لم أكن أعرف، وأنا أتهيأ لوداعه، بأي لغة أكتب عن أبي. فاللغة، أمام بعض الغياب، تصبح مترددة ومحتارة. هل أكتب عنه بصفته أبي؟ أم صديقي؟ أم رفيقي؟ أم ذلك الرجل الذي عاش أكثر من اسم، وأكثر من بلد، وأكثر من زمن، وبقي في الجوهر واحدًا: عصمت عصمت، غسان الرفاعي، أبو نصير، ابن العم، الرفيق، المعلّم، والأب الذي لم يمارس سلطة الآباء.
بشير عصمت
ربما لهذا يصعب عليّ أن أبدأ من السياسة، على الرغم من أن السياسة كانت الجانب الاكبر من عمره ومن طريقه الطويل. يصعب أن أبدأ من الحزب، ومن الكتب، ومن الكراريس، ومن المؤتمرات، ومن تاريخ الشيوعيين في لبنان والعراق وسوريا ، لأنني أعرف رجلًا أعمق من صورته العامة. أعرف أبي في النقاش الطويل، في الإصغاء، في الصمت، في التعب، في الهدوء الذي لا يشبه البرودة، وفي تلك القدرة النادرة على أن يكون حاسمًا من دون قسوة، ومنحازًا من دون عمى، ومفكرًا من دون أن يحوّل الفكرة إلى سلطة.
كان في أبي هدوء لا يشبه الانسحاب. هدوء الذين لا يحتاجون إلى الصخب كي يثبتوا حضورهم، ولا إلى رفع الصوت كي يدافعوا عن الفكرة. كان ذلك الهدوء الذي يسبق الفعل العميق؛ السكينة التي تسمح للعقل أن يرى ما يحجبه الغضب، وأن يميّز بين الحماسة والمعرفة، وبين الشعار والموقف، وبين الوفاء للفكرة وتحويلها إلى صنم.
لم يمارس أبي سلطة الأب. كان يستطيع أن يفعل ذلك، لكنه لم يفعل. لم يقل يومًا: أنا الأب، إذًا أنا أعرف. ولم يقل: أنا الرفيق الأقدم، إذًا عليك أن تسمع. كان يفتح النقاش، يتركه يطول، يتفرع، يتعبنا، ثم يعيده إلى بدايته كأن الفكرة لا تنضج إلا إذا مُنحت حقها من الوقت. كانت سلطته الوحيدة سلطة الإقناع. سلطة الصديق لا سلطة الآمر. سلطة الرفيق لا سلطة المسؤول. سلطة العقل الهادئ لا سلطة الصوت العالي.
كان منحازًا، نعم. ولا أريد أن أقدّمه كحيادي بارد، أو كمثقف يقف على مسافة واحدة من الظلم والعدل. كان منحازًا للفقراء، للمظلومين، للكادحين، للناس الذين لا يملكون إلا تعبهم وكرامتهم. كان منحازًا إلى دولة القانون، إلى العدالة، إلى الاشتراكية بوصفها وعدًا بمجتمع أكثر إنسانية، وإلى فكرة أن السياسة إن لم تخدم الإنسان تصبح مجرد صراع على السلطة. لكنه، في انحيازه، بقي موضوعيًا. لم يكن يطلق الأحكام المطلقة بسهولة، ولم يكن يختصر الناس بغلطة، ولا التاريخ بجملة، ولا الخصوم بشتيمة. كل أمر عنده كان قابلًا للنقاش. كل فكرة تحتاج إلى اختبار. كل موقف يحتاج إلى تفكير. وكل يقين يحتاج إلى نقد كي لا يتحول إلى تكلّس.
لم يكن أبي يؤمن بالفكرة بوصفها صنمًا يُعبد، ولا بالحزب بوصفه معبدًا لا يُساءل. كل فكرة عنده كانت قابلة للنقض والنقد، لا من أجل تدميرها، بل من أجل تحسينها، وتجويدها، وتحريرها من كسلها ومن ادّعائها. كان يعرف أن الفكرة التي تخاف النقد فكرة ضعيفة، وأن الموقف الذي لا يتحمّل السؤال يتحول، ولو حسنت نواياه، إلى سلطة. لذلك لم يكن النقاش معه امتحان ولاء، بل تمرينًا على التفكير. لم يكن يريد أن ينتصر على محاوره، بل أن يجعل الفكرة نفسها أفضل.
كان شيوعيًا حتى النهاية، لكن من دون أي مظهر يوحي بذلك. لم يكن يحتاج إلى شعار كي يثبت انتماءه، ولا إلى لغة خشنة كي يثبت صلابته، ولا إلى استعراض كي يعلن وفاءه. كانت شيوعيته في سلوكه اليومي: في تواضعه، في احترامه للناس، في محبته للمعرفة، في انحيازه لمن لا صوت لهم، وفي إيمانه العميق بأن الإنسان لا يصبح أجمل لأنه يملك فكرة كبرى، بل لأنه يجعل الفكرة الكبرى أكثر عدلًا، وأكثر رحمة، وأكثر قدرة على ملامسة حياة الناس.
والحقيقة أننا، نحن، لم نكن نعرف الكثير عن دوره حين كبرنا. لم يحدثنا يومًا عن أهمية أعماله، ولا عن المواقع التي شغلها، ولا عن الوثائق التي كتبها، ولا عن صواب بعض توقعاته. لم يكن يروي سيرته كمن يطالب باعتراف متأخر. كان يترك للآخرين أن يكتشفوا ما فعل، أو لا يكتشفوه. وربما كان في ذلك شيء من طبعه العميق: أن العمل أهم من الكلام عنه، وأن الأثر لا يحتاج دائمًا إلى صاحبه كي يشرح نفسه.
ومع ذلك، كان اسمه، عن حق أو عن خطأ، يُستدعى كلما حقق حزبه نجاحًا فكريًا، أو أصاب في قراءة سياسية، أو خرج بوثيقة أكثر عمقًا من المعتاد. لم يكن هو من يعلن ذلك، ولا من يطلب نسبته إليه. بل ربما كان آخر من يتحدث عن نفسه في هذا المجال. لكن الذين عرفوا آليات العمل في الداخل كانوا يعرفون أن وراء كثير من الصياغات عقلًا شديد الانتباه، لا يكتفي بالحماسة، ولا يثق بالشعار قبل أن يمتحنه، ولا يترك الجملة تمرّ ما لم تكن قادرة على حمل معناها بدقة. كان يعمل في الخلف، حيث لا تصفيق ولا صورة ولا منصة. يراجع الفكرة لا ليكسرها، بل ليزيد جودتها؛ ينقح النص لا ليملكه، بل ليجعله أقدر على الحياة؛ ويحوّل الموقف السياسي من ردّ فعل إلى قراءة.
كان مناضلًا من زمن المناضلين الأوائل. من زمن السرّ، والمطبعة، والنشرة، والكرّاس، والاجتماع الطويل، والاسم المستعار، والطريق الصعبة. من زمن كانت الفكرة فيه تُحمل كمسؤولية لا كزينة. جاء من البعيد البعيد، إلى بيروت التي صارت جزءًا من روحه. حمل في داخله تعددًا مبكرًا: تعددا عرقيا ودوما لبنانيًا وعربيًا وأمميًا. لم تكن الأممية عنده درسًا في كتاب فقط، بل تجربة حياة. ولم تكن التعددية شعارًا، بل ذاكرة شخصية عميقة جعلته يرى في الآخر احتمال لقاء لا سبب قطيعة.
كان آخر العارفين، أو من آخر العارفين، بفرج الله الحلو لا كاسم في الذاكرة، بل كإنسان عايشه وعرفه وجالسه وحمل شيئًا من زمنه وسكنا البيت الواحد. وكان أيضًا ابن ذلك العالم السري الذي صار اليوم يشبه الأسطورة: رجل يكتب وينشر ويعمل تحت أسماء وظلال، ومزارع في قرية تكتم السر سبع سنوات، فيما رجال الأمن العام يبحثون عن ناشر “الأفكار الهدامة”. سبع سنوات أمضاها في القرية، قريبًا من الأرض والناس والسرّ، كأن التاريخ أحيانًا لا يختبئ في المدن الكبرى، بل في قرية تعرف كيف تحمي رجلًا وفكرة.
