عندما انعقد الامر لثورة 14 تموز وتمكنت من الامساك بزمام الأمور، وجدت نفسها في مواجهة العديد من التحديات والصعاب، التي شكل الموروث التشريعي واحدا منها، وهو موروث تمتد جذوره إلى بدايات القرن الأول الهجري، مع دخول جيش المسلمين، وتعاقب القرون ومعها التشريعات التي تغلب فيها الأحكام الظنية، والتي بقيت الناظمة في الدولة العثمانية منذ كانت رجلا معافى، حتى تدهورت أحوالها واكتسبت وصف الرجل المرض.
لهذا يجوز تصنيف تلك الفترة الزمنية الطويلة في ثلاث حقب متعاقبة: الأولى التي انتهت بسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ، والحقبة الثانية التي بدأت بدخول المحتل البريطاني إلى العراق في بواكير القرن العشرين، سواء في مرحلة الانتداب او في مرحلة الاستعمار الكولونيالي، اما المرحلة الثالثة فبدأت مع بداية البناء المؤسسي للدولة، وتشكيل مجلس النواب الذي مُنح السلطات التشريعية.
سنمر سريعا على كل حقبة ونورد مثالا لمنجزها التشريعي، بغية إعطاء صورة عن حجم الصعاب التي واجهت السلطة التشريعية لثورة تموز في تحدي ذلك الموروث.
في الحقبة الأولى ومنذ بواكير القرن الأول الهجري، أصبحت الأراضي الزراعية ملكا لبيت مال المسلمين. فقد صدرت الفتاوى الناظمة لموضوع الأراضي، فكانت الأراضي العشرية التي يؤخذ عشر ما تنتجه، كذلك الأراضي الخراجية التي تفرض الضريبة السنوية عليها وليس على المحصول، وهذا ما كان مطبقا في البلدان بعد فتحها، وامتد إلى الدولة العثمانية التي وجدت نفسها - في عقودها الاخيرة - متخلفة عن المنجز التشريعي الغربي، فأقرّت العديد من التشريعات محاكاة منها للغرب.
منها على سبيل المثال قانون الأراضي الصادر في 1858 م، والذي نص على الأراضي الأميرية المفوضة بالطابو، بهدف إيجاد طبقة إقطاعية تأخذ على عاتقها المسالة الزراعية والتخلص من انماط الانتاج الاخرى (كنمط الانتاج الاسيوي). وهذا القانون هو ما كان العراق يخضع له.
اما التشريع الثاني الذي سنته الدولة العثمانية فكان "مجلة الأحكام العدلية" وهي محاكاة للقانون المدني الفرنسي، إذ غلبت على نصوصها أحكام المذهب الحنفي المعتمد من الدولة حينئذ. وقد طبقت أحكام المجلة في العراق، باعتباره أحد اجزاء الدولة العثمانية. ويلاحظ أن العديد من نصوص المجلة استقرت في القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951.
في الحقبة الثانية (الاحتلال البريطاني) كانت النزعة التشريعية للمحتل تتجلي في المحافظة على الأنظمة التشريعية المؤسسة للتخلف، منها على سبيل المثال نظام دعاوى العشائر 1917 الذي حوّل العادات والتقاليد البدائية إلى قواعد قانونية حاكمة، فبدلا من ان تكون الفصلية (دية القتل) مجرد عرف عشائري، حوّلها إلى نص قانوني ملزم وخوّل السلطات الإدارية الفصل في المنازعات وفق أحكامه وتطبيقها في القرى والقصبات. في حين أصدر قانون العقوبات البغدادي سنة 1918 حاملا توقيع و. ر. مارشال، وهو القانون الذي يطبق في المدن. وبذلك جاء نظام دعاوى العشائر وقانون العقوبات البغدادي ليُأسسا عدم المساواة أمام القانون.
