1- التقديم:
شأنها شأن كل تحالف جاد ومسؤول وذي رسالة كبيرة، لابد أن تكون الجبهة الشعبية ذات هوية طبقية واضحة تضع في ضوء مصالحها وآمالها سياساتها وتحدد مواقفها. ونحن إذ نتمسك بمفهوم الجبهة الشعبية نرى أن الانتماء لليسار الوطني والإقليمي والعالمي هو السمة الأساسية التي تتصف بها ويجب أن تتمسك به، ليس فقط نظرا للمشتركات الطبقية والفكرية وحتى السياسية ابتي تجمعها بهم، إنما لأنها أصلا بنيت على أساس قناعات يسارية تقدمية لن تتخلى عنها. وقدر تعلق الأمر بالعراق فإن الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي هم تحت خط الفقر وهم في حالات اقتصادية واجتماعية مزرية وليس لها ما يمثلها أو يقود نضالها من أجل تحقيق مصالحها ومطالبها. كل هذه الأسباب تجعل الهوية اليسارية للجبهة الشعبية في العراق أمرا طبيعيا بل وجوهريا.
2- تاريخ الجبهات الشعبية تاريخ تحالفات يسارية حصرا.
- ظهر إلى المشهد السياسي العالمي مفهوم الجبهة الشعبية في كلمة جورجي ديمتروف أثناء المؤتمر السابع للأممية الشيوعية (الكومنترن) عام 1935 والتي اقترح فيها تشكيل تحالفات واسعة مناهضة للفاشية الصاعدة باندفاع شديد يومذاك والتي راحت تهدد السلم المجتمعي المحلي والأوربي والعالمي والتي توّج تهديدها بالحرب العالمية الثانية. هذه الدعوة التي تبنتها الأممية كانت بمثابة انعطافة استراتيجية كبيرة في تاريخ العلاقات بين الأحزاب الشيوعية وغيرها من أحزاب اليسار وغيرها. وواضح أنها كانت من أبرز التحالفات التي دخلت التاريخ لأنها أدت أدوارا حاسمة في مسار الحياة السياسية في بلدانها كلّ على حدة وفي أوربا وأحداثها الكبيرة.
- ولعل من أكبر الأمثلة التي تحققت فيها هذه الجبهات بوجهيها الوطني واليساري هي:
- فرنسا (1936): فاز تحالف الجبهة الشعبية (الذي ضم الاشتراكيين والشيوعيين والراديكاليين) بالانتخابات وشكل حكومة بقيادة ليون بلوم، وحقق إصلاحات عمالية واجتماعية مهمة.
- إسبانيا (1936): فازت الجبهة الشعبية في الانتخابات، لكنها سرعان ما واجهت تمرداً عسكرياً أدى إلى الحرب الأهلية الإسبانية، حيث واجهت الجبهة قوى اليمين المدعومة من الفاشية.
- الصين.
- تشيلي.
- بولندا.
- ألمانيا الديمقراطية.
3- وفي الحقيقة فإن هذا النمط من التحالفات اضطر للجوء إلى تكتيك أثبت نجاحه وفشله في آن واحد أو كما يقال وجدت في طبيعة عمله ظاهرة اتسمت بالتكامل والتناقض في الوقت نفسه. وذلك للملاحظات التالية:
- الضرورة المرحلية كما يرى بعض الشيوعيين كانت تملي التراجع عن شرط النقاء الفكري العقائدي مقابل تمرير تحالف وإقامة علاقات تفرضها ظروف المرحلة ومصلحة الوطن والشعب يومذاك. فدخول الشيوعيين المتشددين في تحالفات مع اليسار الديمقراطي والذي كان أغلبه ينتمي إلى الاشتراكية الديمقراطية تنازل أو تراجع تكتيكي لتحقيق أهداف استراتيجية كبرى مثل التصدي للفاشية والحفاظ على الاستقلال والسيادة الوطنية وتحقيق إصلاحات تتراوح بين الطبقية والديمقراطية الأمر الذي أثار تساؤلات لدى المعترضين المتطرفين: ألا تقلل هذه المواقف من قوة زخم الهدف الاستراتيجي الأكبر والمتمثل بالثورة الاشتراكية؟ ألا تعدّ هذه السياسات تراجعا فكريا ينال من صلب النظرية وتطبيقاتها؟ إلى آخره من اعتراضات.