ولم أعرف حجم هذا العالم إلا متأخرًا. بعد أسبوع فقط من بدء عملي في وسطٍ من رفاقه، أطلّ الجار مزودًا بكل المعلومات عنه. كان يعرف من هو، وما فعل، وما حمل، وما أخفاه عنا نحن أولاده. عندها اكتشفت، مرة أخرى، أن أبي كان أكبر في ذاكرة الآخرين مما كان يريد أن يكون في كلامه عن نفسه. كان حاضرًا في رواياتهم أكثر مما كان حاضرًا في روايته هو عن ذاته. وايقنت ان حصرايل الوادعة اكثر حرصا على كتم السر من رفاق ابي.
لم يكن أبي ماركسيًا يكرّر النصوص، ولا شيوعيًا يحرس العقيدة كأنها شيء مكتمل خارج التاريخ. كان يرى في الماركسية أداة تفكير، وطريقة في قراءة الواقع وتغييره، لا منظومة مغلقة ولا شعارًا موروثًا. من هنا جاء دوره الفكري داخل الحزب الشيوعي اللبناني. لم يكن دوره صاخبًا، لكنه كان عميقًا. ساهم في بلورة خط سياسي لبناني مستقل، وفي التفكير بالعلاقة الصعبة بين الوطني والأممي، وبين النضال الديمقراطي والتحرر الاجتماعي، وبين الدولة والعدالة. ارتبط اسمه بمجلة “الطريق”، وبالنقاشات الفكرية الكبرى، وبالمؤتمرات والوثائق والكتب التي حاولت أن تفكر في الماركسية من داخلها، لا أن تكتفي بتردادها.
كتب عن ماركس والدولة، وعن الماركسية دون دوغمائية ودون تفريط، وعن التحولات السياسية، لا بوصفها تمارين فكرية باردة، بل بوصفها محاولة دائمة لفهم عالم يتغير. وحتى حين خرج رسميًا من الحزب، لم يخرج من التفكير، ولا من السؤال، ولا من ذلك الانحياز العميق إلى الحرية والعدالة والعقل. كان الحزب عنده أكبر من جهاز، والفكر أكبر من تنظيم، والنقد أعمق من الخصومة.
كتب حسين قاسم أن وعيهم اليساري بدأ في تلك المرحلة العاصفة من تاريخ المنطقة والعالم: بعد هزيمة حزيران، وبروز القضية الفلسطينية، وثورة الطلاب في باريس، وربيع براغ، وتوهج فيتنام، وانفتاح النقاش الفكري على الأساسيات والثانويات كلها. في ذلك المنعطف، كما قال، لمع دور غسان الرفاعي أكثر من اسمه. وهذه العبارة تختصر كثيرًا من سيرته. كان دوره أكبر من ظهوره، وأثره أوسع من توقيعه، وحضوره أعمق من شهرته.
كان حضور محاضرة له امتيازًا رفاقيًا ومعرفيًا. من لم يستطع أن يسمعه مباشرة كان ينتظر من سمعه كي ينقل إليه شيئًا من ذلك العقل المتوقد. لم تكن محاضراته دروسًا عادية، بل كانت لحظات تكوين. وكان كتابه “اليسار الحقيقي واليسار المغامر” أكثر من كتاب في سجال حزبي؛ كان نصًا تأسيسيًا في مرحلة كانت الحركات اليسارية كلها تبحث فيها عن تعريف جديد لذاتها، بين الهزيمة، وفلسطين، وفيتنام، والتحولات الكبرى في الفكر والسياسة. وحين يقول قاسم إن غرفته في المقر الرئيسي كانت مكتبة أكثر مما هي مكتبًا، فهو لا يصف مكانًا فقط، بل يصف شخصية كاملة. أبي لم يكن رجل إدارة حزبية فحسب. كان رجل قراءة، وصياغة، ومراجعة، وتثقيف. كان يعرف أن الحزب الذي لا يقرأ يشيخ، وأن الحركة التي لا تفكر تتحول إلى رد فعل، وأن النضال بلا معرفة يمكن أن يصبح ضجيجًا أكثر مما يصبح فعلًا.
