اخر الاخبار

عندما كانت حركة حماية المناخ " الجمعة من أجل المستقبل" تحشد أكثر من مليون ناشط في الشوارع، كانت جميع الأحزاب، باستثناء حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، تتحدث عن حماية المناخ. وفي عهد المستشارة أنجيلا ميركل، تم إقرار قانون لحماية المناخ، والذي تم إضعافه لاحقًا في عهد حكومة تحالف الحزب الديمقراطي الاجتماعي وحزب الخضر. واليوم، نشهد تراجعًا في سياسات المناخ والبيئة، ليس فقط في عهد إدارة ترامب، بل أيضًا في عهد المستشار الألماني ميرتس. ويتجلى هذا بوضوح في حالة الرئيس الأمريكي ترامب، المصمم على إطالة أمد عصر رأسمالية الوقود الأحفوري وتوسيع دوره القيادي في شركات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية.

في أوقات الركود الاقتصادي، تبدو قوانين البيئة والمناخ وكأنها تعيق تحفيز النمو. وتُعتبر التكاليف الاجتماعية والايكولوجية عائقًا أمام استئناف عملية التراكم الاقتصادي. وتطالب القوى المحافظة وقوى اليمين، بإلغاء حظر محركات الاحتراق الداخلي وتأجيل أهداف المناخ. على أية حال، يتم تنفيذ هذا التراجع، إلى حد كبير، بواسطة الاتحاد الأوروبي. وترغب وزيرة الاقتصاد الالمانية رايش في بناء محطات توليد طاقة جديدة تعمل بالغاز وخفض تعريفات التغذية للطاقة الشمسية، فضلًا عن التعويض عن الإيرادات المفقودة بسبب زيادة الأحمال على الشبكة. وبذلك، تكشف رايش مرة أخرى عن دورها كلوبي لصناعة الوقود الأحفوري. ويأتي هذا في وقت تتضح فيه أكثر من أي وقت مضى تبعية الاعتماد القاتل على النفط، وذلك بسبب الحرب الامريكية - الإيرانية وحرائق الغابات الهائلة في جنوب غرب أوروبا وأمريكا الشمالية.

إن اعتراضات الحزب ا الديمقراطي الاجتماعي محدودة، وكذلك نجاحات وزير البيئة الألماني شنايدر، الذي اضطر مؤخرًا للإعلان عن تباطؤ انخفاض الانبعاثات الضارة بالمناخ في عام 2025. كما أن حزب الخضر لم يعد في طليعة الحركة المدافعة عن المناخ، التي فقدت بشكل ملحوظ قدرتها على التعبئة الواسعة. ومع ذلك، فأنا مقتنع بأن حركة المناخ والبيئة ستُعيد تسيس أجيال كاملة من الشباب وتدفعهم إلى الشوارع. ففي نهاية المطاف، الأمر يتعلق بمستقبلهم. ولذلك، من المُرحَّب به أن يعتزم حزب اليسار طرح مواقف واضحة بهذا الشأن في برنامجه الجديد، مواقف من شأنها أن تُحدد التوجهات للعشر إلى الخمس عشرة سنة المقبلة. ولهذا أدعو إلى منظور اشتراكي ايكولوجي قادر على تحديد خطوات عملية لتحقيق التحول الاجتماعي-الايكولوجي المطلوب بشكل عاجل.

الرأسمالية والأزمة الايكولوجية

كتب ماركس: "إن الإنتاج الرأسمالي لا يُطوّر إلا تكنولوجيا وتركيبة عملية الإنتاج الاجتماعي، بينما يُقوّض في الوقت نفسه المصادر الأصلية للثروة: الأرض والعامل". كان ماركس مراقبًا ناقدًا لعجز الرأسمالية عن استعادة الموارد التي فقدتها الأرض بسبب التوسع الحضري، وتحدث عن "خلل في عملية الأيض". وفي نقده لبرنامج غوتا للحزب الديمقراطي الاجتماعي 1875، انتقد ماركس الاشتراكيين لأنهم ينسبون "قوة إبداعية خارقة" للعمل، ويعتبرونها المصدر الوحيد للثروة، وبالتالي استبعاد الطبيعة كمصدر للثروة. وقد شكّلت النزعة الإنتاجية فكر أجيال من الاشتراكيين.

