لم یعد العراقي یسأل: من یحكم؟
بل أصبح یسأل: من یقرّر؟
وھنا تبدأ المأساة الحقیقیة.
فالدولة التي لا تمتلك قرارھا السیادي، تتحوّل تدریجیاً إلى “دولة موز”؛ دولة تُدار من الخارج أكثر مما تُدار من الداخل، وتصبح أرضھا ممراً للصراعات الإقلیمیة، لا وطناً لمواطنیھا.
ھذا ما أوصلت إلیھ الحكومات المتعاقبة العراق، حین تنازلت عن مفھوم الدولة الوطنیة لصالح الولاءات الضیقة، والمحاور الخارجیة، وحسابات البقاء في السلطة.
العراق، الذي كان یمتلك وزناً سیاسیاً وحضوراً إقلیمیاً، صار الیوم یُستباح أمنیاً وسیاسیاً وإعلامیاً، لأن القرار لم یعد عراقیاً خالصاً.
كل حكومة جاءت رفعت شعار “السیادة”، لكنھا عملیاً رضخت لضغوط الإقلیم، وخافت من مواجھة التدخلات، واكتفت بإدارة الأزمات بدل بناء دولة حقیقیة.
المشكلة لیست فقط في السیاسي الفاسد، بل في السیاسي الذي فقد انتماءه الوطني.
حین یصبح الحزب أھم من الوطن، والطائفة أھم من الدولة، والخارج أھم من الشعب، تنھار ھیبة البلاد تلقائیاً.
السیاسي الذي لا یشعر أن العراق ھو ھویتھ الأولى، لن یدافع عن سیادتھ، ولن یحمي حدوده، ولن یرفض تحویلھ إلى ساحة رسائل بین القوى المتصارعة.
ومن نتائج ھذا الانھیار الوطني:
- تكرار الاختراقات الأمنیة والسیاسیة.
- تحوّل العراق إلى أرض تصفیة حسابات إقلیمیة.
- ضعف الموقف الدولي تجاه الانتھاكات التي تمس البلاد.
- ضیاع ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتھا.
- ھجرة العقول والشباب بسبب انعدام الأمل.
الوطنیة لیست خطاباً في المناسبات، بل موقفا شجاعا حين تتهدّد سيادة البلد.
والسیادة لا تُستعاد بالبیانات المرتبكة، بل ببناء دولة قویة، تمتلك قرارھا، وسلاحھا، وقانونھا، وعلاقاتھا المتوازنة.
إن أخطر ما واجه العراق بعد 2003 لیس الاحتلال ولا الإرھاب فقط، بل انھیار فكرة “الدولة العراقیة” نفسھا في عقل الطبقة السیاسیة.
ولهذا، بقي العراق غنيا بثرواته… وفقيرا بقراره.
سیبقى العراق معلقاً بین الأزمات، ما دام السیاسي یبحث عن رضا الخارج أكثر من احترام الداخل.
فالبلاد التي لا یحكمھا الانتماء الوطني، تحكمھا المصالح العابرة، وتتحول مع الزمن إلى وطن بلا إرادة.