اخر الاخبار

أيدت محكمة الاستئناف البريطانية، في يونيو/حزيران 2026، الحظر المفروض على منظمة فلسطين،أكشن" (Palestine Action)، وأدين العديد من النشطاء بتهم تتعلق بصلات إرهابية" لقد حالت أحكام البراءة التي انتُزعت أمام بعض هيئات المحلفين، إلى جانب تردد بعض أعضاء السلك القضائي، دون تحول إرادة السلطات، لبعض الوقت، إلى عقيدة راسخة. لكن تلك المرحلة قد انقضت. ففي المملكة المتحدة، أصبحت الآليات الاستثنائية التي استُحدثت باسم الحرب على الارهاب" هي النهج المعتمد حاليا في التعاطي مع القضية الفلسطينية .ويهدف مشروع القانون المتعلق ب التهديدات الموجهة ضد الدولة" الذي تجري مناقشته حاليا في البرلمان، إلى توسيع نطاقه ليشمل الحق في الاحتجاج والحريات المدنية.

كيف يمكن عرقلة عمل منظمة بريطانية متضامنة مع فلسطين وتعمل ضمن حدود القانون ؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن التحايل على سيادة القانون ؟ لقد وجدت حكومة حزب العمال الحل .

أسس مواطنان بريطانيان، في يوليو/تموز، منظمة العمل من أجل فلسطين" : السيدة هدى عموري، التي نزحت عائلتها قسراّ خلال حرب الأيام الستة عام 1967، والسيد ريتشارد بارنارد العضو السابق في حركة بيئية (تمرد ضد الانقراض)، وقد توصلا إلى نتيجة واحدة : منذ عام 2018 ومع حملة القمع التي شنها القناصة الإسرائيليون باستخدام بنادق دقيقة باعتها لندن خلالمسيرة العودة" الفلسطينية، تواصلت الاحتجاجات في المملكة المتحدة دون إحراز تقدم ملموس، لذا بات من الضروري تغيير أساليب الاحتجاج لتحقق فعالية أكبر.

انخرطت المنظمة منذ تأسيسها في عمليات تستهدف بشكل مباشر موردي الاسلحة لإسرائيل، وقد استهدفت بشكل خاص شركة البيت سيستمز" (Elbit System) وهي شركة صناعية عملاقة تنتج طائرات بدون طيار للمراقبة والقتال، تم اختبارها على الفلسطينيين قبل بيعها تحت مسمى مجربة في القتال"، وجاء في التعليق الصوتي لفيلمقتل آلة حرب" (حنان ماجد وريتشارد يورك 2025)، وهو فيلم وثائقي مخصص للحركة ومحظور في المملكة المتحدة:  {فبدلا من مطالبة سياسي بإغلاق مصانع الأسلحة، يمكننا الذهاب وإغلاقها بأنفسنا}.

توسعت منظمة فلسطين أكشن عبر تشكيل مجموعات محلية ومستقلة،  وقد بدأت هذه المجموعات باستهداف العديد من مواقع شركةالبيت" في البلاد، بالإضافة إلى مصنع APPH في رانكورن، الذي يصنع معدات الهبوط لطائراتها المسيرة. وحققت بعض النجاح من خلال تدمير المعدات الضرورية للإنتاج، وتعطيله لعدة أيام، ما دفع الشركة للتخلي عن هذه المصانع في أولدهام وبريستول.

سعى المسؤولون الإسرائيليون إلى زيادة القمع ضد الناشطين، فتم اعتقالهم، وأطلق سراح بعضهم لعدم كفاية الأدلة، بينما حوكم آخرون بتهم التخريب او السرقة. لكن منظمة فلسطين،أكشن"، وسعت نطاق عملياتها، ففي مايو/ايار 2021، احتلت مصنع تاكتيكال سيستمز في ليستر التابع لشركة البيت، وصمد المتظاهرون على سطح المبنى لمدة ستة أيام بفضل دعم السكان المحلين، الذين أقاموا مخيما تضامنيا أمام المصنع واغلقوا الطريق عندما حاولت الشرطة إخلاء النشطاء.

