اخر الاخبار

بالرغم من كل الإنجازات الكبيرة التي حققتها حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا إلا أن تظافر عوامل عديدة خارجية وداخلية كان سببا في أفول نجمها وانهيارها مع بدايات عام 1938. من هذه العوامل:

الواقع الاقتصادي الصعب للغاية الذي واجه حكومة الجبهة الشعبية. فبعد أن شعر الرأسماليون من أصحاب المشاريع والصناعات والأعمال بخطر التحولات التي باشرت في إجرائها الحكومة الشعبية عمدوا إلى تهريب أموالهم ونقل مشاريعهم الاستثمارية إلى خارج فرنسا الأمر الذي خلق أزمة في السيولة النقدية وتدهورا حادا في معالم الاقتصاد الفرنسي. رافق ذلك ارتفاع شديد في أسعار المواد الاستهلاكية مما أفرغ قرار الحكومة في زيادة الأجور من كل معانيه وضاعت هذه الزيادات في أحشاء السوق الجشع الذي كان يتربع على صدارته أصحاب الرأسمال الكبار ومتوسطو المستوى مما أدى إلى انهيار القدرة الشرائية فانتشر مجددا التململ الرافض لهذا الواقع في صفوف عموم الشعب ولاسيما العمال والفقراء.

وقد يكون صحيحا أن تخفيض ساعات العمل إلى 40 ساعة في الأسبوع أدى إلى هبوط مستوى الإنتاج الصناعي وغير الصناعي في حين كانت الأوضاع بحاجة ماسة لزيادة معدلات الإنتاج لمواجهة أزمة الكساد الذي يوصف بالكبير تارة وبالعظيم تارة أخرى. ولم تجد نفعا بعض الإجراءات التي اتبعها رئيس الحكومة يومذاك لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد مثل إيقاف الإجراءات الإصلاحية الاجتماعية وتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي فانعكس ذلك على موقف الحزب الشيوعي والعمال إزاء هذه الإجراءات فضعف الدعم الشعبي القوي له وللجبهة.

وقد تكون هذه هي بداية التصدع في العلاقة بين أطراف التحالف ومما زاد الطين بلة وربما كانت هي القشة التي كسرت ظهرت البعير الموقف من الحرب الأهلية الإسبانية التي استمرت من 1936 حتى 1939. فلقد طالب الشيوعيون ومعهم أجزاء من ممثلي الطبقة العاملة بالتدخل العسكري لدعم الجمهوريين الإسبان ضد قوات الجنرال فرانسيسكو فرانكو الذي كان يقود القوات القومية اليمينية التي أسقطت الجمهورية الإسبانية الثانية خلال هذه الحرب الأهلية والذي استولى أخيرا على الحكم عام 1939 حتى يوم وفاته عام 1975 تحت اسم الزعيم، في حين وجد رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك ليون بلوم أن من الأفضل اتباع سياسة عدم التدخل في الشأن الإسباني خشية انتقال الحرب الأهلية إلى فرنسا. هذا الشرخ بين القوى المكونة للجبهة الشعبية اتسع عندما شعر الحزب الراديكالي والذي كان يمثل الطبقة الوسطى بخطورة اتساع نفوذ الشيوعيين وتوجهوا نحو اليمين وتراجعوا تدريجيا عن دعم حكومة الجبهة الشعبية حتى أسقطوها.

ولا ينبغي أبدا تناسي الآثار التي تركتها على فرنسا الأجواء المتوترة في أوربا. فمثلا كان صعود هتلر وحزبه النازي في المانيا وتزايد وتيرة الإنتاج فيها نتيجة قرار هتلر بالعمل والإنتاج طوال اليوم ودون توقف في مقابل تخفيض ساعات العمل في فرنسا وانعكاس ذلك على الإنتاج وبالتالي على الإنتاج. فاضطرت الحكومة الفرنسية إلى التراجع عن قرار 40 ساعة عمل وراحت تشغل المصانع لإنتاج الأسلحة لمواجهة المخاطر الألمانية.

ولقد ازدادت المعارضة الفرنسية لحكومة الجبهة الشعبية شراسة مما أضاف ثقلا جديدا على الحكومة في مواجهته. فالصحافة اليمينية الداعمة للتجمعات الفاشية شنت حملاتها الإعلامية المضادة لتشويه صورة والحكومة وسياساتها ومن ذلك هجماتها المعادية للسامية ضد شخص رئيس الوزراء ليون بلوم الذي كان من الحزب الاشتراكي وينحدر من أصول يهودية الأمر الذي أسهم في عزلة الحكومة. ومعلوم أن هذه الصحافة كانت قد دعمت الإضرابات التي استمرت دون توقف ووصلت الأمور إلى حد احتلال المصانع مما دفع بممثلي الطبقة الوسطى للانسحاب عن دعم الجبهة والتخلي عنها.

سقطت الحكومة وتولى رئاستها ممثل الحزب الراديكالي الذي تحالف مع اليمين وأصدر قرارات بإلغاء قانون الـ 40 ساعة عمل وأعاد العمل في المصانع الحربية، وحين عارض العمال ممثلون باتحاد نقابات العمال هذه الإجراءات ودعوا إلى الإضراب قامت الحكومة التي ما زالت مرتبطة بالجبهة الشعبية شكليا بقمع الإضراب بالقوة وبتسريح آلاف العمال لتعلن نهاية الجبهة لشعبية بشكل نهائي وتنقل فرنسا إلى حالة الطوارئ حتى دخولها الحرب العالمية الثانية.

 ملاحظتان:

- في تولي ممثل الحزب الراديكالي رئاسة الحكومة تكون قد تحققت ملاحظتي التي ذكرتها في بداية الجزء الأول من المقال من أن اسباب انهيار الجبهة الشعبية قد اندست في لحظات تأسيسها فلقد جاءت "طلقة الرحمة" على يد رئيس الوزراء الراديكالي الذي اصطف تماما مع اليمين وتخلى عن إنجازات حكومة الجبهة الشعبية برئاسة ممثل الحزب الاشتراكي. ولهذه الحقيقة معنى متميز يتعلق في ضرورة أن تكون الجبهات الشعبية يسارية المنطلقات والتكوين والتركيب وعدم فسح المجال لمن هو من غير اليسار بالدخول إليها بحجج مختلفة فهؤلاء هم القنابل الموقوتة التي ستنفجر في أية لحظة مناسبة.

- إذا كانت يسارية الجبهات الشعبية هو الشرط الأول لنجاحها في تحقيق أهدافها فإن العمل القواعدي (الشارع – المحلات – المعامل – الجامعات – الحقول والمنظمات الشعبية) هو الشرط الثاني والذي لا يقل أهمية عن الأول.