في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في بوليفيا في 17 آب 2025، منى حزب "الحركة من أجل الاشتراكية" اليساري، الذي حكم بوليفيا وحاز على الأكثرية المطلقة في جميع الانتخابات السابقة، منذ فوز ايفو موراليس، كأول رئيس من سكان البلاد الأصليين بالانتخابات الرئاسية في 18 كانون الأول 2005. لقد كانت هزيمة قاسية جدا فلم يصل أفضل مرشحي اليسار إلى 9 في المائة من الأصوات وخرجوا، منذ جولة الانتخابات الأولى، جميعا بخفي حنين. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في اليوم نفسه، فقد اليسار تمثيله الكامل في البرلمان الجديد
لماذا خسر اليسار؟
في مواجهة الأزمة الاقتصادية، التي فشلت حكومة آرسي في إيجاد حل لها، والصراع العنيف على السلطة بين الرئيس الأسبق إيفو موراليس وتلميذه السابق، عاقب نفس القادة الذين انتصروا على مدبري الانقلاب في عام 2020 اليسار بأكمله. لقد حقق إيفو موراليس ولويس آرسي ما سعت إليه القوى المحافظة عبثًا طيلة عشرين عامًا. لقد دمرا اليسار وأفقدا "حركة من أجل الاشتراكية" أهميتها.
ومنذ تولي إيفو موراليس مهام منصبه، شُنّت حملة مُمنهجة لإضعافه. تهتم الشركات فوق القومية بالليثيوم والمعادن الأرضية النادرة. وظهرت تهديدات بحرب أهلية، وإعلانات انفصالية من قِبل مقاطعات الأراضي المنخفضة، وفي نهاية المطاف، انقلاب اليمين ضد موراليس عام ٢٠١٩، بدعم العسكر وهروبه إلى الارجنتين، ثم عودة اليسار بعد أقل من عام، في الانتخابات التالية عام ٢٠٢٠.
في تحليل سريع لنتائج الانتخابات، كتب نائب الرئيس السابق في حكومة إيفو موراليس، والمسؤول في الـ 14 عاما الاولى عن رسم الاستراتيجية السياسية للحكومة، وكذلك وضع الأسس النظرية للحزب الحاكم "حركة من أجل الاشتراكية"، ألفارو غارسيا لينيرا:
"لا يخسر اليسار والتقدميون في الحكومة الانتخابات بسبب متصيدي وسائل التواصل الاجتماعي، ولا لأن اليمين أكثر عنفًا، ولا لأن المستفيدين من السياسات الاجتماعية جاحدون للجميل. ومن يدّعي أن هزيمة اليسار تعود إلى "جحود" القطاعات التي استفادت منه سابقًا، يتناسى أن الحقوق الاجتماعية لم تكن يومًا عملًا خيريًا حكوميًا، بل كانت مكاسب اجتماعية تحققت في النضال والنزول إلى الشوارع وبالتصويت. لكل هذه الأسباب، ودون أي عذر، تخسر أي حكومة تقدمية أو يسارية الانتخابات اولا بسبب أخطائها السياسية. وهذه الأخطاء قد تكون كثيرة. لكن هناك خطأ واحد يجمعها: الفشل في إدارة الاقتصاد باتخاذ قرارات تؤثر على جيوب الغالبية العظمى من مؤيديها ".
كان الخطأ الجوهري هو الخضوع لمنطق الدولة. فبمجرد تولي اليسار السلطة، توقفت الحركة عن التفكير النقدي. لم نختبر حدود الممكن. كان بالإمكان المضي قدمًا: فرض ضرائب على الثروات الطائلة، وتنظيم القطاع الزراعي، وفرض قيود على البنوك الخاصة. لكنهم لم يعززوا جذرية سياساتهم. وأفسد الارتباط الوثيق بالدولة الحركات الاجتماعية نفسها: فقد تحول قادة نقابيون إلى انتهازيين يسعون وراء المقاعد البرلمانية. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك قصور في التثقيف السياسي، لأن المعرفة النظرية دون ممارسة نقدية تظل غير فعالة.