إن لكل نمط إنتاج وأسلوب حياة حدوده المادية في دورات التكاثر الطبيعي. تشكل الدورات الايكولوجية أساس البنى الاجتماعية والايكولوجية. وخلافًا لما كان عليه الحال في زمن ماركس وانجلس، لم يعد النظام الرأسمالي يتجاوز هذه الحدود المادية محليًا أو إقليميًا فقط، بل على نطاق الكوكب. ووفقًا للدراسات الحالية، فقد تم بلوغ ستة من أصل تسعة حدود كوكبية. فإلى جانب الاحتباس الحراري، تشمل هذه الحدود انقراض الأنواع، وسوء استخدام الأراضي، واضطراب الدورات البيوجيوكيميائية، واستهلاك المياه العذبة، ودخول مواد جديدة إلى التربة والغلاف الجوي. إن الأيض الغذائي لنمط الإنتاج وأسلوب الحياة الرأسمالي يدمر مقومات وجودنا، وبالتالي يعرض حياة مليارات البشر للخطر. ويهدد انهيار النظم الايكولوجية، من خلال ارتفاع أسعار الغذاء، والصراعات على الموارد، وارتفاع درجات حرارة المدن، وخصوصا استمرار حياة الطبقات الدنيا. لذا، فإن العدالة المناخية ليست قضية تخص الطبقة الوسطى الايكولوجية فقط، بل هي قضية طبقية. يعتمد نمط الإنتاج السائد اليوم على مبدأ تحويل التكاليف بشكل منهجي إلى الخارج، على حساب دول الجنوب العالمي، الفقراء، والمستقبل. ولا يمكن للرأسمالية، بما تنطوي عليه من ضرورة النمو، أن تحل الأزمات الايكولوجية.

لذا، يجب على الاشتراكية الايكولوجية، أو أي مشروع اشتراكي، ضمان الحد من العمليات الأيض. فلا يجوز أن يتجاوز الإنتاج والاستهلاك ما يمكن تجديده أو إعادة تدويره. ويجب أن تحل الاقتصادات الدائرية الإقليمية محل سلاسل القيمة العالمية، بما فيها طرق النقل كثيفة الاستهلاك للطاقة. وبدلاً من التركيز قصير الأجل على زيادة كميات السلع الاستهلاكية والصناعية، نحتاج إلى اقتصاد قائم على استخدام السلع المعمرة والقابلة للإصلاح، والنقل المستدام، وظروف معيشية تتسم بالكفاءة في استخدام الموارد.

يتطلب مشروع مستقبل ايكولوجي مستدام انتقالاً سريعاً إلى اقتصاد خالٍ من الانبعاثات، ونمطاً اقتصادياً أقل استهلاكاً للطاقة يعتمد على الطاقة المتجددة، والطاقة الشمسية، والزراعة المستدامة التي تحمي التربة. ويُعدّ الخروج السريع من عصر الوقود الأحفوري أمراً لا بديل له.

تهدف السياسة الصناعية اليسارية إلى جعل عمليات الإنتاج خالية من الانبعاثات. وهي تقوم على مبدأ الاقتصاد الدائري الإقليمي (المحلي)، وتُنشئ أنظمة نقل وتنقل مستدامة ايكولوجيا. مع ذلك، لن ينجح هذا التحول الجذري إلا بضمان الأمن الاجتماعي ومشاركة العاملين في آنٍ واحد. ويُعدّ تحويل صناعة السيارات والمناطق التي تتركز فيها إلى صناعة تنقل مستدامة مشروعًا نموذجيًا يُمكن من خلاله الجمع بين الحفاظ على فرص العمل، المُهددة بشدة في ظل النهج التقليدي، وحماية المناخ، وإضفاء الطابع الديمقراطي على الاقتصاد.

