لم تكن التحولات التي شهدها العالم العربي منذ عام 2011 مجرد موجة احتجاجات سياسية عابرة، بل مثّلت لحظة تاريخية كاشفة لانهيار البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، فقد خرجت الجماهير العربية مطالبة بالحرية والعدالة والكرامة وإنهاء الاستبداد والفساد، غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن الأزمة أعمق من مجرد أزمة أنظمة سياسية؛ إنها أزمة بنية تاريخية كاملة، نشأت في ظل التبعية الاقتصادية، وغياب التنمية المستقلة، وتآكل المشروع الوطني العربي، وانفصال الدولة عن المجتمع.
ومن منظور ماركسي، لا يمكن فهم ما جرى بمعزل عن التحولات التي أصابت طبيعة الدولة العربية منذ نهاية مرحلة التحرر الوطني وصعود السياسات النيوليبرالية، فالدولة التي تأسست بعد الاستقلال، رغم طابعها السلطوي، كانت تستند بدرجات متفاوتة إلى دور اجتماعي وتنموي معين، يقوم على القطاع العام، والدعم الاجتماعي، وإعادة توزيع محدودة للثروة، وربط الشرعية السياسية بفكرة التنمية الوطنية والاستقلال السياسي، لكن مع الانتقال إلى اقتصاد السوق، وتفكيك القطاع العام، واندماج الاقتصادات العربية بصورة تابعة في السوق الرأسمالية العالمية، جرى تفكيك القاعدة الاجتماعية للدولة ذاتها، دون بناء عقد اجتماعي جديد.
وقد أدى ذلك إلى نشوء طبقات طفيلية مرتبطة بالاحتكار والريوع والفساد المالي، بينما اتسعت دوائر الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية، خصوصاً بين الشباب، وفي المقابل، تراجعت القوى المدنية والديمقراطية والتقدمية عن دورها التاريخي، بعدما أصابها الإنهاك التنظيمي والفكري، وفقدت قدرتها على بناء مشروع اجتماعي جذري قادر على تمثيل الفئات الشعبية المتضررة من السياسات الاقتصادية والتبعية السياسية.
لقد دخلت الأحزاب اليسارية والقومية العربية مرحلة ما بعد الحرب الباردة وهي تعاني أزمة مركبة؛ فمن جهة، تراجع المشروع التحرري العربي بعد الهزائم السياسية والعسكرية، ومن جهة أخرى، أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى ارتباك فكري وسياسي داخل قطاعات واسعة من اليسار العربي، ومع مرور الوقت، تحولت أجزاء من هذه القوى إلى نخب ثقافية معزولة عن الواقع الاجتماعي، أو إلى قوى إصلاحية محدودة التأثير داخل أنظمة مغلقة، بينما استطاعت الحركات الإسلامية أن تملأ جزءاً من الفراغ الاجتماعي والتنظيمي، مستفيدة من شبكاتها الاجتماعية ومن تراجع دور الدولة الوطنية.
غير أن صعود "الإسلام السياسي" لم يكن تعبيراً عن مشروع تحرري بديل بقدر ما كان انعكاساً لأزمة الدولة والمجتمع معاً، فهذه الحركات، رغم خطابها الشعبوي، لم تطرح مشروعاً اقتصادياً واجتماعياً يتجاوز التبعية والبنية الريعية، بل أعادت إنتاج كثير من شروط النظام القائم ضمن غطاء ديني وأخلاقي، ولذلك دخلت المنطقة في صراعات حادة بين السلطوية التقليدية والإسلام السياسي، بينما جرى تهميش القوى المدنية والتقدمية أو احتواؤها داخل الاستقطابات الحادة التي عصفت بالمشهد العربي.
وفي قلب هذه التحولات، بقيت القضية الفلسطينية المعيار الأكثر وضوحاً لفهم طبيعة الأزمة العربية وحدود المشاريع السياسية القائمة، فالقضية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد قضية وطنية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل شكّلت تاريخياً جوهر الصراع مع الاستعمار والهيمنة والتجزئة في المنطقة العربية بأسرها، ولذلك فإن تراجع مكانة القضية الفلسطينية عربياً لم يكن حدثاً منفصلاً، بل ارتبط مباشرة بانهيار المشروع القومي التحرري، وصعود أنظمة التبعية والتطبيع، وتفكك المجال العربي المشترك.