ولم يكتف المحتل بذلك، فقد اوعز لخبير الأراضي البريطاني السير ارنست داوسن بوضع تقرير عن مشكلات الأراضي الزراعية، وبالفعل كتب التقرير وكانت إحدى توصياته سببا في صدور قانون تسوية الأراضي، التي تضمن نصا يخص الأراضي الممنوحة باللزمة، محاكاةً للأراضي المفوضة بالطابو المنصوص عليها في قانون الأراضي العثماني. كما أصدر المحتل بيان المحاكم رقم 6 لسنة 1917 الذي خوّل المحاكم المدنية النظر في الأحوال الشخصية لغير المسلمين. وكان هذا البيان سببا في عدم صدور قانون عصري لغير المسلمين.
الحقبة الثالثة - حقبة الدولة العراقية: جاءت التشريعات في هذه الحقبة بأشد النصوص القانونية قسوة تجاه حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الحراك السياسي وتشكيل الاحزاب، واعلنت خصومتها الرسمية لذلك كله. ونحن هنا، في المساحة المحدودة لمقالنا هذا، لا نستطيع تناول كل التشريعات الصادرة خلال الحقبة. لذلك سنذكر بعض نصوص القانون الأساسي (دستور1925) لإظهار توجه السلطة وفلسفتها في ادارة الدولة.
على سبيل المثال لا الحصر: المادة 42 منه نصت على أن (لكل رجل عراقي أتم الثلاثين من العمر ولم يكن له إحدى الموانع المنصوص عليها في المادة (30) أن ينتخب نائبا.. ) وبذلك حصر النص حق الانتخاب في الرجل وحرم المرأة من حقها الانتخابي. اما في الجانب القضائي فقد أبقت النصوص الدستورية النظام الطائفي للمحاكم، وغلبت أحكام الطائفة على احكام المواطنة، ومثاله النص التالي: (تجري المحاكم الشرعية على وفق الاحكام الشرعية الخاصة بكل مذهب من المذاهب الإسلامية، ويكون القاضي من مذهب اكثرية السكان في المحل الذي يعين فيه) المادة 77 منه.
هذا غيض من فيض التشريعات وأمثلة مجتزأة من تلك الحقب، والتي شكلت التحدي الجدي لثورة 14 تموز ولمشروعها الوطني. إلا أن قامات باسقة مثل الدكتور إبراهيم كبة ومحمد حديد ومصطفى علي والرفقة التشريعية المبجلة للثورة، جادت بمنجز تشريعي شكّل البناء المؤسسي للدولة الحديثة. وقد تمكنّا من تضمينه في ملف شامل لكل تشريعات الثورة، نشر في مجلة "الثقافة الجديدة" عدد تموز 2022 وهو متاح على الانترنت للراغبين.
هكذا وجدت ثورة 14 تموز نفسها أمام موروث تشريعي مختلف المصادر، يمتد من حقبة الحكم العثماني مرورا بالاحتلال البريطاني، وصولا إلى مجلس النواب في العهد الملكي. فمن القوانين العثمانية كان النظام التشريعي للأحوال الشخصية بتصنيفه الطائفي ساري المفعول. كذلك أحكام الأراضي الأميرية المفوضة بالطابو، التي تضمنها قانون الأراضي العثماني لسنة 1858 وتسللت نصوصه بعدئذ إلى القانون المدني. وعن حقبة الاحتلال البريطاني كانت اتفاقية 4 تشرين الاول 1932 التي انهت الانتداب لتدخل العراق في مرحلة الاستعمار الكولونيالي، وقانون تسوية الأراضي الصادر بناء على توصية خبير الأراضي البريطاني السير ارنست داوسن، وبموجبه اعتمدت أحكام الأراضي الاميرية الممنوحة باللزمة، والنازعة نحو التأسيس لنظام شبه اقطاعي، وأخيرا تشريعات مجلس النواب في العهد الملكي التي لا تخفى على الحليم.
في الجانب السياسي – كانت للثورة رؤاها وبرامجها المنسجمة مع التأسيس الجديد لنظام الحكم (الجمهوري) المؤشرة أحكامه في الباب الأول من الدستور المؤقت، كون العراق جمهورية مستقلة ذات سيادة، وأن العرب والاكراد شركاء في الوطن. ونص بابه الثاني على أن المواطنين سواسية امام القانون، وان الشعب مصدر السلطات، وان المواطنين يتمتعون بالحقوق والحريات التي تعود مرجعيتها للإعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948. أما الباب الثالث فقد تضمن الأحكام المتعلقة بنظام الحكم، وبنصوص انتقالية لعمل السلطات الثلاث. وفي بابه الرابع تضمن نصوصا انتقالية، اعتُبر فيها أن كل القرارات والأوامر والبيانات الصادرة عن القائد العام للقوات المسلحة لها قوة القانون.