تحول أممي ومخطط

إن التحدي الأهم في عصرنا هو تمكين سكان العالم من عيش حياة كريمة في انسجام مع دورات التكاثر في الطبيعة (إعادة الإنتاج). يجب أن يكون مشروع التحول هذا ذا طابع أممي جذري. ومع تزايد ندرة الموارد، يجب التخطيط لاستخدامها عالميًا وتنظيمه على أساس المساواة. يوجب القضاء على استنزاف استخراج المواد الخام من خلال تحرير شامل للعلاقات التجارية والتبادلية من آثار الاستعمار. ويمكن لنقل التكنولوجيا الى البلدان الأخرى، أن يسهم في تمكين دول الجنوب العالمي من تجاوز رأسمالية الوقود الأحفوري.

لا ينبغي أن تكون الاشتراكية، كما نفهمها، اشتراكية حرمان أو فقر، بل اشتراكية تقوم على فهم جديد للحياة الكريمة: مفهوم مختلف للرخاء لا يقوم على الاستهلاك المفرط، بل على توفير أساسي سليم للموارد المادية، وبنية تحتية اجتماعية شاملة، وخفض كبير لسنوات العمل وساعات العمل أسبوعيا، ويعيد لنا جميعًا السيطرة على حياتنا. ويُعدّ توسيع البنية التحتية الاجتماعية والعامة جسرًا أساسيًا لتحقيق هذا الفهم. ويكمن جوهر رؤيتنا للاشتراكية، وكيفية تحقيقها، ليس فقط في توزيع أكثر عدلًا للأموال والوصول إلى الأسواق، بل في تقليص القطاعات التي يلعب فيها السوق والمال دور الوسيط في مجتمعنا: فما هو للجميع يجب أن يكون ملكًا للجميع، ويُشكّله الجميع، ويُنظّم وفقًا للاحتياجات لا الربح. كما أن هذه البنى التحتية العامة أكثر انسجاما مع الاقتصادات الدائرية الإقليمية من القطاع الخاص.

لا يمكن تحقيق تحوّل اقتصادي ومجتمعي، يهدف إلى تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية ومراعاة الحدود الايكولوجية، إلا من خلال التخطيط. إلا أن مفهومنا للتخطيط يختلف عن مفهوم "الاقتصاد الاشتراكي المخطط الواقعي"، الذي اتسم بالبيروقراطية، وعدم الاستقلالية الجماعية (وكذلك عن القيود التاريخية التي تم تجاوزها، أو التي يُمكن تجاوزها). وبالنسبة لنا، التخطيط عملية ديمقراطية تتوصل فيها مجموعات وممثلو المجتمع المدني - أي النقابات العمالية، والمنظمات البيئية، والسكان، والمستهلكون، وغيرهم - إلى فهم مشترك لتطور الاقتصاد والمجتمع على مختلف المستويات: البلدي والإقليمي والوطني.

إن الديمقراطية الاقتصادية، في برامج حزب اليسار السابقة، مثلا من خلال مجالس اقتصادية أو اجتماعية أو تحويلية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحويل علاقات الملكية. ان الاشتراكية هي اقتصاد ديمقراطي مشترك تتعايش فيه أشكال متنوعة من الملكية والاستخدام - الجماعية والفردية على حد سواء. ويشمل ذلك المؤسسات البلدية، والمؤسسات العامة والتعاونيات، والشركات المملوكة للدولة، بالإضافة إلى أنظمة المشاعات ذاتية الإدارة. وتعني التنشئة الاجتماعية تعزيز الملكية المشتركة وإضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاقتصادية. ويُعد منظور الاشتراكية الايكولوجية أو الاشتراكية الديمقراطية ركيزة أساسية في برنامج الحزب، ويهدف إلى إقامة علاقة جديدة جذريًا بين المجتمع والطبيعة.

بيرند ريكسنغر(Bernd Riexinger)  مواليد 1955 ، قيادي سابق في نقابة الخدمات العامة، الرئيس المشارك لحزب اليسار الألماني (2012 – 221 ) ، وعضو في البرلمان الألماني حتى عام 2025 ، والرئيس الحالي لمؤسسة روزا لوكسمبورغ. والترجمة لمقالته المنشورة في 28 تموز 2026 في جريدة نيويز دويجلاند الألمانية ضمن مناقشات البرنامج الجديد لحزب اليسار الألماني.