جرت أول محاكمة في ديسمبر/ كانون الثاني 2021، في محكمة نيوكاسل اندلا يم ضد ثلاثة نشطاء قاموا بإغلاق أبواب مصنع انتاج طائرات بدون طيار الواقع في شنيستون بالسلاسل، وغطوا المبنى بطلاء أحمر بلون الدم. وقد نجح المحامون في تبرئتهم من تهمة الاضرار الجنائي بالاستناد إلى العذر المشروع" وهو بند في القانون البريطاني يسمح بتبرير الأفعال غير قانونية إذا كانت ضرورية لمنع ضرر أكبر، وفي هذه الحالة، جرائم حرب ضد الفلسطينيين. في هذا السياق، التقى مدير شركة البيت" السيد مارتن فوسيت بالسيدة بريتي باتيل، وزيرة الداخلية أنداك من حزب المحافظين، في 2 مارس/اذار 2022 .وقد اكدت ما يلي : تتعامل الحكومة بجدية مع أعمال الاحتجاج الاجرامية ضد شركةالبيت" وهي بالفعل على اتصال بالشرطة بشأن هذه الاعمال". لكن في نوفمبر/تشرين ثاني 2022، في لندن، وخلال محاكمة أمام المحكمة الملكية، تمت تبرئة خمسة نشطاء من منظمة فلسطين أكشن، كانوا قد حوكموا بتهمة إلقاء طلاء على مقر الشركة في أكتوبر/تشرين اول 2020 .

بحسب السيدة عموري، فقد توسعت صفوف شبكة الناشطين بشكل كبير منذ اكتوبر/تشرين اول 2023، مما سمح للمنظمة بتنويع أهدافها، وفي الشهر نفسه تمت تغطية المقر الرئيسي لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في لندن بالطلاء الأحمر، بعدما اتهمتها المنظمة ب نشر أكاذيب المحتل" وصناعة التبريرات على جرائم الحرب الإسرائيلية، وفي نوفمبر/تشرين الثاني تم إغلاق الوصول إلى أحد مواقع شركة لوكهيد مارتن الموردة للطائرات المقاتلة من طراز أف 16 وأف 35 المستخدمة في قصف قطاع غزة،

بدأت محاكمة كبرى في محكمة سنيرزبورك الملكية، واستمرت ستة أسابيع، وتناولت الأفعال التي نفذت ضد عدة مصانع تابعة لشركةالبيت" بين صيف عام 2020 وأوائل عام 2021، واستند الدفاع مجدداّ إلى العذر المشروع"، وقد بُرئ ثمانية نشطاء من بعض التهم، بينما بُرّئ اثنان بالأجماع من جميع التهم. ولم يكن هذا الانتصار مجرد انتصار معنوي، إذ نجحت الحركة في إضفاء شرعية قانونية على العصيان المدني رداّ على الحاجة الملحة لنزع سلاج القوات الاسرائيلية في غزة .

في أعقاب هذه الانتكاسة السياسية، أطلقت شركةالبيت" التي تمتلك وحدة استخبارات خاصة بها وتتبادل المعلومات مع أجهزة الشرطة في مختلف انحاء البلاد بصورة دورية كل أسبوعين، حملة جديدة للضغط السياسي. فقد وجه مدير الأمن في الشركة كريس مورغان رسالة الى كريس فيليب، الوزير المسؤول عن شؤون الشرطة مطالباّ بشن حملة صارمة تهدف إلى فرض عقوبات رادعة. وفي الوقت نفسه، استمرت وتيرة القمع ضد المنظمة في التصاعد من خلال المراقبة المستمرة، وتزايد عنف الشرطة، وسلسلة من الاعتقالات والمداهمات في مختلف انحاء البلاد.

لكن منظمة فلسطين أكشن" رفعت سقف طموحاتها، ففي اغسطس/اب 2024، وفي منطقة فيلتون اقتحم فريق أكبر مصانع شركةالبيت" في المملكة المتحدة، مستخدمين شاحنة مخصصة لنقل السجناء كأداة للاقتحام، وداهموا مركز الابحاث التابع لها وقاموا بتدمير طائرات مسيرة رباعية المراوح يستخدمها الجيش الاسرائيلي لاستدراج المسعفين الفلسطينيين عبر بث أصوات أطفال يبكون، وذلك بهدف تصفيتهم. وقدرت تكلفة الاضرار المادية ب 1.14 مليون يورو، وسرعان ما انتشر المشهد على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي .

قررت السلطات البريطانية اللجوء إلى ما يُعرف بالنظام الاستثنائي لمكافحة الإرهاب" المشحون بدرجة كبيرة بمشاعر معاداة الاسلام، كما توضح المحامية الدولية شهد حموري، إنها وسيلة للتحايل على سيادة القانون وخلق منطقة استثناء خارج نطاق القانون، في أي مجال يسبب ازعاجاّ للحكومة . وهكذا، وعلى الرغم من أن مجموعة فيلتون الاربع والعشرين" وجدت نفسها متهمة بجرائم جنائية عادية (السطو بالعنف، تدمير ممتلكات، جرائم الاخلال بالنظام)، فإن المدعي العام أثبت وجود صلة بالإرهاب" من خلال التــــذرع بـ (ظروف استثنائية) تتيح تمديد فترة الحبس الاحتياطي ورفض طلبات الافراج بكفالة، واحتجاز المتهمين في ظل ظروف امنية مشددة.

دخلت مجموعة تابعة إلى منظمة فلسطين أكشن" في يونيو/حزيران 2025، إلى أكبر قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي في برايزنورتون غربي لندن، حيث قام أربعة نشطاء بإلحاق اضرار بمحركات طائرتين للتزود بالوقود باستخدام الطلاء، وقدرت قيمة الاضرار بنحو 8 مليون يورو. وبعد ثلاثة أيام من الحدث، أعلنت السيدة إيفيت كوبر، وزيرة الداخلية في حكومة حزب العمال، قرارها بحظر منظمة فلسطين أكشن" بموجب قانون الارهاب الصادر عام 2000، ويمنح هذا القانون وزير الداخلية صلاحية اقتراح تصويت برلماني لحظر أي منظمة يُعتقد أنها متورطة في انشطة إرهابية، وقد حظى مقترح السيدة كوبر بتأييد الاغلبية في مجلس العموم ومجلس اللوردات.

وأصبحت العضوية في منظمة فلسطين أكشن" تُعد بحسب القرار، تهديداّ للديمقراطية، وبالتالي قد تُعامل كجريمة جنائية. كما أصبحت الدعوة إلى دعم المنظمة، أو تنظيم الاجتماعات والمظاهرات تضامناّ معها، أو مجرد ارتداء ملابس تحمل شعارها جريمة جنائية. منذ يوليو/تموز 2025، ألقي القبض على اكثر من 2700 شخص لمشاركتهم في تجمعات داعمة للمنظمة، من بينهم السيد معظم بيغ، وهو معتقل سابق في غوانتانامو، أطلق سراحه دون توجه تهمة إليه بعد ثلاث سنوات، والسير جوناثان بوريت، المستشار السابق للأمير تشارلز.  كما تواجه الروائية الإيرلندية سالي روني المصير نفسه إذا عادت إلى المملكة المتحدة، وذلك بعد إعلانها عن نيتها التبرع بجزء من عائدات مؤلفاتها لهذه المنظمة.

لكن كل هذه الإجراءات والضغوط لم تكسر عزيمة الحركة، ففي وقت مبكر من صيف 2025، تولت مجموعة جديدة تدعى (أغلقوا ليوناردو) زمام المبادرة في أدنبرة. وفي الوقت نفسه، تحظى مجموعة تضم ثلاثين ناشطاّ لا يزالون رهن الاحتجاز بانتظار المحاكمة بدعم حركة واسعة النطاق. اما المحاكمة فقد لا تعقد قبل مطلع  عام 2027. يخوض بعضهم إضراباّ عن الطعام مطالبين برفع تصنيف الحركة كمنظمة محظورة، وبالنسبة لأولئك الذين بدأوا هذا الاحتجاج في نوفمبر/تشرين ثاني الماضي، يُعد هذا الاضراب الاطول من نوعه في سجن بريطاني منذ ذلك الذي نفذه اعضاء في الجيش الجمهوري الإيرلندي عام 1981، احتجاجاّ على ظروف احتجازهم في سجن لونغ كيش" بإيرلندا الشمالية.

وقد أدى تعنت مارغريت تاتشر آنداك إلى وفاة عشرة منهم. فما سيكون موقف كير ستارمر وحزب العمال ؟ ففي اليوم الخمسين للإضراب، ومع تدهور حالتهم الصحية بسرعة، ظلت حكومة حزب العمال متمسكة بموقفها دون تراجع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لوموند دبلوماتيك – حزيران 2026