بعد أن تناولت المقالة الأولى العوامل التي أسهمت في ترهل الجهاز الإداري الحكومي في العراق، وتوصلت إلى أن المشكلة لا تتمثل في ارتفاع عدد الموظفين بحد ذاته، بل في اختلال العلاقة بين الموارد البشرية ومستوى الأداء وجودة الخدمات، يصبح من الضروري الانتقال إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف يمكن قياس الترهل بصورة علمية؟
فالإصلاح الإداري لا يبدأ بإطلاق الأحكام أو تبني الحلول، وإنما يبدأ بقياس المشكلة وفق مؤشرات موضوعية تميز بين الانطباعات العامة والحقائق القابلة للتحليل. ومن دون أدوات قياس واضحة، يبقى الحديث عن الترهل الإداري أقرب إلى التقديرات منه إلى التشخيص العلمي.
ويقصد بالجهاز الإداري الحكومي في هذه المقالة جميع الوزارات والجهات والمؤسسات الحكومية المدنية، بما فيها الحكومات المحلية، مع استثناء القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي وقوات البيشمركة، نظراً لخصوصية مهامها وطبيعة تنظيمها التي تختلف عن المعايير المستخدمة في تقييم كفاءة الإدارة المدنية.
أولاً: هل يكفي عدد الموظفين للحكم على وجود الترهل؟
يُعد الاعتقاد بأن زيادة عدد الموظفين تعني بالضرورة وجود ترهل إداري من أكثر المفاهيم شيوعاً، لكنه لا يستند إلى أساس علمي. فالتجارب الدولية تؤكد أن كفاءة الجهاز الإداري لا تُقاس بعدد العاملين، وإنما بقدرته على تحويل موارده البشرية والمالية إلى خدمات عامة ذات جودة، وبأقل كلفة وفي الوقت المناسب.
ولهذا السبب، لا تعتمد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD)، ولا البنك الدولي، ولا صندوق النقد الدولي، عدد الموظفين مؤشراً مستقلاً للحكم على كفاءة الإدارة العامة، بل تنظر إلى منظومة متكاملة تشمل إنتاجية الموارد البشرية، وجودة الخدمات، وكفاءة الإنفاق العام، وفاعلية المؤسسات، ومستوى التحول الرقمي، وجودة الحوكمة، فقد تمتلك دولة جهازاً إدارياً كبيراً نسبياً، لكنه يعمل بكفاءة عالية ويحقق نتائج متميزة، بينما قد تعاني دولة أخرى من ضعف الأداء رغم قلة عدد موظفيها، بسبب سوء التنظيم أو تداخل الاختصاصات أو انخفاض الإنتاجية أو ضعف الحوكمة، وعليه، فإن عدد الموظفين لا يمثل سوى مؤشر أولي يستدعي الدراسة، ولا يصلح وحده للحكم على وجود ترهل في الجهاز الإداري الحكومي.
ثانياً: ما المقصود بالترهل في الجهاز الإداري الحكومي؟
لا يوجد في الأدبيات الإدارية تعريف موحد لمفهوم "الترهل الإداري"، إلا أن المفاهيم التي تعتمدها المؤسسات الدولية تدور جميعها حول كفاءة استخدام الموارد العامة وفاعلية المؤسسات الحكومية، وانطلاقاً من ذلك، يمكن تعريف الترهل في الجهاز الإداري الحكومي بأنه:
"عدم التوازن بين الموارد البشرية والمالية والتنظيمية المتاحة للمؤسسات الحكومية، وبين مستوى الخدمات والنتائج التي تحققها، بما يؤدي إلى انخفاض الكفاءة، وارتفاع كلفة التشغيل، وتراجع جودة الخدمات العامة".
ويتجلى هذا الترهل في صور متعددة، من أبرزها :
* تضخم أعداد العاملين مقارنة بحجم العمل الفعلي.
* سوء توزيع الموارد البشرية.
* وتعدد المستويات الإدارية دون قيمة مضافة.
* وغياب الوصف الوظيفي.
* وتداخل المسؤوليات.
* وانخفاض إنتاجية الموظفين.
* وارتفاع الإنفاق التشغيلي دون تحسن مماثل في الخدمات.
ومن ثم، فإن الترهل لا يرتبط بعدد الموظفين وحده، وإنما بمدى كفاءة استخدام الموارد لتحقيق النتائج المستهدفة.
وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من هذه المؤشرات ليست مفاهيم نظرية فحسب، بل سبق أن شكلت أساساً لدراسة وطنية نفذها المركز الوطني للتطوير الإداري وتكنولوجيا المعلومات في وزارة التخطيط خلال عامي 2013–2014، واستهدفت عينة من الوزارات والهيئات الحكومية، وقد كشفت الدراسة عن وجود اختلالات في الهياكل التنظيمية، وسوء توزيع القوى العاملة، وضعف أنظمة تقييم الأداء، وعدم تحديث الوصف الوظيفي، وهو ما يؤكد أن كثيراً من التحديات المطروحة اليوم ليست جديدة، وإنما سبق تشخيصها علمياً، إلا أن نتائجها لم تتحول إلى برنامج وطني شامل للإصلاح الإداري.
وانطلاقاً من هذا الفهم، يتضح أن قياس الترهل الإداري لا ينبغي أن يقتصر على تعداد الموظفين أو قياس حجم الإنفاق، بل يتطلب منظومة متكاملة من المؤشرات الكمية والنوعية التي تقيس كفاءة الإدارة العامة في استخدام مواردها وتحقيق أهدافها، وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر أهمية:
إذا كان عدد الموظفين لا يكفي للحكم على وجود الترهل، فما المؤشرات العلمية التي ينبغي اعتمادها لتقييم كفاءة الجهاز الإداري الحكومي؟
ثالثاً: المؤشرات العلمية لقياس الترهل في الجهاز الإداري الحكومي
تجمع الأدبيات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD)، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي على أن تقييم كفاءة الجهاز الإداري الحكومي يقوم على منظومة متكاملة من المؤشرات، وليس على مؤشر واحد، وانطلاقاً من هذه المنهجية، يمكن اعتماد ثمانية مؤشرات رئيسة لتقييم واقع الإدارة العامة في العراق.
1- حجم الجهاز الإداري الحكومي:
يمثل نقطة البداية في التحليل، لكنه لا يكتسب دلالته إلا عند مقارنته بعدد السكان، وحجم القوى العاملة، وطبيعة الخدمات التي تقدمها الدولة، ومستوى التحول الرقمي، ودور القطاع الخاص في تقديم الخدمات.
2- الهيكل التنظيمي ونطاق الإشراف:
لا يقتصر الترهل على تضخم أعداد الموظفين، بل قد ينتج أيضاً عن تضخم الهياكل التنظيمية، وكثرة المستويات الإدارية، وضعف نطاق الإشراف، وتكرار الاختصاصات، وهي عوامل تؤدي إلى بطء اتخاذ القرار وارتفاع كلفة الإدارة.
3- الوصف الوظيفي:
يمثل الوصف الوظيفي الأساس الذي تُبنى عليه إدارة الموارد البشرية، لأنه يحدد مسؤوليات كل وظيفة وصلاحياتها ومتطلباتها، ومن دونه يصعب تحديد الاحتياجات الفعلية من العاملين أو تقييم الأداء أو اكتشاف الفائض والعجز في الموارد البشرية.
4- تحليل عبء العمل:
يعد من أكثر الأدوات دقة في تحديد الاحتياجات الحقيقية للقوى العاملة، إذ يعتمد على تحليل الأنشطة والخدمات، وتقدير الزمن المعياري لإنجازها، واحتساب حجم العمل الفعلي، ومن ثم تحديد الفائض أو العجز في الموارد البشرية. ويتطلب تطبيقه قواعد بيانات دقيقة وفرقاً فنية متخصصة.
5- إنتاجية الموارد البشرية:
تركز المنظمات الدولية على ما ينجزه الموظف، وليس على عدد ساعات حضوره. وتقاس الإنتاجية من خلال مؤشرات مثل عدد المعاملات المنجزة، وعدد المستفيدين من الخدمة، والزمن اللازم لإنجازها، وكلفتها، ونسبة الخدمات المقدمة إلكترونياً.
6- كفاءة الإنفاق العام:
لا يكفي قياس حجم الإنفاق على الرواتب والأجور، بل ينبغي تقييم ما إذا كان هذا الإنفاق ينعكس على تحسين الأداء ورفع جودة الخدمات وتعزيز كفاءة المؤسسات.
7- جودة الخدمات الحكومية:
تعد جودة الخدمات من أهم مؤشرات كفاءة الإدارة العامة، وتشمل سرعة الإنجاز، وسهولة الحصول على الخدمة، وعدد الإجراءات المطلوبة، ومستوى رضا المواطنين، ومعدلات الشكاوى، والالتزام بالمدد الزمنية المحددة.
8- التحول الرقمي:
أصبح التحول الرقمي أحد أهم معايير الإدارة الحديثة، لأنه يسهم في تبسيط الإجراءات، ورفع الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الشفافية، والحد من الفساد الإداري.
ومن خلال هذه المؤشرات يتضح أن الترهل الإداري لا يُقاس بعدد الموظفين فقط، بل بقدرة الجهاز الإداري على توظيف موارده البشرية والمالية والتنظيمية لتحقيق أفضل النتائج بأعلى درجات الكفاءة.
رابعاً: ماذا تكشف المؤشرات عن واقع الجهاز الإداري الحكومي في العراق؟
بعد استعراض المنهجية العلمية المستخدمة في تقييم كفاءة الجهاز الإداري الحكومي، يصبح من الممكن إجراء قراءة أولية لواقع الإدارة العامة في العراق في ضوء البيانات الرسمية المتاحة، ومن المهم التأكيد أن الغاية من هذا التحليل ليست إصدار حكم نهائي بشأن حجم الترهل الإداري، وإنما تقديم تشخيص أولي يستند إلى المؤشرات المتوافرة، مع الإقرار بأن التقييم الدقيق يتطلب بيانات تفصيلية على مستوى كل وزارة ومؤسسة حكومية وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن استخلاص الملاحظات الآتية:
1- حجم الجهاز الإداري الحكومي المدني
تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد العاملين في الجهاز الإداري الحكومي المدني يقترب من 3.2 مليون موظف مدني، وهو ما يجعل الدولة أكبر جهة مشغلة للقوى العاملة في العراق، وعند مقارنة هذا العدد بعدد السكان، الذي يقدر بنحو (46–47) مليون نسمة، يتبين أن هناك موظفاً حكومياً مدنياً واحداً تقريباً لكل (14–15) مواطناً، ويمثل هذا المؤشر نقطة انطلاق مهمة لفهم حجم الجهاز الإداري، إلا أنه لا يكفي وحده للحكم على كفاءته، لأن دلالته الحقيقية تعتمد على مستوى الإنتاجية وجودة الخدمات التي يقدمها.
2- الاعتماد المرتفع على التوظيف الحكومي
لا يزال القطاع الحكومي يمثل المشغل الرئيس للقوى العاملة في العراق، الأمر الذي يعكس اعتماداً واسعاً على الوظيفة العامة بوصفها أداة لاستيعاب الداخلين إلى سوق العمل، ويرتبط هذا الواقع بعدة عوامل، من أبرزها:
* محدودية قدرة القطاع الخاص على توفير فرص عمل كافية.
* استمرار النظرة المجتمعية إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الأكثر استقراراً.
* استخدام التعيينات الحكومية خلال مراحل مختلفة كوسيلة لمعالجة البطالة أو تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وقد أدى ذلك إلى توسع مستمر في حجم الجهاز الإداري، وزيادة الضغوط على الموازنة العامة، وهو ما يستدعي إعادة التوازن بين دور الدولة ودور القطاع الخاص في استيعاب القوى العاملة.
3- فاتورة الرواتب والأجور
تشكل الرواتب والأجور أحد أكبر بنود الإنفاق التشغيلي في الموازنة العامة العراقية، إذ تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق الحكومي السنوي، ومع ذلك، فإن ارتفاع فاتورة الرواتب لا يمثل بحد ذاته مؤشراً على الترهل الإداري، لأن الإنفاق على الموارد البشرية يمثل استثماراً ضرورياً لتقديم الخدمات العامة، وتكمن القضية الأساسية في مدى انعكاس هذا الإنفاق على تحسين الأداء المؤسسي وجودة الخدمات ورفع إنتاجية العاملين، ومن ثم، فإن تقييم فاتورة الرواتب ينبغي أن يقترن بقياس العائد المتحقق من هذا الإنفاق، لا الاكتفاء بقيمته المالية.
4- المقارنة المعيارية مع بعض دول الإقليم
تشير البيانات المقارنة المتاحة إلى أن كثافة التوظيف الحكومي في العراق تبدو أعلى من عدد من دول المنطقة، إذ يبلغ متوسط عدد المواطنين لكل موظف حكومي مدني في العراق مستوى أقل من نظيره في بعض الدول الإقليمية، ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه المقارنات بحذر شديد، لأن دلالتها تتأثر بعدة عوامل، من أهمها:
* اختلاف تعريفات الخدمة المدنية من دولة إلى أخرى.
* تفاوت حجم القطاع العام وطبيعة المهام التي تضطلع بها الدولة.
* مستوى التحول الرقمي ومدى اعتماد الخدمات الإلكترونية.
* حجم مساهمة القطاع الخاص في تقديم الخدمات العامة.
* اختلاف الهياكل الإدارية ومستويات اللامركزية.
