يُعدّ الإضراب عن الطعام لمعتقلي الرأي ومعتقلي السياسة ليس بظاهرة سياسية جديدة أو بدعة، فإن الإضراب عن الطعام له تاريخ طويل في مقاومة السجون والقمع السياسي، ويُعدّ آخر سلاح سلمي، والأقسى، الذي يستخدمه معتقل الرأي والمعتقل السياسي احتجاجًا على مصادرة حريته، كونه أبدى رأيه في مواضيع سياسية أو دينية، فيُزجّ به خلف القضبان، على الرغم من تضمين أغلب دساتير العالم حرية التعبير وإبداء الرأي، وكونها مكفولة للفرد دستوريًا، إلا أن الواقع يختلف جدًا عن النصوص الدستورية.
فالإضراب عن الطعام هو رسالة احتجاجية تُكتب بالروح، يستطيع المعتقلون من خلالها إبداء رأيهم بأجسادهم، بعدما فقدوا حقهم في التعبير، ومخاطبة الجموع، أو تنظيم مسيرات سلمية أو تظاهرات احتجاجية وغيرها.
وفي العراق، تزخر ذاكرة السجون السياسية بين صفحات أرشيفها بهذا النوع من الاحتجاج، ومن بين تلك الصفحات ما ارتبط بالمعتقلين الشيوعيين العراقيين، الذين عرفوا السجن والاعتقال والنفي والملاحقة، واستخدموا، إلى جانب وسائل الاحتجاج الأخرى، الإضراب عن الطعام للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف احتجازهم.
وتشير شهادة منشورة في أرشيف الحزب الشيوعي العراقي إلى أن السجناء في سجن بعقوبة أنهوا، خلال الأشهر الأولى من عام 1955، إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على سوء المعاملة والمطالبة بتوفير مستلزمات الحياة اليومية الاعتيادية، وأن المطالب تحققت بعد تحركات وعرائض ومذكرات ومظاهرات لعوائل السجناء. وهذه الشهادة، بحد ذاتها، تؤكد أن الإضراب عن الطعام كان حاضرًا في تجربة السجناء السياسيين العراقيين منذ عقود طويلة. (Iraqi CP)
والجدير بالذكر أن الإضراب عن الطعام احتجاجًا لم يكن حكرًا على العراق، ففي وقتنا الحالي، ومع كثرة منظمات حقوق الإنسان التي تُعنى بمعتقلي الرأي ومعتقلي السياسة، مثل الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومنظمة هيومن رايتس ووتش وغيرها، نجد معتقل الرأي والناشط الحقوقي من الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، النعمة أسفاري، قد بدأ إضرابًا مفتوحًا عن الطعام منذ تاريخ 8 حزيران ولغاية الآن، احتجاجًا على اعتقاله في السجون المغربية، في سجن القنيطرة المركزي، وكونه يطالب بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، وهو حق تؤكد عليه قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية الصحراء الغربية.
استمر النعمة أسفاري في الإضراب عن الطعام لليوم الحادي والأربعين، ما يجعلنا نقف أمام سؤال يحتاج إلى إجابة كبيرة من قبل السلطات التي تصادر الحقوق: ما الذي دفعه ليرى التضحية بجسده أهون لديه من الصمت؟
النعمة أسفاري وغيره، لا بوصفه مجرد اسم في خبر عابر، بل بوصفه إنسانًا يخوض معركة قاسية، فيما يراقب العالم. وحسب ما تمكنت من الاطلاع عليه، أصدرت بعض المنظمات الدولية بيانات تطالب بتوفير الرعاية الطبية له والاتصال بعائلته، فيما طالب بعضها بالإفراج عنه. كما أفادت جهات حقوقية بأن عائلته تحمل السلطات المغربية المسؤولية عن أي تداعيات تترتب على استمرار إضرابه وتجاهل مطالبه. (وكالة الأنباء الصحراوية «واص»).
والسؤال الأكثر إلحاحًا: هل تكفي بيانات تلك المنظمات لوقف تدهور حالته الصحية وصون حياته؟ وما مدى استجابة السلطات لهذه المطالب؟
إن إضراب النعمة أسفاري عن الطعام ليس أسلوبًا جديدًا، ولن يكون الإضراب الأخير ما دامت هناك سجون، وهناك معتقلون يشعرون بأن أبواب الحق أُغلقت أمامهم. لكن الذي يجب أن يكون حاضرًا في كل إضراب هو موقف المجتمع المحلي أو الإقليمي أو الدولي: أم ينتظر حتى يرحل المضرب لكي نبدأ في الحديث عن القضية؟
إن التضامن مع المضربين عن الطعام لا يعني تبني كل مواقفهم السياسية، كما أن المطالبة بحقوق معتقلي الرأي لا تعني بالضرورة تبرئة أي شخص من أي تهمة. لكنها تعني شيئًا أبسط وأعمق: أن الإنسان، حتى خلف القضبان، يظل إنسانًا، وله حقوق وواجبات.