انتفاضة شعبية غير مسبوقة
استطاع اليمين العودة للسلطة، لكنه لا يملك أي مشروع حديث؛ إنما يسعى فقط إلى إعادة إحياء الليبرالية الجديدة وملاحقة قيادات حزب الحركة من أجل الاشتراكية قضائيا. وهذا ليس برنامجًا سياسيًا، بل مشروع انتقام. لم تكتسب الأوليغارشية الزراعية، ولا سيما كبار ملاك الأراضي في منطقة سانتا كروز، ثرواتهم بجهودهم الذاتية، بل من خلال الديكتاتوريات العسكرية التي توالت على حكم البلاد، والأراضي الممنوحة، والقروض الملغية، والإعانات الحكومية. إنهم يعيشون على حساب الدولة، ومع ذلك ينكرونها، ويتصرفون بعقلية ما قبل الحداثة، تكاد تكون ما قبل الرأسمالية، خالية من المصالح الطبقية طويلة الأمد. أيديولوجيًا، استند انقلاب 2019 إلى حملة دعائية موجهة ضد الرئيس اليساري الاسبق إيفو موراليس والمخاوف الدينية، والتي حشدت الفئات الوسطى الحضرية. لم يكن استخدام رئيسة الانقلاب جانين آنييز، التي حوكمت لاحقا، للكتاب المقدس مصادفة، بل كان جزءًا من هذا الخطاب الرجعي. لذلك بدأ هذا التحالف، الذي يجمعه كره حزب الحركة من أجل الاشتراكية، بالتفكك.
ولم يكن غريبا ان تندلع انتفاضة شعبية بعد ستة أشهر من تنصيب الرئيس الليبرالي الجديد رودريغو باز، نتيجة لتفاقم الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بوليفيا. ومع بدء إضراب عام مفتوح، يواجه البلد تصعيدًا في الصراع الاجتماعي. ودعت "الرابطة العمالية البوليفية المركزية" القوية، وهي اتحاد عمالي جامع يمثل قرابة مليوني عامل في الصناعة والقطاع العام والتعدين، إلى إضرابات عن العمل وتعبئة على مستوى البلاد. وبالتعاون مع منظمات السكان الأصليين وجمعيات المزارعين ونقابات المعلمين والنقل، وبدعم ملموس من أنصار الرئيس اليساري الأسبق موراليس وأوساط يسارية أخرى. لقد شلّ هذا التحالف الاحتجاجي أجزاءً كبيرة من البلاد.
يقاوم العمال هجومًا تشنّه الحكومة اليمينية. ويسعى الرئيس اليميني باز، الذي يتولى منصبه منذ تشرين الثاني 2025، إلى خصخصة الشركات المملوكة للدولة، و"اصلاح" قانون العمل، وفرض "إصلاح ضريبي" يضرّ بالشركات الصغيرة والفقراء. وردًا على ذلك، يطالب العمال، من بين أمور أخرى، بزيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 20 في المئة، ورفع المعاشات التقاعدية إلى 100 في المئة من متوسط الأجر، وحماية الشركات المملوكة للدولة من المزيد من الخصخصة، وإلغاء قانون زراعي مثير للجدل، يُسهّل، وفقًا لمجتمعات السكان الأصليين، على كبار مُلّاك الأراضي الوصول إلى الأراضي ويقوّض حقوق الملكية الجماعية. ومن بين المطالب الأخرى خفض رواتب كبار موظفي القطاع العام بشكل كبير. وقد أعلن الأمين العام لاتحاد العمال، ماريو أرغولو، أن الشعب سيطالب باستقالة رودريغو باز إذا تجاهل هذه المطالب. وهذا ما يحدث هذه الأيام.
وبسبب عدم تنفيذ مطالب المنتفضين. واصلت النقابات والحركات الاجتماعية حصاراتها ومظاهراتها ضد العودة لسياسات الليبرالية الجديدة، دون هوادة، على الرغم من القمع والتدخل من الولايات المتحدة والأرجنتين إلى جانب الحكومة اليمينية المتطرفة.
لقد تم قتل أحد المنتفضين أثناء مقاومته لمحاولات الشرطة والجيش فك الحصار. وفي العملية التي أُطلق عليها اسم "الممر الإنساني"، بقيادة وزير البنية التحتية ماوريسيو زامورا، حاولت قوات الأمن إزالة الحواجز. إلا أنها واجهت مقاومة منظمة من المتظاهرين الذين استخدموا المقالع ضد الشرطة. وبعد أن أزالت الجرارات عددا منها، أعاد المزارعون بناء الحواجز على الفور باستخدام التراب والحجارة وجذوع الأشجار. وبعد عطلة نهاية الأسبوع، أفادت هيئة المرور بوجود 59 حاجزًا مروريًا في ستة من أصل تسعة مناطق في البلاد.
