ينطلق الفكر الماركسي من حقيقة أساسية مفادها أن العمل ليس مجرد سلعة تباع وتشترى، بل هو مصدر الثروة وأساس الإنتاج. ومن هذا المنطلق، فإن علاقة العامل بصاحب العمل لا ينبغي أن تقوم على موازين القوة وحدها، وإنما على منظومة من الحقوق والواجبات التي تحفظ كرامة الإنسان العامل.
وفي هذا السياق، يعد الفصل التعسفي أحد أبرز أشكال الاستغلال التي تعرض لها العمال عبر التاريخ، لأنه يمنح رب العمل سلطة إنهاء مصدر رزق العامل من دون مبرر عادل، ليجد نفسه بين ليلة وضحاها بلا دخل، وبلا قدرة على إعالة أسرته.
ورغم التطور الذي شهدته التشريعات العمالية في كثير من البلدان، ما زال هذا النوع من الفصل حاضرا في العديد من مواقع العمل، ولا سيما في القطاع الخاص، حيث يواجه آلاف العمال خطر فقدان وظائفهم من دون إنذار أو تعويض منصف.
أداة للضغط والابتزاز
يرى الفكر الماركسي أن الفصل التعسفي ليس مجرد قرار إداري، بل هو انعكاس لاختلال ميزان القوة بين رأس المال والعمل. فعندما يشعر العامل بأن وظيفته مهددة في أي لحظة، يصبح أكثر عرضة للقبول بساعات عمل أطول، وأجور أقل، وظروف عمل قاسية، خوفا من فقدان مصدر رزقه.
وتزداد هذه المخاوف في المجتمعات التي ترتفع فيها معدلات البطالة، حيث يتحول العامل إلى طرف أضعف في العلاقة الإنتاجية، ويجد نفسه مضطرا إلى قبول ما يفرض عليه، حتى وإن كان ذلك على حساب صحته أو كرامته.
ومن هنا، يؤكد الفكر الماركسي أن حماية العامل من الفصل التعسفي ليست قضية فردية، بل جزء من معركة أوسع تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والحد من استغلال قوة العمل.
بين حرارة الصيف وهاجس الطرد
وفي العراق، تتجسد هذه المعاناة بصورة أوضح خلال أشهر الصيف، حين ترتفع درجات الحرارة إلى ما يقارب خمسين درجة مئوية. ففي الورش، والمصانع، ومواقع البناء، والأفران، والأسواق، يواصل آلاف العمال أعمالهم تحت ظروف مناخية قاسية، بينما يفتقر كثير منهم إلى وسائل السلامة المهنية، أو أماكن الاستراحة، أو حتى مياه الشرب الباردة.
ورغم هذه الظروف الشاقة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام معادلة قاسية، فإما أن يواصلوا العمل تحت الشمس اللاهبة، أو يواجهوا خطر الاستغناء عن خدماتهم.
ولذلك، يتردد كثيرون في المطالبة بتخفيف ساعات العمل، أو تحسين شروط السلامة، أو الحصول على إجازة مرضية، خوفا من أن تفسر مطالبهم على أنها تقصير أو عدم رغبة في العمل، فتكون النتيجة فقدان الوظيفة.
كرامة العامل من كرامة المجتمع
لا ينظر الفكر الماركسي إلى العامل بوصفه مجرد عنصر في عملية الإنتاج، بل باعتباره إنسانا له حق في الأمن الوظيفي، والأجر العادل، والضمان الاجتماعي والصحي، وبيئة عمل آمنة تحفظ صحته وحياته. فالعامل الذي يقف ساعات طويلة تحت أشعة الشمس أو أمام أفران ملتهبة أو في ورش تفتقر إلى شروط السلامة، لا ينبغي أن يعيش في قلق دائم من أن يفقد عمله إذا طالب بحقه.
إن حماية العمال من الفصل التعسفي تعني أيضا حمايتهم من الخوف، لأن العامل الذي يشعر بالأمان الوظيفي يكون أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر استعدادا للدفاع عن جودة عمله، وأكثر ثقة بمستقبله ومستقبل أسرته.
تشريعات لا تطبق.. ونصوص تهمل
لقد أقرت القوانين العمالية في العراق، كما في كثير من دول العالم، مبادئ تحد من الفصل التعسفي وتكفل حقوق العمال، إلا أن المشكلة لا تكمن دائما في غياب النصوص، بل في ضعف تطبيقها، ولا سيما في مؤسسات القطاع الخاص، حيث يظل العامل الحلقة الأضعف.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رقابة فاعلة على بيئات العمل، وتشديد العقوبات على المخالفات، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، وتعزيز دور التنظيمات النقابية في الدفاع عن العمال، بما ينسجم مع المبادئ التي تؤكد أن العمل حق، وأن الكرامة الإنسانية لا يجوز أن تكون رهينة لمزاج صاحب العمل.
العدالة تبدأ من حماية العامل
في زمن تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية، لا يمكن بناء اقتصاد منتج على حساب الإنسان الذي يصنعه. فالعامل الذي يواجه حرارة الصيف القاسية، ويتحمل مشقة العمل اليومي، ويخشى في الوقت نفسه قرار فصل تعسفي، لا يحتاج إلى التعاطف بقدر حاجته إلى حماية قانونية حقيقية.
إن الموقف الماركسي من الفصل التعسفي لا ينطلق من مواجهة بين العامل وصاحب العمل، بل من الإيمان بأن العدالة في علاقات العمل هي الضمان الحقيقي لاستقرار المجتمع وتقدمه. فحين يشعر العامل بأن حقوقه مصانة، وأن جهده مقدر، وأن القانون يحميه من التعسف والاستغلال، يصبح العمل شراكة في بناء الوطن، لا علاقة خوف يفرض فيها الأقوى إرادته على الأضعف.
ولهذا، فإن الدفاع عن حق العامل في وظيفة مستقرة، وأجر عادل، وضمان اجتماعي وصحي، وبيئة عمل آمنة، ليس مطلبا نقابيا فحسب، بل هو دفاع عن قيمة الإنسان، وعن مجتمع لا يقاس تقدمه بحجم الأرباح وحدها، وإنما بقدرته على صون كرامة الذين يصنعون ثروته كل يوم.