اخر الاخبار

لا يمكن النظر إلى الاقتصاد العراقي بمعزل عن علاقته برأس المال العالمي. فالعراق، بما يمتلكه من ثروات نفطية وموارد طبيعية وموقع جغرافي مهم، ظل طوال عقود ساحةً لتداخل المصالح الدولية والمحلية. غير أن المشكلة اليوم لا تكمن فقط في وجود الشركات الأجنبية داخل العراق، وإنما في طبيعة العلاقة التي تربط هذه الشركات بالقوى الاقتصادية والسياسية المحلية.

فالشركات الكبرى، ومن بينها الشركات الأمريكية، لا تحتاج دائمًا إلى السيطرة المباشرة على الاقتصاد حتى تضمن مصالحها. يكفي أن تجد داخل البلد طبقة محلية قادرة على فتح الطريق أمامها، وحماية مصالحها، وربطها بالسوق المحلية. وهنا تظهر الكومبرادورية بوصفها إحدى أهم الحلقات التي تربط رأس المال الأجنبي بالاقتصاد المحلي.

والكومبرادور، في هذا السياق، ليس مجرد تاجر يتعامل مع شركة أجنبية، بل هو جزء من علاقة اقتصادية أوسع تصبح فيها مصالح فئة من أصحاب رؤوس الأموال المحليين مرتبطة بمصالح رأس المال الخارجي. فالأوليغارشية المحلية تبحث عن الأرباح والنفوذ، ورأس المال الأجنبي يبحث عن السوق والاستثمار والأرباح، ومن هنا تنشأ علاقة متبادلة يستفيد منها الطرفان، بينما تبقى الأغلبية المنتجة في موقع المتلقي لنتائج هذه العلاقة.

ولعل أبرز ما يكشف هذه المشكلة هو طبيعة الاقتصاد العراقي نفسه. بلد يمتلك ثروة نفطية هائلة، لكنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، بينما تعاني الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي من ضعف واضح. وهذه المفارقة ليست مسألة أرقام فقط، بل هي سؤال سياسي وطبقي في الوقت نفسه: كيف يمكن لبلد غني بالموارد أن يبقى عاجزًا عن بناء اقتصاد منتج ومستقل؟

إن النفط، بدل أن يتحول بصورة كافية إلى قاعدة لبناء صناعة وطنية وتطوير الزراعة والتعليم والإنتاج، بقي في جانب كبير منه مصدرًا لتمويل الإنفاق العام. وهكذا أصبح الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات أسعار النفط، بينما توسعت الحاجة إلى السلع المستوردة. وفي هذه الحالة يتحول المجتمع تدريجيًا إلى مجتمع استهلاكي يعتمد على الخارج، بدل أن يكون مجتمعًا منتجًا قادرًا على بناء قوته الاقتصادية بنفسه.

ومن هنا ينبغي أن نفهم الكومبرادورية لا باعتبارها مؤامرة بسيطة، بل باعتبارها علاقة طبقية واقتصادية. فالرأسمال الأجنبي لا يدخل إلى بلد ما من أجل تقديم المساعدة، وإنما يدخل لأنه يبحث عن الربح. وهذه ليست تهمة، بل هي طبيعة رأس المال نفسه. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاقتصاد المحلي غير قادر على فرض شروطه على رأس المال الخارجي، وعندما تتحول الطبقة المسيطرة محليًا إلى وسيط يسهل مهمة هذا الرأس المال بدل أن تعمل على بناء قاعدة إنتاجية وطنية.

إذا جاء الاستثمار الأجنبي ليساهم في تطوير الصناعة ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل وبناء قطاعات إنتاجية قادرة على الاستمرار، فمن الخطأ وضعه في الخانة نفسها مع رأس المال الذي يبحث عن السوق العراقية لتصريف السلع وتحقيق الأرباح ثم إعادة جزء كبير منها إلى الخارج.

كما أن المشكلة لا تُحل بمجرد استبدال شركة أجنبية بشركة عراقية. فالرأسمال المحلي نفسه يمكن أن يصبح كومبرادوريًا عندما يعتمد على الاستيراد والوساطة والاحتكار بدل الإنتاج. ولذلك فإن القضية ليست قضية جنسية رأس المال، وإنما قضية موقعه من عملية الإنتاج وعلاقته بالمجتمع.