كتب عنه من أحبّوه كلامًا كثيرًا. كتبوا عن غسان الرفاعي المفكر، والمناضل، والمثقف الماركسي، والقيادي الذي عاش طويلًا في الظل. استعادوا كتابه “اليسار الحقيقي واليسار المغامر”، وتحدثوا عن سجالات اليسار، وعن مهدي عامل، وعن حركة التحرر الوطني، وعن الدولة والسيادة والتنظيم. وحتى بعد رحيله، عاد اسمه ليفتح الأسئلة التي عاش عمره يفتحها: ما معنى اليسار؟ ما معنى التحرر؟ ما معنى أن يكون المرء وطنيًا وديمقراطيًا وأمميًا في وقت واحد؟ ما معنى أن ننتقد التجربة من داخل الوفاء لها، لا من خارجها؟
لكن أكثر ما مسّني لم يكن السجال النظري وحده. لقد مسّتني شهادات الحب. من أديب ومحمد علي وعبد الحسين وسعيد كتب وسيم حلو عن “أبو نصير” بوصفه الفارس الأخير من فرسان الزمن الجميل، زمن الأفكار الطاهرة، والعدالة، والأخوّة، والمجتمعات المؤنسنة، والانحياز للمظلومين من أي عرق ولون ودين. قال إن الجلسة معه كانت كجلسة يوغا، ينبوعًا من التفاؤل والوجه البشوش والهدوء المطلق، وإن الأفكار الثورية كانت تأتي على لسانه كأشعار رومانسية. وهذه الصورة أعرفها جيدًا. لم يكن أبي يخفف من صرامة الفكرة، لكنه كان ينزع عنها الفظاظة. لم يكن يلين في العدالة، لكنه كان يجعل العدالة أقل صخبًا وأكثر إنسانية.
وكتب مارسيل خليفة عنه نصًا يليق بالصداقة وبالذاكرة. رآه على الطريق القديمة بين عمشيت وحصرايل، على مصطبة بيت الحلو، حيث كانت روح فرج الله الحلو تحلّق في المكان. كتب عن الرجل الآتي من بعيد، من صدى أغاني الرافدين، عن “ابن العم” الذي زرع فيهم حب الكتاب، كتاب “يساري لبناني”. قال عنه إنه كان واقعيًا إلى أقصى الحدود، عميقًا في فهم التعددية الثقافية، يبحث عن نقاط الالتقاء مع الآخر، يخصّب الفكرة، وينعش الذاكرة، ويروّض التناقض، ويشعل النار في الجليد.
حين قرأت كلام مارسيل، شعرت أنه كان يصف أبي كما عرفته أنا. لا في السياسة فقط، بل في البيت أيضًا. قال إنه كان أليفًا ووديًا، أخويًا وأبويًا، يصغي بتواضع من يريد أن يعرف، ويستدرجك إلى أسئلة حكمته وثقافته. وهذه بالضبط كانت طريقته. كان يصغي لا لكي يرد، بل لكي يفهم. وكان يسأل لا لكي يحرج، بل لكي يوقظ ما فيك من قدرة على التفكير. علّمهم، كما كتب مارسيل، ألا يستعجلوا القفز من الحدوس إلى الأفكار، وأن يربّوا اليقين على التواضع، وأن يصطحبوا الشك في الطريق. أليست هذه، في النهاية، خلاصة رجل عاش حياته شيوعيًا ومفكرًا زاهدا؟ أن تنحاز، نعم، ولكن بتواضع. أن تفكر، نعم، ولكن من دون أن تطرد الشك. أن تقاوم، نعم، ولكن من دون أن تفقد إنسانيتك.