ولذلك فإن هذه المقارنات لا تصلح لإصدار أحكام قاطعة بشأن وجود الترهل الإداري، وإنما تمثل مؤشرات استرشادية تساعد على فهم الصورة العامة، وتبرز الحاجة إلى إجراء تقييم أكثر عمقاً يعتمد على مؤشرات الإنتاجية وجودة الخدمات وكفاءة الإنفاق.
ما الذي تكشفه هذه المؤشرات؟
إن القراءة المتأنية للمؤشرات السابقة تقود إلى ثلاث ملاحظات رئيسة:
4-1: إن الجهاز الإداري الحكومي في العراق يُعد كبيراً نسبياً من حيث حجم القوى العاملة، مقارنة بعدد السكان وبعض دول الإقليم.
4-2 أن فاتورة الرواتب والأجور تمثل أحد أكبر بنود الإنفاق العام، الأمر الذي يجعل رفع كفاءة استخدام الموارد البشرية ضرورة مالية وإدارية في آن واحد.
4-3 إن الدولة ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التوظيف الحكومي بوصفه أحد المحركات الرئيسة لسوق العمل، وهو ما يعكس خللاً هيكلياً في العلاقة بين القطاعين العام والخاص.
غير أن هذه النتائج، على أهميتها، لا تجيب عن السؤال الأكثر حساسية، وهو:
هل يعمل هذا الجهاز الإداري بالكفاءة التي تبرر حجمه وكلفته؟
والإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى المؤشرات الكلية وحدها، بل تتطلب بيانات أكثر تفصيلاً عن إنتاجية الموارد البشرية، وجودة الخدمات، وكفاءة الهياكل التنظيمية، ومستوى التحول الرقمي، وهي بيانات ما تزال محدودة في السياق العراقي، ومن هنا تبرز الإشكالية التالية:
إذا كانت أدوات القياس معروفة، فلماذا يصعب قياس الترهل الإداري في العراق بدقة؟
خامساً: لماذا يصعب قياس الترهل الإداري بدقة في العراق؟
لا تكمن المشكلة في العراق في غياب أدوات قياس كفاءة الإدارة العامة، فمعظم المنهجيات المعتمدة دولياً أصبحت معروفة، وإنما في ضعف البيئة المؤسسية اللازمة لتطبيقها بصورة منهجية. ويمكن تلخيص أبرز التحديات فيما يأتي:
• غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة للعاملين في الجهاز الإداري الحكومي المدني، إذ تتوزع البيانات بين المؤسسات وتستخدم أنظمة مختلفة، مما يصعّب حصر أعداد العاملين وتحليل توزيعهم ودعم قرارات التخطيط وإعادة الهيكلة.
• ضعف أنظمة إدارة الأداء، إذ يتركز التقييم في كثير من المؤسسات على الإجراءات الشكلية أكثر من قياس النتائج والإنتاجية، وهو ما يحد من القدرة على التمييز بين الأداء المرتفع والمنخفض وربط الأداء بالحوافز والتطوير.
• محدودية تطبيق تحليل عبء العمل، فلا تزال قرارات استحداث الوظائف أو توزيع العاملين تعتمد في كثير من الأحيان على تقديرات إدارية، بدلاً من قياس علمي لحجم العمل والاحتياجات الفعلية.
• ضعف تفعيل الوصف الوظيفي، إذ لا يُحدَّث بصورة منتظمة ولا يرتبط بالتعيين أو التدريب أو تقييم الأداء، مما يقلل من دوره في إدارة الموارد البشرية.
• غياب منظومة موحدة لمؤشرات الأداء المؤسسي، مثل إنتاجية الموارد البشرية، وزمن تقديم الخدمات، وكلفتها، وجودتها، ورضا المستفيدين، الأمر الذي يحد من إمكان مقارنة أداء المؤسسات وتعزيز المساءلة.
• تعدد المرجعيات الإدارية وتداخل مسؤوليات الجهات المعنية بإدارة الموارد البشرية، وهو ما يضعف توحيد البيانات والمنهجيات اللازمة لتقييم كفاءة الجهاز الإداري.
ويتضح من ذلك أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في نقص المؤشرات، بل في غياب منظومة مؤسسية متكاملة لإنتاج البيانات وتحليلها وربطها بصنع القرار، الأمر الذي يقود إلى السؤال التالي: كيف يمكن بناء نظام وطني دائم لقياس كفاءة الجهاز الإداري الحكومي؟
سادساً: خارطة طريق لبناء نظام وطني لقياس كفاءة الإدارة العامة
إذا كانت أدوات القياس معروفة، فإن الأولوية اليوم تتمثل في بناء نظام وطني يجعل قياس كفاءة الإدارة العامة عملية مؤسسية مستمرة، تعتمد عليها الدولة في تخطيط الموارد البشرية، وإعادة الهيكلة، وتخصيص الموارد، وتقييم الأداء. ويمكن أن تقوم هذه الخارطة على ثمانية مرتكزات رئيسة:
1. تنفيذ مسح وطني شامل للعاملين في الجهاز الإداري الحكومي المدني، يتضمن أعدادهم، وتوزيعهم، ومؤهلاتهم، والهياكل التنظيمية، وحالات الفائض والعجز.
