تبني أكثر الحركات الاجتماعية اليوم برامجها التفصيلية على ذهنية يسارية ـ بيئية ـ نسوية، حيث تتبوأ مراكز الصدارة في هذه البرامج مهام النضال من أجل الحريات والتوزيع العادل للثروة في ترابط متين مع تأمين مساواة المرأة بالرجل والدفاع عن العدالة المناخية.
ويعتمد نجاح العمل لتحقيق هذه المهام مجتمعة، ليس بوجود إرادة للتغيير فحسب، بل وأيضاً في توفر رؤية واضحة حول ترابط الأسباب الحقيقية، سواء لسيادة الظلم الاجتماعي المتمثل بالتفاوت في الدخول والحقوق الديمقراطية، أو لهيمنة التمييز بسبب الجنس المتمثل بالحجر على النساء في مرتبة أدنى من الرجال، أو لتخريب البيئة المتمثل بالاستنزاف غير المحدود لموارد الطبيعة وتدمير توازنها الأزلي.
ولا يوجد غير اليسار من يستطيع توضيح وفهم ذلك، لأن سر وجوده يكمن في مواجهة الظلم وفضح أكاذيب الظالمين، مهما بلغت الصعاب وتطلب الأمر من تضحيات من جهة، ولأنه تمكّن، عبر قراءة معاصرة للفكر الماركسي، من تحديد الاستغلال الرأسمالي ونهب فائض القيمة الذي تنتجه الشغيلة من جهة أخرى، ووجد فيه سبباً وراء كل هذه الكوارث، وكشف عن إن إعادة توزيع الدخل رغم أهميتها، لا تؤدي غرضها الأسمى بدون التحول الاجتماعي والبيئي للاقتصاد، الذي يُنهي التمييز وجريمة إلغاء أهلية المرأة كإنسان، والكف عن التعامل مع البيئة بذهنية المفترس المتوحش.
وربما هناك من لا يتفق معي في هذا القول، ويدعّي بأن هذه الكوارث موجودة عندنا فقط، فيما تتمتع الشغيلة في العالم الرأسمالي بحياة رائعة، وأن النساء هناك قد حققن عدالة ومساواة متميزة، وهناك عشرات البرامج التي يتم تطبيقها في هذه الدول لحماية البيئة.
وإذ اتفق مع الرأي القائل بأن الكوارث التي تسببها الرأسمالية الريعية التابعة التي تحكمنا، هي أقسى من تلك التي تعيشها شعوب العالم الرأسمالي، فأن الوقائع تشير إلى أن الفروق بين دولنا والدول الرأسمالية تبدو كبيرة في الشكل ولكنها تتقلص بشكل خطير في المضمون.
فالفروق بين الأغنياء والفقراء بلغت معدلات خيالية هناك، حيث تعادل ملكية 10 أشخاص فقط ما يملكه ثلاثة مليارات إنسان، وحيث تصل الفجوة في الدخول إلى 40 ضعفاً في أمريكا و35 ضعفاً في بريطانيا و30 ضعفاً في المانيا و28 ضعفاً في السويد.
كما أن الفجوة في الأجور بين النساء والرجال في الدول الرأسمالية، تصل بين 20 و35 في المائة، ولا تشغل المرأة سوى 35 في المائة من المناصب الإدارية مقابل 65 في المائة للرجال. ولا تتبوأ النساء سوى 11 في المائة من رئاسة الشركات، ولا تُمثل إلاّ بحوالي 30 في المائة في البرلمانات، بأحسن الأحوال، فيما تعاني نساء عديدات من العنف.
أما البيئة، فيكفي القول بأن تخريبها مستمر رغم كل الادعاءات، بسبب التصنيع وانبعاثات الفحم والنفط والغاز، والتي تسبب تراكماً لغازات الاحتباس الحراري، وبسبب الاستهلاك المرتفع، والهادف زيادة الأرباح وما يؤدي اليه من ضغط كبير على الموارد الطبيعية عالميًا، وجراء تلوث الأنهار والهواء والاستخدام غير العقلاني للمبيدات والأسمدة، وإزالة الغابات، وشن الحروب وما تلحقه بالبيئة من خراب.
وهكذا، تثبت الحياة وجميع مسارات التطور، بأن الرأسمالية باستغلالها وجشعها هي المسبب لكل هذه المآزق، سواءً التفاوت الطبقي البشع، أو الاستغلال المزدوج للمرأة واضطهادها، أو الحاق الأذى المستمر بالبيئة، ولن يتحقق الخلاص منها إلّا بالخلاص من الرأسمالية ومن علاقات الإنتاج التي تعتمدها، وهذا ما يجعل الترابط بين هذه المهام الثلاث واقعياً وتعبوياً اليوم.