اخر الاخبار

التكيف الهيكلي مجموعة الإجراءات الاقتصادية والسياسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي على البلدان المثقلة بالديون الخارجية بهدف تغيير البنية الاقتصادية للدولة كأحد متطلبات الحصول على قروض اضافية. ويتلخص برنامج التكييف الهيكلي في خصخصة مؤسسات القطاع العام وتحرير الاقتصاد من القيود والضوابط التي تنظم اتجاهاته وأهدافه وتخفيض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الاجنبية وإقصاء دور الدولة عن إدارة الاقتصاد وتخطيطه وتحديد أهدافه.

وقد تمت صياغة البرنامج الهيكلي بأشراف وإدارة صندوق النقد الدولي، والهدف الرئيسي لهذا البرنامج إغراق البلدان النامية بالديون الخارجية وجعلها تدور في حلقة مفرغة. اي استدانة قروض جديدة لسداد القروض القديمة وإخضاع تطورها الاقتصادي إلى مشيئة صندوق النقد الدولي والدائنين الدوليين .

وللتغطية على الاستغلال البشع الذي يمارسه صندوق النقد الدولي بحق البلدان الفقيرة فأنه يسوق التكيف الهيكلي كوصفة شافية للإصلاح الاقتصادي وانقاذ الاقتصاد من التخلف ومعالجة مشاكله. ولكن الحقيقة ان وصفة الإصلاح هي وصفة للموت البطيء وهدفها تفكيك مؤسسات القطاع العام وهيمنة القطاع الخاص وتحويل النظام الاقتصادي نحو اقتصاد السوق الرأسمالي.

 وفي حالة الاقتصاد العراقي فأن برنامج التكيف الهيكلي الذي تعمل الحكومة على تطبيقه بعد عام 2003   فانه يهدف إلى ما يلي:

1-خصخصة قطاع الدولة ويعني بيع مؤسسا ت الدولة الصناعية والزراعية والصحة والتعليم وقطاع الخدمات، كالماء والكهرباء والنقل إلى الشركات الخاصة المحلية والاجنبية .

2- تحرير الأسعار من قيود الدولة وإخضاعها لعوامل العرض والطلب في السوق. ويعني ذلك ان الشركات الخاصة والتجار الطفيليين هم الذين يحددون أسعار السلع والخدمات ويعظمون ارباحهم بغض النظر عن الاحوال المعيشية الصعبة التي تعانيها اغلبية المجتمع . 

3- تخفيض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية والعمل على تعويمها وهو إجراء خطير يجرد الدولة من تحديد قيمة عملتها الوطنية وسعر الصرف، ويترك هذه الوظيفة إلى الية السوق الرأسمالية المتمثلة بالعرض والطلب. وفي إطار ذلك يقوم مزاد بيع العملة بتسريب اكثر من 280 مليون دولار يومياَ إلى البنوك والمصارف المحلية والأجنبية مقابل فواتير استيراد مزورة ووهمية لا تقدم اي منفعة للاقتصاد ولا تضيف اي ايراد مالي لخزينة الدولة .

4- إلغاء القيود على الاستيراد والتصدير والانفتاح على التجارة الدولية والاعتماد على القطاع الخاص في الاستيراد الخارجي مما ادى إلى تدمير الانتاج الوطني وتزايد أرباح القطاع الخاص .

5- زيادة أسعار السلع والخدمات المعيشية كالمواد الغذائية والدواء والمستلزمات الطبية والماء والكهرباء والنقل والسفر وزيادة اسعار المشتقات النفطية كالغاز والبنزين .

6- بحجة ضغط النفقات الحكومية أوقفت الحكومة التعيين والتوظيف في دوائر الدولة وزيادة الضرائب على رواتب الموظفين والمتقاعدين وعلى قطاع الصحة والتعليم وأوقفت الدعم الحكومي لمؤسسات الرعاية الاجتماعية وتقليص مفردات البطاقة التموينية كخطوة تمهيدية لإلغائها . 

لقد فشل برنامج التكيف الهيكلي في العراق فشلاَ ذريعاَ في انتشال البلد من التخلف الاقتصادي وبناء مؤسسات اقتصادية منتجة ومتناسقة على صعيد الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والتجارة والكهرباء والخدمات الاخرى، بسبب أن برنامج التكيف قد أعد بذكاء لخدمة المصالح الرأسمالية ووضع العقبات في طريق التنمية لتعقيد الاوضاع المالية والاقتصادية، وربط الاقتصاد العراقي بالرأسمال الاجنبي.

ولم يعط البرنامج اهتماماَ يذكر لمصالح العراق الاقتصادية وانما أبدى اهتمامه الكلي لتأمين مصالح الرأسمال الاجنبي والشرائح الطفيلية المحلية والدائنين الدوليين، وبذلك تحول التكيف الهيكلي من الادعاء لمساعدة العراق على تجاوز تخلفه الاقتصادي إلى آلية محكمة لاستعماره ونهب ثرواته واخضاعه لمقصلة قوى الاستغلال الدولية والمحلية . 

وبرغم فبركة النخبة الحاكمة بعض النجاحات التي حققها التكيف الهيكلي إلا أن الوقائع تدحض هذا الادعاء. فالاقتصاد العراقي منذ ان بدء بتنفيذ عملية التكيف الهيكلي ازداد تأزما وتدهورا . ولم يحدث اي تغيير في هيكله الاقتصادي وظل قائماَ على وضعه الريعي المشوه.  ويعاني من اختلالات هيكلية على كافة المستويات ومن تشوهات هيكل الأسعار واختلال الميزان التجاري. ومن عجز كبير ودائم في الميزانية العامة ومن مديونية خارجية بلغت اكثر من 53 مليار دولار ومديونية محلية ضخمة تجاوزت 93 ترليون دينار في عام 2026 .