هذه الوثيقة السياسية على صغر مساحتها تعد منعطفا كبيرا في حياة الشعب العراقي، ترسم ملامح العهد الجديد ونظامه وكيفية إدارة شؤون الدولة. وبذلك تعد الوثيقة تلك إيذانا بقطع العلاقة مع النظام السابق، وتشكيل ملامح الهيكل الجديد للدولة.
الجانب الاقتصادي - اصدرت الثورة القانون رقم 80 لسنة 1961 التي اعتبرته شركات النفط الاجنبية إعلان خصومة، وبموجبه تمت استعادة اكثر من 99 في المائة من الأراضي النفطية، التي كانت تحت حيازة الشركات المذكورة.
هذا القانون وحده شكل ثورة. وقد سبقه قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، الذي يعد منعطفا في نمط العلاقات الانتاجية في الريف العراقي. إضافة إلى قانون الطاقة الذرية رقم 1 لسنة 1959. كذلك التأسيس للقطاع الصناعي بكافة تشكيلاته وتنوعاته، العام منها والخاص، فضلا عن القطاع التجاري وقطاع الخدمات، وتحديث البنى التحتية لقطاع النقل والمواصلات، لكي ينسجم مع طموحات الدولة في تعزيز وديمومة هذا القطاع. هذا اضافة إلى تعديل قانون العمل بالرقم 1 لسنة 1958.
الجانب التربوي - البدء بتأسيس جامعة بغداد بالقانون رقم 28 لسنة 1958وتعيين الدكتور عبد الجبار عبدالله رئيسا للجامعة بالمرسوم المرقم (238) لسنة 1959. وقبلها كان قد صدر قانون وزارة التربية رقم 38 لسنة 1958 ، الذي نص على (ان واجب وزارة التربية هو بناء جيل واع مستنير، يؤمن بالله والوطن ويثق بنفسه وامته، ويستهدف المثل العليا في السلوك الفردي والاجتماعي، ويتمسك بمبادئ الحق والخير، ويملك ارادة النضال المشترك واسباب القوة والعمل الايجابي، متسلحا بالعلم والخلق لتثبيت مكانة شعب العراق والأمة العربية، وتأمين حقها في الحرية والأمن والحياة الكريمة). وبعدها صدر قانون المكتبات العامة رقم 4 لسنة 1960 وأناط عملها وتنظيمها ومراقبتها بوزارة التربية. وقد سبق ذلك سن قانون نقابة المعلمين رقم 66 لسنة 1958 من أجل العمل لوحدة النشاط التربوي والتعليمي.
الجانب التعاوني - كانت للنشاط التعاوني حصة مشهودة من تشريعات الثورة، بضمنها قانون نقابة المهندسين رقم 62 لسنة 1959 وقانون الجمعيات التعاونية رقم 73 لسنة 1959 وهو من بواكير عمل المجتمع المدني، وقانون الجمعيات رقم 1 لسنة 1960 وقانون نقابة المحامين رقم 84 لسنة 1960. وقانون نقابة الممرضات رقم 23 لسنة 1959. كذلك قانون نقابة المساحين رقم 76 لسنة 1959 وقانون نقابة ذوي المهن الصحية رقم 91 لسنة 1959.
وفي ديباجات هذه القوانين كانت تستقر العبارات التالية: (من أجل العمل على مساندة الجمهورية العراقية وتثبيت أسسها الديمقراطية، والمساهمة في النهضة الصناعية والزراعية وإعلاء شأن المهن الصناعية، وان يعم التعاون بين النقابات والجمعيات والهيئات، والسعي لضمان مستقبل الاعضاء، ومكافحة الافكار الثقافية والفكرية الضارة التي تتعارض مع النظام الجديد..).