ومن المنظور الماركسي، فإن الاقتصاد لا يمكن فصله عن علاقات القوة داخل المجتمع. فمن يملك وسائل الإنتاج يمتلك قدرة أكبر على التأثير في اتجاه الاقتصاد، ومن يسيطر على الثروة يمتلك نفوذًا سياسيًا واجتماعيًا أكبر. ولهذا فإن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي من دون الحديث عن الملكية والثروة والطبقات يبقى حديثًا ناقصًا.

إن العامل العراقي الذي ينتج القيمة لا يصبح مالكًا لها لمجرد أنه يعمل، والفلاح الذي ينتج الغذاء لا يصبح صاحب القرار في الاقتصاد لمجرد أنه يزرع الأرض. الثروة الاجتماعية تُنتج بصورة جماعية، لكن توزيعها يجري وفق علاقات الملكية والقوة القائمة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: العراق لا يعاني فقط من نقص في الأموال، بل يعاني من طريقة استخدام موارده وتوزيعها. فإذا كانت الثروة النفطية تستخدم أساسًا لتغطية الإنفاق والاستهلاك، بينما لا يجري استثمارها بما يكفي في بناء الصناعة والزراعة والإنتاج، فإننا نعيد إنتاج المشكلة نفسها عامًا بعد عام.

إن الخروج من التبعية لا يعني الانغلاق عن العالم، ولا يعني رفض كل علاقة اقتصادية مع الخارج. الاستقلال الاقتصادي الحقيقي لا يقوم على العزلة، وإنما على امتلاك القدرة على التفاوض من موقع قوة، وعلى امتلاك قاعدة إنتاجية تجعل البلد قادرًا على تحديد شروط علاقاته الاقتصادية بدل أن يكون مضطرًا إلى قبولها كما هي.

ولهذا فإن بناء اقتصاد عراقي مستقل يتطلب إعادة الاعتبار إلى القطاعات المنتجة: الصناعة، والزراعة، والتعليم التقني، والبحث العلمي، والبنية التحتية. كما يتطلب تحويل جزء أكبر من عائدات النفط إلى استثمارات طويلة الأمد تبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الثروة بدل الاكتفاء بتوزيع الريع.

لكن هذه المهمة لا يمكن أن تُترك بالكامل إلى أوليغارشية مرتبطة بمصالح رأس المال الخارجي. فالطبقة التي تستفيد من التبعية لن تكون صاحبة المصلحة الأساسية في إنهائها. ومن هنا يصبح التغيير الاقتصادي مرتبطًا بالصراع الاجتماعي حول من يملك الثروة ومن يقرر كيفية استخدامها.

إن المعركة على الاقتصاد العراقي ليست معركة بين "الأجنبي" و"العراقي" بالمعنى البسيط، بل هي معركة حول طبيعة الاقتصاد نفسه. هل يكون العراق سوقًا واسعة لرأس المال العالمي، ومصدرًا للنفط، ومجالًا لتراكم الثروة في أيدي أقلية؟ أم يكون اقتصادًا منتجًا توجَّه موارده نحو تطوير المجتمع والقوى المنتجة؟

إن الاستقلال السياسي يبقى ناقصًا عندما يكون الاقتصاد شديد التبعية للخارج، كما أن الثروة الوطنية تفقد معناها الاجتماعي عندما تتحول إلى امتياز لفئة محدودة.

لذلك فإن مواجهة الكومبرادورية لا تبدأ بالشعارات، بل بإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاج. ولا تبدأ فقط بتغيير أسماء الشركات أو المسؤولين، بل بتغيير العلاقة التي تجعل ثروة المجتمع في خدمة أقلية، وتجعل الاقتصاد تابعًا لمصالح رأس المال الخارجي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم هو: من يخدم الاقتصاد؟

إذا كان يخدم من يملك رأس المال فقط، فإن النمو لن يعني بالضرورة تقدم المجتمع. أما إذا أصبح الإنتاج والثروة والموارد موجّهة نحو حاجات الأغلبية المنتجة، فعندها فقط يمكن الحديث عن اقتصاد وطني حقيقي.

إن العراق لا يحتاج إلى اقتصاد أكثر ارتباطًا بالخارج، بل إلى اقتصاد قادر على التعامل مع العالم من موقع الندية. ولا يحتاج إلى أوليغارشية جديدة تتقن الوساطة بين رأس المال الأجنبي والسوق العراقية، بل إلى بناء قوى إنتاجية حقيقية تجعل ثروة البلاد أساسًا لتقدم المجتمع كله.

فمن يملك الاقتصاد لا يملك المال فقط، بل يملك جزءًا أساسيًا من القدرة على تحديد مستقبل البلاد..