في أعقاب تصاعد واتساع القمع، نأى نائب الرئيس إدموند لارا بنفسه عن باز في بيان له، واتهم لارا الحكومة بالرد على "جوع الناس وخوفهم وإرهاقهم" بـ "القمع ومذكرات الاعتقال". وقال إنه بدلاً من عملية إنسانية، كان هناك "غاز مسيل للدموع وديناميت، وأمهات يصرخن ويتوسلن لوقف ذلك". من جانبها، دعت جماعات اليمين المتطرف باز إلى إعلان حالة الطوارئ لقمع الاحتجاجات بشكل أكثر قسوة.
ونفت الحكومة مسؤوليتها عن وفاة المتظاهر، وصرّح باز، الذي وصف المتظاهرين، كعادة كل المستبدين، باستمرار بالمخربين، بأنه سيبذل قصارى جهده "للوصول إلى حل قائم على الحوار"، لكنه استبعد إجراء محادثات مع بعض قادة الإضراب وهدد بإعلان حالة الطوارئ.
وبعد وقت قصير تجاوزت حركة الإضراب حدود أماكن العمل. فقد نظمت منظمات السكان الأصليين في منطقة الأمازون مسيراتٍ لأسابيع احتجاجًا على قانون الزراعة الجديد، محذرةً من استغلال الأراضي تجاريًا، وهي أراضي محمية دستوريًا باعتبارها ملكية عائلية وجماعية غير قابلة للتصرف. وفي نهاية نيسان الفائت، تعرض معلمون يحتجون على محاولات خصخصة نظام التعليم، مطالبين بزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين الأجور، لاعتداءاتٍ جسدية ورشّهم بالمواد الكيميائية المهيجة من قبل ضباط الشرطة. ويتصاعد الوضع أيضًا في قطاعات أخرى من القطاع العام، حيث يحتج العاملون في مجال الرعاية الصحية على تسريح العمال ونقل إمدادات في المستشفيات، بينما ينتقد عمال النقل رداءة نوعية الوقود، مما يُلحق الضرر بالمركبات ويُهدد سبل عيشهم. ويسود استياء اجتماعي واسع النطاق في بوليفيا يتجاوز بكثير النزاعات العمالية التقليدية.
ومن مظاهر تصاعد الانتفاضة، استمرار "مسيرة الحياة"، التي نظمها أنصار الرئيس اليساري الاسبق إيفو موراليس، إلى مدينة إل ألتو بعد مسيرة امتدت لقرابة 170 كيلومترًا. ويتهم الرئيس الأسبق موراليس الحكومة والولايات المتحدة بالتآمر لاغتياله، بدعم من إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية والقيادة الجنوبية الأمريكية، وسبق له ان أعلن في أنه "سيقاتل في الشوارع"، إذا تطلب الأمر ذلك. كما يتهم الحكومة بالتآمر "لتدمير النظام الدستوري". وبذلك يتصاعد الضغط على حكومة اليمين. وتستمر الاشتباكات مع الشرطة، وتعرضت مؤسسات عامة، كالمحكمة الإقليمية ومحطات التلفزيون للهجوم. ووفقًا للشرطة، اعتُقل 127 متظاهرًا، وأصدر القضاء مذكرات توقيف بحق ماريو أرغولو، الأمين العام لاتحاد عمال بوليفيانا المركزي، وشخصيات بارزة أخرى في الحراك.
والعاصمة لاباز ومدينة إل ألتو، ذات الأغلبية السكانية من السكان الأصليين، محاصرتان بالحواجز، وتعاني المستشفيات من نقص حاد في الأوكسجين. وتُسيّر الحكومة عمليات نقل جوي لجلب اللحوم، وقد أرسلت الأرجنتين طائرتين عسكريتين لهذا الغرض. وأحصت هيئة الطرق البوليفية قرابة 70 حاجزًا في أنحاء واسعة من البلاد خلال، واستخدم 3500 من أفراد الشرطة والجيش الغاز المسيل للدموع لإزالة الحواجز في مدينة ألتو، والتي أُعيد نصب العديد منها فور إزالتها. لكن هذه الحواجز تُؤثر أيضًا على الشعب البوليفي: المزارعون الذين تتلف محاصيلهم، وسائقو الشاحنات العالقون منذ أيام، والذين يعتمدون على أجورهم اليومية. وتُقدّر غرفة التجارة البوليفية الخسائر الاقتصادية حتى الآن بما يُعادل 500 مليون دولار أمريكي. إن محاصرة الشعب المنتفض للحاكمين يعود إلى تقاليد مقاومة الاستعمار في بوليفيا. هذه المرة، الرئيس اليميني باز هو الهدف.
