اخر الاخبار

كتب الدكتور عصام الخفاجي مقالاً في (الحوار المتمدن) على خلفية مذكرة وقعها عدد غير قليل من الشخصيات الثقافية والسياسية تدعوا إلى إحياء مشروع العيد الوطني واعتبار الرابع عشر من تموز 1958 عطلة رسميه وعيداً وطنياً والتذكير بأهميته الرمزية وكذلك ما يتعلق بالعلم والنشيد الوطني وغير ذلك.

إن مقال الدكتور عصام الخفاجي يجمع بين فكرتين مختلفتين: الدفاع عن أهمية 14 تموز تاريخياً، والدعوة إلى عدم حسم العيد الوطني إلا عبر توافق أو استفتاء شعبي. وهنا تظهر بعض الإشكالات الفكرية والسياسية التي تستحق التوقف عندها.

أولاً: هل جرى تحديد الأعياد الوطنية في العالم عبر استفتاءات شعبية؟

في الواقع لم نسمع او ليس لدينا معرفه بذلك ورغم ان فكرة الاستفتاء محترمه إلا أن معظم الدول اختارت يومها الوطني بقرار سياسي أو دستوري مرتبط بحدث تأسيسي كبير، وليس عبر استفتاء:

- فرنسا اعتبرت 14 تموز تخليداً لاقتحام سجن الباستيل سنة 1789، وهو رمز الثورة الفرنسية.

- الولايات المتحدة اختارت 4 تموز لأنه يوم إعلان الاستقلال عام 1776.

- مصر تحتفل بـ 23 تموز /يوليو باعتباره ذكرى ثورة الضباط الأحرار عام 1952.

- الجزائر تحتفل بـ 5 تموز يوم الاستقلال عن فرنسا.

- الصين تحتفل في اليوم الأول من تشرين الأول يوم إعلان الجمهورية الشعبية.

في كل هذه الحالات لم يُطرح الأمر على استفتاء شعبي، بل اعتُمد الحدث الذي اعتبرته الدولة نقطة تحول تاريخية في نشأتها الحديثة.

لذلك فإن مطالبة الخفاجي بالاستفتاء لا تستند إلى تقليد عالمي راسخ، بل هي اقتراح سياسي خاص به.

ثانياً: هل الاستفتاء في العراق يمكن ان يكون مناسباً؟

هنا ينبغي ان نتوقف عند نقطة جوهريه وهي أن الاستفتاء وسيلة ديمقراطية، لكنه ليس دائماً أداة لإنتاج الحقيقة التاريخية أو الوعي الوطني.

فلو أجريت استفتاءات في بعض الدول بعد سنوات من الثورات الكبرى، ربما لم تكن النتائج لصالح تلك الثورات بسبب الانقسامات السياسية أو الدينية أو القومية.

التاريخ لا يُحسم بالأغلبية العددية وحدها.

فمثلاً:

- لو جرى استفتاء في فرنسا الملكية عام 1790 ربما لم يكن مؤيدو الثورة أغلبية بعد الفظائع التي ارتكبت خلال الثورة.

- ولو جرى استفتاء في الولايات الجنوبية الأمريكية بعد الحرب الأهلية لما أيد كثيرون إلغاء العبودية.

- ولو جرى استفتاء في مصر هذه الأيام فربما لن يحصل مريدو الثورة وعبد الناصر على التأييد المطلوب وهكذا بشأن أتاتورك ورمزيته الكبيرة التي قد لا تحظى الآن على التأييد.

الأحداث التاريخية الكبرى تُقيَّم بآثارها الموضوعية وليس بعدد المؤيدين لها في لحظة معينة.

ولهذا فإن تحويل مسألة العيد الوطني إلى استفتاء في مجتمع منقسم مثل العراق قد يجعل النتيجة انعكاساً لموازين القوى الطائفية والقومية الراهنة، لا للتاريخ الوطني.

ثالثاً: هل هناك تناقض وقع فيه الخفاجي؟

نستطيع ان نجيب إلى حد ما بكلمة نعم.

فهو يقول إن الحدث يُقاس بعمق التغييرات التي أحدثها في المجتمع ثم يعدد آثار 14 تموز:

- إسقاط النظام شبه الإقطاعي.

- الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاحين.

- إنهاء الهيمنة السياسية لكبار الملاكين.

- صعود طبقات اجتماعية جديدة.

أي أنه يقدم بنفسه حجة قوية تجعل 14 تموز حدثاً تأسيسياً في تاريخ العراق الحديث.