2. إنشاء نظام وطني موحد لمعلومات الموارد البشرية الحكومية (GHRIS) يربط جميع الجهات الحكومية إلكترونياً، ويوحد بيانات التعيين، والرواتب، والترقيات، والتدريب، وتقييم الأداء، والتقاعد.
3. اعتماد دليل وطني موحد للوصف الوظيفي وربطه بالتعيين، والتدريب، وتقييم الأداء، والتخطيط الوظيفي، وإعادة الهيكلة.
4. اعتماد تحليل عبء العمل منهجاً وطنياً لتحديد الاحتياجات الفعلية من الموارد البشرية، وإعادة تطبيقه بصورة دورية عند استحداث أو إعادة هيكلة المؤسسات.
5. بناء منظومة وطنية لمؤشرات الأداء المؤسسي تشمل إنتاجية الموارد البشرية، وزمن إنجاز الخدمات، وجودتها، وكلفتها، ورضا المستفيدين، ونسبة الخدمات الرقمية، بما يتيح المقارنة والشفافية والمساءلة.
6. ربط الموازنة العامة بالأداء، بحيث يرتبط التمويل بنتائج المؤسسات وجودة خدماتها، لا بعدد موظفيها، بما يعزز كفاءة الإنفاق العام.
7. تسريع التحول الرقمي والتكامل المؤسسي من خلال ربط أنظمة الموارد البشرية والمالية والموازنة والخدمات الحكومية ضمن منصة رقمية موحدة تدعم اتخاذ القرار بالاعتماد على البيانات.
8. تحديد جهة وطنية تقود مشروع الإصلاح الإداري، ويُرجَّح أن تتولى وزارة التخطيط هذا الدور بالتنسيق مع مجلس الخدمة العامة الاتحادي، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزارة المالية، والجهاز المركزي للإحصاء، والمركز الوطني للتطوير الإداري وتكنولوجيا المعلومات، وبقية الجهات ذات العلاقة.
إن نجاح هذه الخارطة لا يتطلب ابتكار أدوات جديدة بقدر ما يتطلب الاستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة وتكييف المنهجيات الدولية مع الواقع العراقي، وتحويلها إلى نظام مؤسسي دائم يدعم اتخاذ القرار ويجعل الإصلاح الإداري قائماً على الأدلة لا على الانطباعات.
الخاتمة
تخلص هذه المقالة إلى أن الترهل في الجهاز الإداري الحكومي لا يُقاس بعدد الموظفين وحده، وإنما بمدى قدرة الدولة على توظيف مواردها البشرية والمالية والتنظيمية بكفاءة لتحقيق نتائج أفضل وخدمات عامة أكثر جودة.
كما يتبين أن الإصلاح الإداري لا يبدأ بإجراءات تقليص الأعداد أو استحداث التشكيلات، بل يبدأ ببناء منظومة وطنية تعتمد على البيانات والمؤشرات العلمية لقياس كفاءة الأداء وتشخيص مواطن الخلل بصورة موضوعية، لأن ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته أو تطويره بكفاءة.
ومن هنا، فإن قياس الترهل لا يمثل نهاية مسار الإصلاح، بل يشكل الخطوة الأولى فيه، إذ لا تكتسب نتائج القياس قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى سياسات لإعادة هيكلة الجهاز الإداري الحكومي، وتحسين توزيع الموارد البشرية، ورفع كفاءة المؤسسات العامة بما ينسجم مع أولويات التنمية واحتياجات الدولة.
ويبقى السؤال الذي تمهد له هذه المقالة، وستتناوله المقالة الثالثة من هذه السلسلة:
اذا كان قياس الترهل يمثل الخطوة الأولى في الإصلاح الإداري، فما المعايير العلمية التي ينبغي اعتمادها لإعادة هيكلة الجهاز الإداري الحكومي، وبناء هيكل مؤسسي أكثر كفاءة وفاعلية؟
ــــــــــــــــ
*مدير عام المركز الوطني للتطوير الإداري وتقنية المعلومات الأسبق ورئيس هيأة المنافذ الحدودية الأسبق.