تدخل خارجي
ومع تصاعد زخم الانتفاضة، تصاعدت وتيرة تدخل الولايات المتحدة وحكومات اليمين المتطرف في المنطقة. وكتب وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو على منصة "إكس" بأن واشنطن "لن تسمح" بالإطاحة بالحكومة البوليفية، واصفًا ذلك بأنه هجوم من "قوى إجرامية" على النظام الدستوري. ووصف نائبه، كريستوفر لانداو، الاحتجاجات بأنها "انقلاب". وفي الوقت نفسه، تتزايد الاتهامات الموجهة ضد الأرجنتين: فقد أكد الرئيس الأسبق موراليس أن أفرادًا عسكريين أكدوا أن طائرتين أرجنتينيتين من طراز "هيركوليز سي-130" نقلتا معدات لمكافحة الانتفاضة إلى بوليفيا. وإلى جانب الارجنتين تدعم ثماني حكومات يمينية السلطة في بوليفيا.
لقد أثارت عملية النقل الجوي إلى بوليفيا انتقادات واسعة داخل الارجنتين. وتطالب منظمات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان والنقابات العمالية بإجابات شافية. وتتضارب المعلومات حول رحلات القوات الجوية الأرجنتينية إلى بوليفيا.
وتخشى منظمات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان والنقابات العمالية أن "النقل الجوي" الذي أطلقته الحكومة الأرجنتينية إلى لاباز في منتصف أيار لا يقتصر على المساعدات الإنسانية فقط، بل يشمل أيضاً معدات لقمع الاحتجاجات البوليفية. ولذلك، يطالبون الحكومة في بوينس آيرس بتقديم توضيحات بهذا الخصوص.
وفي بيان مشترك، طالب برلمانيون وممثلو النقابات العمالية ومنظمات حقوق الإنسان الحكومة الأرجنتينية بتوفير شفافية كاملة بشأن عملية نشر الطائرات. فبينما لم تُعلن حكومة الرئيس خافيير ميلي سوى عن إرسال طائرة مروحية واحدة، في حين شكر المتحدث باسم الرئيس البوليفي الحكومة الارجنتينية علنًا على توفير طائرتين عسكريتين.
من جانبه، رفض وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو مزاعم نقل الطائرات معدات لقمع الاحتجاجات، مصرحًا بأن الحكومة وفرت طائرة لنقل المواد الغذائية و"تجاوز الحواجز التي أقامها أنصار إيفو موراليس". وكان الرئيس البوليفي الأسبق، موراليس، قد ادعى سابقًا أن حكومة ميلي أرسلت الطائرات محملة بمعدات لضرب الانتفاضة.
ويشير ممثلو حقوق الإنسان إلى سابقة تاريخية لمثل هذا الدعم، ولذا يطالبون بإنشاء لجنة لحقوق الإنسان لمراقبة هذه الرحلات. ففي عام 2019، أرسلت الحكومة الأرجنتينية برئاسة الرئيس ماوريسيو ماكري طائرة عسكرية إلى بوليفيا لدعم محاولة الانقلاب. إلى جانب عناصر من الدرك الوطني، قامت الطائرة أيضاً بإلقاء ما يقارب 70 ألف طلقة من الرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع ومعدات قمعية أخرى عُثر عليها لاحقا، في مستودعات القوات الجوية والشرطة البوليفية.
تحرك يميني مضاد
في هذه الاثناء، تحشد النخبة الاقتصادية في بوليفيا صفوفها ضد المتظاهرين. ففي سانتا كروز، دعت "لجنة المواطنين المؤيدة لسانتا كروز" اليمينية المتطرفة إلى "مسيرة من أجل الديمقراطية". في كوتشابامبا ولا باز، تظاهر سكان الأحياء الثرية، المعروفة باسم "بيتيتاس"، ضد الحواجز، محملين الرئيس الاسبق إيفو موراليس مسؤولية تنظيم الاحتجاجات.