لقد كشفت مرحلة ما بعد "الربيع العربي" عن حجم التحولات التي أصابت الوعي السياسي العربي تجاه فلسطين، ففي ظل الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والانهيارات الاقتصادية، جرى دفع القضية الفلسطينية إلى الهامش في الخطاب الرسمي والإعلامي العربي، بينما سعت قوى إقليمية ودولية إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة باعتباره صراعاً مذهبياً أو أمنياً، لا صراعاً ضد الاحتلال والاستعمار والاستغلال.
ومن منظور ماركسي، فإن تغييب القضية الفلسطينية عن مركز الوعي العربي يعني عملياً تفكيك البعد التحرري للصراع في المنطقة، وتحويل المجتمعات العربية إلى كيانات معزولة ومنهكة، يسهل دمجها في منظومات الهيمنة الاقتصادية والأمنية العالمية، فالتطبيع مع الاحتلال ليس مجرد اتفاق سياسي، بل تعبير عن انتقال قطاعات من البرجوازيات العربية من موقع التناقض مع المشروع الاستعماري إلى موقع الشراكة معه ضمن منظومة إقليمية جديدة قائمة على الأمن والسوق والهيمنة.
وفي المقابل، فإن القضية الفلسطينية نفسها تأثرت بالأزمة العربية العامة، فقد تراجع العمق القومي والاجتماعي الداعم للنضال الفلسطيني، بينما تعرضت الحركة الوطنية الفلسطينية لأزمات داخلية عميقة، مرتبطة بالانقسام السياسي، وتراجع المشروع الوطني الجامع، وارتهان أجزاء من الاقتصاد الفلسطيني لمنظومات التبعية والاحتلال، ومع ذلك، بقي الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، يقدم نموذجاً متجدداً لكافة أشكال النضال والصمود، مؤكداً أن القضية الفلسطينية لا تزال حية في الوعي الشعبي العربي رغم كل محاولات التهميش والتصفية.
إن أحد أبرز دروس السنوات الماضية يتمثل في أن الديمقراطية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، فالقوى المدنية التي اختزلت الديمقراطية في بعدها الإجرائي، وتجاهلت البعد الاجتماعي والوطني للصراع، وجدت نفسها عاجزة عن بناء قاعدة شعبية حقيقية، كما أن القوى التي رفعت شعارات التحرر الوطني دون بناء مشروع ديمقراطي واجتماعي عادل، انتهت إلى إعادة إنتاج السلطوية بأشكال مختلفة.
ولهذا، فإن إعادة بناء القوى المدنية والديمقراطية والتقدمية في العالم العربي تتطلب مراجعة فكرية وسياسية عميقة، تنطلق من فهم طبيعة التحولات الطبقية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، وتعيد الربط بين الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، فلا يمكن لأي مشروع ديمقراطي عربي أن ينجح وهو منفصل عن قضايا الفقر والعمل والكرامة والسيادة الوطنية، كما لا يمكن لأي مشروع تحرري أن يتجاوز القضية الفلسطينية بوصفها التعبير الأوضح عن الصراع مع الاستعمار والاستغلال والتبعية.
إن المنطقة العربية تعيش اليوم مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة؛ فالأزمات التي فجّرت الانتفاضات العربية لا تزال قائمة، بل ازدادت عمقاً وحدة، فالبطالة والفقر والظروف القاهرة التي تواجه الطبقة العاملة وتآكل الطبقة الوسطى، إلى جانب الاستبداد والتبعية والتفكك الاجتماعي، كلها عوامل تجعل الانفجار الاجتماعي مؤجلاً لا منتهياً، غير أن أي تحول تاريخي مستقبلي سيبقى مرهوناً بقدرة القوى التقدمية والمدنية على الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل التاريخي المنظم، عبر بناء حركة شعبية ديمقراطية ذات مضمون اجتماعي وتحرري واضح.
وفي هذا السياق، تبقى القضية الفلسطينية البوصلة الأخلاقية والسياسية لأي مشروع نهضوي عربي حقيقي؛ لأنها تختصر معنى الحرية والسيادة والعدالة في مواجهة الاستعمار والهيمنة، ولذلك فإن الدفاع عن فلسطين ليس شأناً تضامنياً فقط، بل جزءا لا يتجزأ من معركة شعوب العالم العربي بمختلف أطيافها من أجل الديمقراطية والتحرر والعدالة الاجتماعية وبناء مستقبل مستقل.
ـــــــــــــــــ
*كاتب وباحث - وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني