اخر الاخبار

أعادت حملة الاعتقالات الأخيرة بحق متهمين بقضايا فساد فتح واحد من أكثر الملفات إلحاحاً في العراق: هل نحن أمام بداية مواجهة حقيقية مع منظومة الفساد، أم أمام حملة ستنتهي، كغيرها، عند الحلقة الأضعف؟

فقد أعلنت السلطات إطلاق حملة وُصفت بأنها الأكبر منذ سنوات، شملت حتى الآن عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال، استناداً إلى مذكرات قبض قضائية نُفذت بإشراف جهاز مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع هيئة النزاهة. وجاءت هذه الإجراءات بعد اعترافات وُصفت بالمهمة كشفت عن شبكات يُشتبه بتورطها في الابتزاز وتمرير العقود المخالفة للقانون وهدر المال العام، ما فتح الباب أمام تحقيقات واسعة ما زالت الأنظار تتجه إلى نتائجها.

رحب كثيرون بالحملة، وأعلنت قوى سياسية تأييدها لها، بينما بقي الشارع العراقي أكثر حذراً من الاحتفاء. فالعراقيون لا يقيسون نجاح حملات مكافحة الفساد بعدد أوامر القبض ولا بعدد المؤتمرات الصحفية، وإنما بالسؤال الذي تكرر طوال السنوات الماضية: هل ستصل التحقيقات هذه المرة إلى جميع المتورطين، أم ستكتفي مرة أخرى بصغار اللاعبين؟

ومن هنا تبدأ حكاية ("الزوري" والحيتان).

فالزوري، وهو من أشهر الأسماك الشعبية الصغيرة في جنوب العراق، رخيص الثمن وسهل الاصطياد، لذلك لا يحتاج الصياد إلى كثير من الجهد للإمساك به. أما الحيتان، فحكايتها مختلفة؛ فهي لا تقع في الشباك بسهولة، وتعرف كيف تبقى بعيدة عن متناول الصياد. ولهذا، مع كل حملة مداهمات، يتجدد الأمل بأن لا تنتهي الشباك عند "الزوري" الذي سرق بضعة ملايين، بينما تبقى حيتان المليارات تسبح مطمئنة في أعماق بحر الفساد، وكأنها تعرف متى تُلقى الشباك، وأين تُلقى، ولمن تُلقى.

العراقيون لا ينتظرون خبر القبض على لص صغير، فهؤلاء، مهما كثرت أعدادهم، لا يستطيعون سرقة وطن. ما ينتظره الناس هو اليوم الذي يرون فيه كبار الفاسدين، ممن يُقال إنهم أتقنوا فن التخفي وإخفاء الثروات، يمثلون أمام القضاء، لا أمام عدسات الكاميرات وهم يعلنون تأييدهم لحملات مكافحة الفساد.

في عالم البحار، للأسماك الصغيرة وسائل دفاع محدودة؛ تندمج مع البيئة، وتناور بسرعة، وتختبئ بين الصخور والشعاب. لكنها، في النهاية، تقع في الشبكة، وربما تُستخدم طعماً لاستدراج غيرها. أما الحيتان، فلها علم آخر. لا تعتمد على السرعة، بل على الخبرة، وعلى خرائط لا يقرأها إلا أهل البحر. تعرف كيف تعكر الماء قبل أن يقترب الصياد، وكيف تختفي في الأعماق، وكيف تمحو آثارها حتى يصبح الدليل نفسه بحاجة إلى دليل.

وهكذا يبدو المشهد في بحر الفساد العراقي.

اللص الصغير غالباً غشيم؛ يتعجل الغنيمة، ويترك بصماته حيث مرّ، وربما يترك هويته في جيبه. أما اللص الكبير، فله مدرسة كاملة في الاختفاء. لا حساب مصرفياً باسمه، ولا عقاراً مسجلاً باسمه، ولا شركةً يمكن أن تقود إليه مباشرة. كل شيء موزع بعناية بين واجهات وأقارب وشركاء، حتى تبدو الحقيقة وكأنها تبحث عن نفسها. ويتداول الناس كثيراً من الروايات التي لا يمكن الجزم بصحتها، عن مسؤولين لا يملكون ــ على الورق ــ سوى رواتبهم، فيما تمتد الثروات بأسماء الأبناء والأصهار والأقارب. بل إن السخرية الشعبية ذهبت إلى حد القول إن بعض الأحفاد يُفتح لهم حساب مصرفي وهم ما زالوا في القماط، ليشب الرصيد معهم قبل أن يشبّوا هم. وتبقى هذه الحكايات جزءاً من المزاج الشعبي، لا بديلاً عن الأدلة والتحقيقات القضائية.

وفي التراث العراقي حكاية طريفة عن "الحرامي الكبير والحرامي الصغير". علّم الكبير تلميذه أصول السرقة، لكن الصغير أغراه بريق غنيمة إضافية، فخرج عن الخطة، فسقط الإناء، واستيقظ أهل الدار، وضاعت الغنيمة. كان الدرس أن الطمع يفضح اللص.

أما في فساد الدول، فيبدو أن بعض اللصوص الكبار تعلموا الدرس بطريقة مختلفة. لا يطمعون في قطعة صغيرة، بل في المائدة كلها، ثم ينهضون عنها بأيدٍ تبدو ــ للوهلة الأولى ــ نظيفة.

ولذلك، مع كل حملة مداهمات، يتساءل العراقيون: هل وصلت الإشارات والاتصالات إلى الحيتان قبل وصول دوريات المداهمة؟ وهل مُنحت مهلة لترتيب الأوراق، وإخفاء الملفات، وتبديل الواجهات، ونقل ما يمكن نقله في ليلة بلا قمر؟

قد تكون هذه مجرد أسئلة يرددها الشارع، لكنها تعكس حجم فقدان الثقة الذي تراكم عبر سنوات طويلة. الحقيقة المؤلمة أن اللص الصغير قد يسرق مبلغاً محدوداً، أما اللص الكبير ــ إن ثبت فساده ــ فيسرق ما كان ينبغي أن يتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق وجامعات وفرص عمل، بل يسرق مستقبلاً كاملاً. الفرق بين الاثنين ليس في الاسم، بل في حجم الخراب.

لذلك، فإن نجاح الحملة الحالية لن يقاس بعدد الموقوفين، بل بقدرتها على استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة جميع المتورطين بلا استثناء، وتجفيف البيئة السياسية والإدارية التي سمحت للفساد بأن يتحول من حالات فردية إلى منظومة متكاملة. ولا قيمة لأي حملة إذا بقيت الحيتان تسبح في الأعماق، فيما تمتلئ الشباك، في كل مرة، بأسماك "الزوري" وحدها.

العراق لا يحتاج إلى استعراضات إعلامية بقدر حاجته إلى قضاء مستقل، وتحقيقات مهنية، وإرادة سياسية لا تفرق بين صغير وكبير. فعندما تقع الحيتان في الشباك، سيصدق العراقيون أن البحر قد تغيّر، لا أن الصياد اكتفى، مرة أخرى، بإلقاء شبكته حيث تكثر أسماك الزوري.