في العزاء حضر كثيرون. حضر من أحبّه، ومن تعلم منه، ومن جادله، ومن اختلف معه. وربما حضر أيضًا بعض من أساؤوا إليه، أو لم ينصفوه كما كان يستحق. لم يكن المشهد غريبًا عليّ. فبعض الرجال يكبرون على خصوماتهم. وبعض الحيوات، حين تنتهي، تفرض على الآخرين أن يعودوا إليها بشيء من الصمت، وربما بشيء من الخجل. أبي لم يكن رجل انتقام. كان يعرف الإساءة ولا ينكرها، لكنه لم يسمح لها بأن تصير لغته. لم يحمل الضغينة كراية، ولم يرد على القسوة بقسوة. بقي حتى النهاية أوسع من الجرح، وأهدأ من الخصومة، وأكبر من أن تختصره إساءة عابرة أو ظلم قريب.
ومع ذلك، لم يكن أسير الماضي. كان جسده يتعب، نعم، لكن عقله بقي شابًا. كان يندهش أمام العلوم الحديثة والتقنيات العالية كما يندهش شاب أمام اكتشاف جديد. يتعلم، يجرّب، يستخدم، يتقن، من دون ادّعاء ومن دون استعراض. لم يكن يقول: أنا من جيل آخر. كان يثبت، بصمت، أن الشيخوخة ليست في العمر، بل في انطفاء الفضول المعرفي. وفضوله لم ينطفئ.
لذلك، وأنا أكتب عنه، لا أريد رثاءً بطوليًا فقط. لا أريد أن أحوّله إلى تمثال. كان أبي إنسانًا، لا أسطورة. كان يتعب، يحزن، يغضب أحيانًا بصمت، يراجع، يتألم، ويعرف الخيبة. عاش قرنًا تقريبًا من الأحلام الكبرى والانكسارات الكبرى. رأى رفاقًا يرحلون، وأحزابًا تتغير، وأفكارًا تُشوَّه، وأوطانًا لا تتسع دائمًا لأبنائها. رأى فهدًا يُشنق، وفرج الله الحلو يُعذّب حتى الاستشهاد، وعبد الخالق محجوب يُعدم، وجورج حاوي يُقتل، ورأى كثيرين من جيله يذهبون واحدًا واحدًا. ومع ذلك لم يتحول إلى رجل مرير. بقي فيه شيء من صفاء البدايات. بقي قادرًا على الصداقة، على الضحك، على الإصغاء، على الأمل، وعلى الحديث عن الغد كأن الغد لم يخنه بما يكفي.
ربما لهذا كان مارسيل محقًا حين سأل: هل هنا تنتهي رحلة الطيور؟ لا أظن. بعض الرحلات لا تنتهي عند الغياب. تتحول إلى طريقة في الكلام، إلى كتاب يُقرأ أكثر من مرة، إلى جملة تبقى في ذاكرة تلميذ، إلى نقاش لم يكتمل بين أب وابنه، إلى فكرة تعود في لحظة حيرة، إلى وجه هادئ يجلس في الذاكرة كلما احتجنا إلى أن نخفف من قسوة العالم.
أبي لم يترك لنا وصية مكتوبة ولا عقارات وأملاكا لا منقولة ولا غير منقولة . ترك لنا طريقة في النظر. أن نختلف بلا كراهية. أن ننحاز بلا عمى. أن نشك بلا عدمية. أن نراجع بلا خوف. أن نحترم الوقائع حتى حين تعاند رغباتنا. وأن لا نخون الإنسان باسم الفكرة، ولا الفكرة باسم المصلحة.
نم قرير العين، يا أبي، بين رفاقك في حضن حصرايل الأبية، الذين أحببتهم وأحبوك؛ بين الذين ودّعتهم واحدًا واحدًا، وبقيت تشتاق إلى مجالستهم كما لو أن الحديث معهم لم يكتمل بعد. نم هادئًا بينهم. فقد عدت إلى صحبة تعرفك، وإلى زمن يشبهك، وإلى وجوه حملتها في قلبك طويلًا. هناك، حيث روح فرج الله الحلو، لا تزال تخيم ملتحقا بنقولا الشاوي، وجورج حاوي، وخليل الدبس، ونديم عبد الصمد، وجورج البطل، وكريم مروة، وكل الذين صنعت معهم حلمًا أكبر من العمر وأكبر من الهزيمة.
نم قرير العين، يا أبي. لم تنته رحلة الطيور. لقد تركت لنا جناح الفكرة، ووصية التواضع، وحق الأمل.