ومن نتائج التكيف الهيكلي في العراق إغلاق وتوقف آلاف المعامل والمصانع عن العمل وبيع عدد منها إلى القطاع الخاص من بينها مصانع ومعامل الشركة العامة للصناعات الجلدية والصوفية ومصنع فتاح باشا والمصانع القطنية والشركة العامة للصناعات البتروكيمياوية وشركة المنتوجات الغذائية. وهذه الشركات تشكل فخر الصناعة الوطنية. والنخبة الحاكمة لم تكتف بغلق المصانع والمعامل وإيقاف العمل فيها وانما عملت على تحويلها إلى القطاع الخاص. وفي ضوء هذ السياسة تم بيع عدد من محطات البنزين والعقارات العائدة للدولة. وكان الأجدر بالحكومة التخلي عن الخصخصة التي تهدد مستقبل الاقتصاد العراقي، وتزيد من اعتماده على النفط كمورد رئيسي. ودعم هذه المؤسسات وتطويرها بدلاً من التفريط بها. 

وقد ادى التكيف الهيكلي إلى تخريب القطاع الزراعي وتدمير الثروة الحيوانية. ومما يساهم في تدمير هذا القطاع الحيوي هو السوق العراقية المفتوحة أمام السلع الغذائية والزراعية والدوائية ولكافة السلع الاخرى بدون ضوابط تذكر، مما ادى إلى التخريب المنظم لهذا القطاع المعول عليه في تأمين الأمن الغذائي.

 

  كما أدى التكيف الهيكلي إلى تدمير قطاع الدولة التعليمي وحل محله القطاع الخاص المملوك للفاسدين الطفيليين الذين فتحوا عشرات الكليات والجامعات الأهلية. ولم يكن في خططهم رفع مستوى التعليم وخدمة المجتمع، وانما تحقيق الارباح الفاحشة وبذلك حولوا الشهادة الجامعية إلى سلعه تباع في كليات ما يسمى بالتعليم الأهلي. وأصبحت الكليات الأهلية لا تتورع عن منح أي شهادة مقابل المال، بل ان لكل شهادة سعر محدد. وهكذا ففي كل عام يتخرج من الكليات الأهلية الآلاف من أشباه الأميين.

وقد دمر التكيف الهيكلي قطاع الصحة فتحول إلى قطاع بائس بكل المعايير في البنى التحتية من المستشفيات والمستوصفات ووسائل التشخيص التقنية والمختبرات والادوية العلاجية. والأسوأ من كل ذلك فان هذا القطاع الانساني الذي من المفترض ان يكون قطاعاَ مجانياَ لخدمة العراقيين تحول إلى قطاع متوحش لجني الارباح.

 وقد ادى الاصلاح الهيكلي إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فقد تكدست ثروات ضخمة عند شرائح اجتماعية محددة من حاشية السلطة وأحزابها المتنفذة ونشأت طبقات وشرائح طفيلية ارتبطت مصالحها بالرأسمال الطفيلي الاجنبي .وبالمقابل ازداد تهميش غالبية الفئات الاجتماعية واتسعت مساحة الفقر واعداد الجياع والمتسولين والمشردين .

ومن وجهة نظرنا فاذا كان لابد من الإصلاح الهيكلي فيجب ان يكون الإصلاح عملية شاملة تركز على إعادة الحياة إلى القطاعات الانتاجية وقطاع الخدمات كالصحة والتعليم والكهرباء والمؤسسات الثقافية .

 فالإصلاح الحقيقي ينبغي ان ينطلق في توجهاته السياسية والاقتصادية من مضمون وطني وطبقي. ويقترن بإصلاح سياسي حقيقي . والإصلاح المنشود الذي يراعي مصالح البلد يجب ان يقوم على الاسس الاتية:

 1- أن يولي أهمية خاصة للحفاظ على القطاع العام باعتباره ركيزة اساسية للتنمية الاقتصادية بحكم سيطرته على حجم ضخم من الموارد القابلة للاستثمار. فالقطاع الخاص بشقيه المحلي والأجنبي لن يستثمر أمواله إلا في بعض القطاعات التي تحقق له الربح السريع. ويصبح الحفاظ على القطاع العام واجب وطني.

2-عدم المساس بالمكتسبات التي حققتها القوى العاملة في مؤسسات القطاع العام عبر عقود من الكفاح الوطني وعدم الرضوخ لشروط الخصخصة التي تصادر هذه المكتسبات .

3- ترشيد الادارة الاقتصادية للقطاع العام في اطار التخطيط الاقتصادي والسياسي للقضاء على مظاهر البيروقراطية الإدارية والفساد المالي والاداري الذي يستغله الطفيليون لتخريب القطاع العام.

4- معالجة ارتفاع أسعار منتجات القطاع العام وخاصة السلع الاستهلاكية اليومية وعلى الدولة ان تتحمل فرق الأسعار لان ذلك يساهم في دعم القدرة الشرائية للفئات الفقيرة .

5- - تشريع القوانين التي تنظم علاقات العمل في القطاعين العام والخاص وتحديد أجور العمل والرعاية الاجتماعية والصحية في القطاعين المذكورين على اساس كمية العمل والانتاجية..

والأمر الواضح أن إجراءات التكيف الهيكلي حملت الفئات الكادحة أضراراَ فادحة، وحققت منافع كبيرة للدائنين والطفيليين، وساهمت مساهمة قوية في تعزيز تبعية العراق إلى أسواق المال العالمية وتحولت مشاريع الصحة والتعليم والنقل وغيرها من مؤسسات الدولة إلى ملكية مستثمرين طفيليين ومضاربين رفعوا الأسعار بمعدلات خيالية .