- صحيح أن ما سمي ببرنامج الحد الأدنى يعتبر موقفا مشتركا اتفقت عليه أغلب الأطراف المكونة للجبهات الشعبية في أوربا والذي غالبا ما كان يضم أهدافا وطنية ديمقراطية وإصلاحات عامة وتحسينات اجتماعية للعمال والدفاع عن الحريات العامة لكنها جميعها تجنبت وربما لأسباب تكتيكية أيضا تحقيق أهداف يسارية ذات سمة متميزة وواضحة مثل تأميم الموارد ووسائل الإنتاج وتقليص الفوارق الطبقية بوضوح وغيرها.
- كانت الجبهات الشعبية في أغلبها تتبنى أهدافا ومواقف واسعة الأطياف تتعلق بعموم المجتمع والشعب بدلا من التركيز على الطبقة العاملة التي يفترض أنها كلها تمثلها وتدافع عن مصالحها وتطلعاتها. وإذا كانت هذه الحقيقة هي نتيجة اتساع مساحة التحالفات لأكثر من طبقة فإنه كان مفيدا إذ يوحي أيضا أن التحالف هو بين الطبقات وممثليها المتمثلين بالأحزاب التي كل منها كان كما ينبغي أن يفهم يمثل طبقة معينة بذاتها.
- التحالف نفسه وبهذه السعة وهذا التمثيل سيعني اتساع بوصلة التمثيل السياسي ليتجاوز الطبقة العاملة التي من المفترض أن القوى اليسارية وجدت أصلا من صلبها وللدفاع عنها وعن مصالحها ليشمل كل الشعب وكل الوطن. وفي هذا انجرّت الأحزاب اليسارية لتغدو وطنية عامة أكثر مما هي طبقية يسارية. فصارت الأهداف الدفاع عن هوية الشعب كأمة قائمة بذاتها وعن الديمقراطية ومؤسساتها التمثيلية والفعاليات الجماهيرية الواسعة وكذلك تبني النشاط الثقافي الوطني العام ضد ثقافة وايديولوجية قوى اليمين الرجعي والفاشي.
- لكن تبقى وسط كل هذه الهموم والإشكالات مسألة قيادة مسارات التحالف؟ هنا نرى أن هناك فروقا كبيرة بين التجربة الأوربية والتجربة العراقية. إن التوازنات الطبقية الدقيقة في المجتمعات الأوربية ونظرا للأحداث والتطورات والواقع الاقتصادي التي جعلت الفرز الطبقي أكثر وضوحا كان لا بد لليسار هناك أن يتبنى قضية القيادة ويتمسك بها. وبالرغم من التطورات دفعت بموضوعة قيادة اليسار جانبا إلى الحد الذي انتهى بتخلي زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي عن رئاسة الحكومة لصالح زعيم الحزب الراديكالي الذي تراجع عن كل الإصلاحات الطبقية والمجتمعية التي حققتها الجبهة الشعبية إيذانا بنهايتها مع أسباب أخرى توقفنا عندها عن حديثنا عن تجربة فرنسا. أما بالنسبة إلى بلادنا العراق فإن الملاحظات التالية من شأنها توضيح الموقف:
- أولا أن البلاد ما زالت تحت الهيمنة الأجنبية شبه الكاملة: الوجود الأمريكي وتحكمه بالقرار المالي والاقتصادي، الوجود الإيراني وتغلغله في كافة مناحي الحياة تقريبا، التواجد العسكري التركي في مناطق شمال العراق.
- الهيمنة المطلقة على القرار السياسي لقلة من غير الصالحين لقيادة البلاد في أي مسار من مسارات الحياة الطبيعية.
- المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية التي أبتلي بها العراق والتي انعكست على تردي الأداء بشكل مزرٍ ومضر بكافة مصالح الشعب والوطن.
- العدد الأكبر من أبناء الشعب هم الفقراء ومن هم في مستوى بائس وتحت مستوى خط الفقر.
- خراب اقتصادي تام وغياب أية آفاق لإصلاح الوضع من قبل منظومة السلطات القائمة والتي كشفت الأحداث تورط أغلبها في أبشع عمليات فساد وسرقات ولصوصية.
- انتشار السلاح غير المنضبط خارج أطر الدولة ومؤسساتها الأمنية الأمر الذي يجعل حياة المواطن ف يخطر دائم.
- أدى الدمار الاقتصادي إلى غياب طبقات وشرائح اجتماعية كانت مفيدة اقتصاديا وأدت سابقا أدوارا في التوازن الاقتصادي والمجتمعي مثل الطبقة الوسطى وحتى البرجوازية الصغيرة.
- في مواجهة هكذا أحوال مفصلية وحاسمة يجب أن تكون قيادة الجبهة الشعبية بيد اليسار.
