت أرثيك بعشرين بيت من الشعر.

كثير من أصدقاء ومعارف أبو حالوب لا يعرفون انه خريج مدرسة صناعية اختصاص طباعة من الاتحاد السوفيتي السابق مدينة لينين كراد مبعوث منحة دراسية من الحزب الشيوعي العراقي.

غادر العراق شأنه شأن كل الشيوعيين والوطنيين العراقيين بعد الهجمة الشرسة من نظام صدام حسين أواخر السبعينيات فكانت محطته دمشق، جسمه النحيف ونمط تربيته لا تسمح له ان يمارس أي عمل كأجير ويتلقى الأوامر من الغير لذلك اختار او قل اختاره القدر ان يكون سفير العراقيين الهاربين من النظام ويكون مقره دمشق (مقهى الروضة) التاريخية مدة خمسة وعشرين عاما لا يكل ولا يمل ولا يتقاعس عن تطفل السائلين، كذلك أداء وتوصيل كل الأمانات الى أهلها من كتب ورسائل، شرط ان يسلماه بعد الساعة العاشرة مساءاً حتى لا يتعاكس مع دوامه في المقهى.

يستقبل أبو حالوب يومه التالي بنشاط وفرح فهو في الليلة الماضية قد أدى الأمانات الى أهلها فيبدأ يومه بقراءة جريدة السفير اللبنانية ثم جريدة تشرين السورية يحيط به ثلاثة أو أربعة زوار فتلك سعادته فيوم الخميس مساءاً موعده مع قنينتين من البيرة وفي اليوم التالي (الجمعة) حمام السوق الأسبوعي.

في يوم 10\6\2000 أفاق أبو حالوب صباحاً على خبر وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، سارع الى عرينه (المقهى) ففوجئ بأبوابها موصدة، أين يذهب وكيف يقضي يومه فما كان منه إلا ان يفترش الرصيف المقابل للمقهى يتلفت يساراً ويميناً عسى ولعل ان يسأل عليه أحد (لكن لا أحد)، بعد عام او اكثر يموت واحد من أخوة صاحب المقهى فتقضي العادات ان تغلق المقهى حداداً على الفقيد، لكن صاحب المقهى يتدارك الموقف رأفة بأبو حالوب فيفتح له باب المقهى ليجلس وحده يراقب الشارع من خلل الجدار الزجاجي الذي يشرف على الشارع العام (شارع العابد) مراقباً المارة عسى ولعل ان يسأل عليه احد، هاتين الحادثتين غيرت العلاقة بين أبو حالوب والمقهى، يشعر أنه مالكها فهو أقدم زبون فيها يهابه العمال، لا أحد يتجرأ ان يشغل مكانه لا العامل  الصباحي ولا المسائي، يستقبل ويودع بدون كلل ولا ملل، توسعت علاقاته وشملت ليس العراقيين فقط بل اللبنانيين والسوريين ودول عربية أخرى.

سقط النظام العراقي في عام (2003) وظل أبو حالوب صامداً يودع ويستقبل وتتغير الوجوه مدة 15 عاما بعد سقوط النظام بقي مكابرا، ضعف جسمه وكثرت أمراضه، مشيته تغيرت أصبح يميل إلى جهة اليمين في مشيته، عانى من آلام في الظهر وفي المجاري البولية، لا يذهب إلى الطبيب لأن عمل الطبيب يكون وقت دوامه في المقهى... أبو حالوب أصبح يتصرف بشكل غير طبيعي يتوهم ان لا يغادر مكانه في المقهى خوفاً من ان يسأل عنه أحد ولم يجده. يكابر في الضغط على مجاريه البولية ويخاف ان يذهب إلى الحمام ويأتي أحد يسأل عنه ولا يجده، أصبح جسمه لا يحتمل تصرفاته فهو مثلاً محصور جداً يقف منتصف المسافة عيناً على باب المقهى وعيناً على حمام المقهى ماسكاً اعضاءه بيده فيأتيه الفرج ويعود الى مكانه فيسأل هل سأل عليه احد. اقتنع أبو حالوب بأن وقت الرحيل قد حان وآن الأوان ان يمتثل لتقدم العمر وأمراضه وتدهور الوضع في سوريا، وأهم شيء قلة زائريه إضافة إلى الحاح عائلته (أمه وأخواته) أن يرجع للعراق أو يسكن معهم في عمان. مساء يوم 11\8\2018 يودع صديقه عادل (بائع الصحف) على الرصيف وعمال المقهى واحداً واحداً أبكاهم وأبكوه، أبو حالوب لم يودع صاحب المقهى.

تشاء الصدف في يوم فاته 20\7\2026 ان أكون في سوريا وفي مقهى الروضة تلقيت خبر وفاته من صديقنا المشترك الإعلامي مهدي مراد فأخبرت صاحب المقهى فما كان منه الا ان يخصص طاولة في المكان الذي كان يجلس فيه أبو حالوب على مدار 25 عاما وقد غطيت الطاولة بشرشف أسود عليه صورة أبو حالوب وكتب على الشرشف وداعاً أبو حالوب سفير مقهى الروضة.

رحم الله أبو حالوب الشخصية التي لا تتكرر.