اخر الاخبار

في كتاب (الدولة الممكنة)، يطرح حسين سميسم سؤالاً بالغ الحساسية: كيف تحوّل الدين، بوصفه منظومة قيم روحية وأخلاقية، إلى أداة صراع سياسي وأيديولوجي؟ ولماذا أخفقت تجارب الإسلام السياسي في التعايش مع مفهوم الدولة الحديثة؟

ينطلق الكتاب من محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى الدين، عبر فصله عن الاستخدامات السياسية التي أرهقته وشوّهت صورته.

فالمشكلة، كما يراها المؤلف، لا تكمن في الدين ذاته، بل في القراءات التي أُلبست له، حين جرى تحويله إلى مشروع حكم، وإخضاعه لتأويلات تخدم السلطة أكثر مما تخدم الإنسان.

يُفكك سميسم بنية الخطاب الذي تتبناه حركات الإسلام السياسي، كاشفاً عن آليات اشتغاله، وكيف أعاد إنتاج النصوص الأولى ضمن سياقات تاريخية مغايرة، ليصنع منها منظومة فكرية مغلقة، تدّعي امتلاك الحقيقة، وتُقصي كل ما عداها.

هذه المنظومة، بحسب الكتاب، لا تعبّر عن التدين الشعبي البسيط، القائم على الفطرة والتسامح، بل تمثل انقطاعاً عنه، واغتراباً عن روحه.

ولا يقف التحليل عند حدود النقد، بل يتجاوزه إلى بيان التناقض العميق بين هذه الحركات ومفهوم الدولة الحديثة، التي تقوم على المواطنة والقانون والمؤسسات.

 إذ تسعى تلك الحركات، في كثير من نماذجها، إلى إعادة المجتمع إلى أزمنة سابقة، متجاهلة التحولات التاريخية، ومتطلبات الواقع المعاصر.

واحدة من أهم أفكار الكتاب هي الدعوة إلى فك الارتباط بين الدين والتخلف، وهي فكرة جريئة في سياق طالما جرى فيه تحميل الدين مسؤولية الإخفاقات الحضارية.

هنا يميز المؤلف بوضوح بين الدين كقيمة عليا، وبين توظيفه السياسي الذي قاد إلى أزمات حادة، بل ومآسٍ إنسانية.

إن (الدولة الممكنة) ليس مجرد نقد للإسلام السياسي، بل هو محاولة لفتح أفق جديد للتفكير في العلاقة بين الدين والدولة، أفقٍ يحرر الدين من أعباء السياسة، ويحرر الدولة من هيمنة التأويلات المغلقة.

وهو بذلك يضع القارئ أمام مسؤولية إعادة النظر في المسلمات، والبحث عن صيغة أكثر إنسانية وعدالة للتعايش.