- لكن اليسار هنا والجبهة الشعبية يجب أن يتبنيا البرنامج الوطني والطبقي في آن واحد وعليهما معرفة فن الجمع بين ما هو وطني وطبقي في آن واحد:
- انجاز مصالح القضية الوطنية، مثل: تحرير العراق من أي وجود أجنبي، استرداد السيادة الوطنية على مقدرات البلاد وموارده الطبيعية، الدفاع عن حقوق العراق الإقليمية وصيانة حدوده وعلاقاته المتنوعة مع محيطه العربي وغير العربي، مكافحة الأمية، مكافحة الفساد بكل أشكاله، القضاء على الطائفية وكل مظاهرها، إعادة النظر في كثير من القوانين ومنها قانون المفوضية العامة للانتخابات وحل كل الهيئات الوطنية.
- من القضايا الطبقية أولا القضاء التام على البطالة، إعادة الحياة للصناعات الوطنية، إحياء الزراعة، دعم مادي للمشاريع الإنتاجية الوطنية، تعديل الرواتب بما يضمن حياة معيشية كريمة ورفاهية، معالجة فورية لظاهرة الأجور اليومية، تأمين الضمان الاجتماعي للمواطنين، تحديد ساعات العمل، الإدارة المشتركة للمعامل، وغيرها عشرات من الأهداف المتعلقة بمصالح الطبقة العاملة وصولا إلى تحقيق شروط العدالة الاجتماعية.
- من هنا فنحن الآن في مواجهة ولادة مفهوم جديد يمكن الاتفاق عليه تحت مسمى: اليسار الوطني في العراق.
إن العلاقة بين اليسار والجبهات الشعبية هي علاقة بنيوية واستراتيجية وعملية بعيدة المدى. وليس صحيحا أن الجبهة الشعبية يؤسسها أو يدعو إليها اليسار عندما يرى أن إمكانياته الذاتية غير ناضجة او كافية لتحقيق الأهداف الوطنية والطبقية، إنما الجبهة الشعبية موقف وطني وضرورة تاريخية براغماتية واستراتيجية من شأنها تحقيق مبدأ العمل الوطني اليساري المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة بدلا من التجزئة والاحتراب الداخلي. بل نذهب أكثر من هذا ونؤكد أن التقارب المتزايد أثناء النضال المشترك قد يؤدي إلى انصهار قوى اليسار بعضها ببعض لتشكيل كيان سياسي واحد، ولنا في تجربة التحالف بين الشيوعيين البولنديين وحزب الفلاحين مثالا كبيرا ومثلها الحزب العمالي الألماني الموحد.
4- أهداف الجبهة الشعبية تحقيق آمال الشعب والطبقات المسحوقة: العدالة الاجتماعية، بدءا بتقليل الفوارق الطبقية، ساعات عمل محدودة، أجور مناسبة، وصولا إلى حصة في ملكية وسائل الإنتاج، وأسهم في رأس الرأسمال: (طرح قضية اقتصاد السوق الاجتماعي).
5- القيادة يجب أن تكون بيد اليسار دون السماح للبرجوازية الصناعية أو الزراعية بالإمساك بالقيادة: تجربة فرنسا مثلا (والتجربة الصينية).
6- الفئات المقصودة:
- العمال.
- الفلاحون.
- الطلبة والشباب.
- النساء.
- الجنود.
- المعلمون والمدرسون وأساتذة التعليم العالي.
- صغار ومتوسطو الموظفين.
- المتقاعدون.
7- الجبهة الشعبية والشعبوية:
- الجبهة الشعبية تنبثق من وسط الشعب لأنها تنتمي عمليا وعضويا إلى الشعب وبالتالي عندما تتحدث عن الشعب فهي تتحدث عن نفسها جزءا فاعلا متقدما بالوعي والنضال والشعور بالمسؤولية عمن تنتمي إليه.
- وبهذا تختلف عن الشعبوية إذ أنها تنتمي للشعب وهي جزء منه في حين أن الشعبوية هي خطاب وممارسات وشعارات تطلقها قوى اليمين بهدف استمالة شرائح من الشعب ومحاكاة لعواطفه ودغدغة أحاسيسه وعواطفه الدينية والعنصرية والكاذبة لتحشيد أكبر قدر من الأنصار لغرض زجهم في الحروب أو كسب أصواتهم في الانتخابات.
8- القوى اليسارية المقصودة بالجبهة الشعبية هي تلك التي لا تنتمي إلى برجوازيات المجتمع مهما كان حجمها. لكن في منعطفات مهمة قد تلتقي مواقف أحزاب برجوازية معينة مع مصالح الطبقات التي تمثلها الجبهة الشعبية مثل أحداث ذات صبغة وطنية أو إنسانية عامة فبالإمكان آنذاك اللقاء المحدود ضمن مساحة يحدده الظرف المعني.