لكن بعد ذلك ينتقل إلى القول إن اختيار العيد الوطني ينبغي أن يخضع لاستفتاء وهنا يظهر التناقض:

إذا كان معيار الحكم هو عمق التحول التاريخي، فلماذا يصبح معيار اختيار العيد الوطني هو التصويت الشعبي؟

إما أن يكون الحدث التأسيسي هو الأساس، وإما أن تكون الشعبية الراهنة هي الأساس.

الجمع بين المعيارين يخلق إشكالاً منطقياً.

رابعاً: هل هناك بدائل تاريخية منافسة لـ 14 تموز؟

لننظر إلى الخيارات التي ذكرها الخفاجي:

تنصيب فيصل الأول ملكاً

هذا حدث مهم في بناء الدولة العراقية، لكنه لم يكن تعبيراً عن إرادة وطنية مستقلة بالكامل، بل جاء في ظل الانتداب البريطاني وقصة الملك فيصل الاول تمثل مشروعاً بريطانياً فقد جرى تنصيبه في سوريا أولاً وحين تم ازاحته من هناك جيء به إلى العراق فهو كما يبدوا شخصيه لا يستغنى عن خدماتها بالنسبة لبريطانيا وهنا لا نريد ان نقلل من شأنها ودورها في هذا الحيز.

دخول العراق عصبة الأمم

يمثل خطوة مهمة نحو الاستقلال الشكلي لكنه لم يغير البنية الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة وقد ارتبط هذا الحدث بتوقيع معاهدة هي الاسوأ إذا ما قورنت بالانتداب وبنود المعاهدة متاحه للجميع للاطلاع عليها.

14 تموز 1958

يمثل:

- تغيير النظام السياسي وإنهاء الملكية والتحول إلى النظام الجمهوري.

- الخروج من الأحلاف الغربية (حلف بغداد)

- الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاحين من عبودية الاقطاع.

- توسيع التعليم والصحة.

- إدخال فئات اجتماعية جديدة إلى الحياة العامة وبشكل خاص نشير إلى نهضة المرأة وصدور قانون الاحوال الشخصية.

- تحرير العملة والخروج من المنطقة الاسترلينية.

- تحرير الأرض من قبضة شركات النفط الأجنبية بصدور قانون رقم 80.

- انتهاج سياسة محايده عرفت بالإيجابية والوقوف مع حركات التحرر الوطني في الجزائر وفلسطين وغيرها.

لذلك يبقى الحدث الأكثر تأثيراً في تاريخ العراق الحديث، سواء اتفق المرء مع نتائجه اللاحقة أم اختلف.

خامساً: هل العيد الوطني يجب أن يكون محل إجماع كامل؟

التجربة العالمية تقول: لا.

لا يوجد عيد وطني يحظى بإجماع مطلق. ففي فرنسا ما زال هناك ملكيون.

وفي الولايات المتحدة يوجد من ينتقد تاريخ الاستقلال.

وفي روسيا توجد رؤى متناقضة حول الثورة البلشفية.

ومع ذلك بقيت الأعياد الوطنية مرتبطة بالأحداث المؤسسة للدولة الحديثة. فالإجماع الكامل شرط غير واقعي.

المشكلة الحقيقية

أعتقد أن جوهر المسألة ليس في 14 تموز نفسه، بل في طبيعة الدولة العراقية بعد 2003.

فقد جرى الاعتراف بعشرات المناسبات الدينية والطائفية كعطل رسمية، بينما تراجعت المناسبات الوطنية الجامعة.

ولهذا يبدو لكثيرين أن استبعاد 14 تموز ليس مجرد تغيير في روزنامة العطل، بل جزء من تراجع فكرة المواطنة لصالح الهويات الفرعية. وإذا كان المطلوب اختيار يوم وطني للدولة العراقية الحديثة، فإن المعيار الأهم يجب أن يكون الأثر التاريخي التأسيسي لا حجم التأييد الحالي له.

وبهذا المعيار يصعب العثور على حدث في تاريخ العراق المعاصر يضاهي 14 تموز 1958 من حيث حجم التحول الذي أحدثه في بنية الدولة والمجتمع. وهنا لابد أن نذكر ان نظام البعث رغم حساسيته المفرطة من الثورة وزعيمها لم يجرؤ على حذف هذا اليوم التاريخي من لائحة العطل والاعياد.

أما الحوار حول الهوية الوطنية العراقية فهو ضروري ومشروع، لكنه لا يُحلّ عبر استفتاء على العيد الوطني، بل عبر بناء دولة مواطنة يشعر فيها العراقي، مهما كان انتماؤه القومي أو الديني، أن هذا الوطن يمثله ويخصه. فحينها تصبح الرموز الوطنية موضع قبول أوسع، حتى لو لم تكن موضع إجماع كامل.