لكن موراليس نفسه يحذر من أن قمع إدارة باز، بالتعاون مع الولايات المتحدة وحكومات اليمين في المنطقة، قد يتصاعد. وسيؤثر ذلك بشكل أساسي على حركات السكان الأصليين والعمال. وتُغذى حملات الكراهية ضد السكان الأصليين بالفعل عبر المنصات الرقمية في الأرجنتين. في الوقت نفسه، دعا إريك برينس، مؤسس شركة الأمن الخاصة "أكاديمي" (بلاك ووتر سابقًا، المعروفة للعراقيين) ومقرها الولايات المتحدة، والمتحالف مع ترامب، إلى التدخل ضد "حركات التمرد الشعبية"، وهكذا أصبحت بوليفيا بؤرة صراع إقليمي آخر.
أما الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، فقد رأى الأمر من منظور مختلف: "تشهد بوليفيا انتفاضة شعبية. إنها رد فعل على الغطرسة الجيوسياسية". يهتم اليمين العالمي اساسا بالموارد الطبيعية للبلاد، وخاصة الليثيوم.
نهوض جديد لقوى اليسار
شكلت الانتخابات المحلية التي جرت في الثلث الأخير من آذار الفائت محطة أولى لنهوض قوى اليسار السياسي، حيث تمكن التحالف اليساري الجديد "التحالف المتحد من أجل الشعوب" من تحقيق نتائج باهرة، ورسّخ نفسه كقوة سياسية جديدة في بوليفيا. تأسس التحالف في شباط الفائت، ويضمّ ليس فقط مؤيدي الرئيس الأسبق إيفو موراليس، بل أيضاً حلفاء خليفته، والمنشق عليه لاحقا لويس آرس. وقد أدى الصراع بين هاتين المجموعتين إلى الانقسام النهائي لحركة الاشتراكية، منها فوزهم برئاسة بلدية العاصمة ومدن أخرى، على الرغم من استبعاد 34 مرشحا يساريا من 47 في مقاطعة كوتشابامبا بمفردها.
بالنسبة للرئيس اليميني رودريغو باز، الذي يتولى منصبه منذ تشرين الثاني الفائت، تمثل الانتخابات الإقليمية انتكاسة مريرة أخرى، إذ فشل تحالفه في الفوز بأي مقاطعة في الجولة الأولى. وفي خمس مقاطعات وست بلديات، تجاوز عدد الأصوات الباطلة عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحوه. وكانت محاولة الحكومة لخفض دعم الوقود قد فشلت بالفعل في كانون الثاني الفائت، وأتت بعدها الهزيمة في صناديق الاقتراع.
لقد حقق ليوناردو لوزا، المقرب من الرئيس الأسبق موراليس، أكبر فوز على مستوى البلاد في الجولة الأولى من الانتخابات، حيث حصد 40,43 في المئة من الأصوات في مقاطعة كوتشابامبا، ليضمن بذلك منصب الحاكم ويرسل إشارة واضحة لدعم التحالف اليساري. واستند لوزا في فوزه إلى أصوات مزارعي الكوكا من المنطقة الاستوائية وسكان الريف. وحتى بعد فوزه، أعلن موقفه بوضوح ضد الحكومة وتأييده لموراليس، قائلاً: "لن أتفاوض مع أحد". وأضاف: "سأظل مؤيدًا لإيفو ورجلا من الشعب حتى الموت". كما أشار إلى أنه لن يكون مستعدًا للحوار مع الحكومة إلا إذا كان الأمر يتعلق بمشاريع وتمويل لصالح مقاطعته.
لقد تحقق هذا النجاح رغم الملاحقة القانونية التي استهدفت اليسار السياسي في الأشهر الأخيرة. ففي عهد باز، اعتُقل العديد من الوزراء السابقين من حزب حركة من أجل الاشتراكية بالإضافة إلى الرئيس السابق آرسيه نفسه، بينما صدرت مذكرة توقيف بحق موراليس. مما اضطره إلى الاختفاء في منطقة كوتشابامبا الاستوائية، تحت حماية أنصاره ونقابة مزارعي الكوكا.