بين "أوراق سمنان المهملة" جراح كثيرة ، يفتح الدكتور "محمد الكحط " جرحاً عراقياً غائراً ظلّ طي الكتمان والإهمال لأكثر من ثلاثة عقود، ليقدم لنا عملاً يتجاوز كونه مجرد مذكرات شخصية، ليصبح وثيقة إدانة كونية وصارخة للحروب ومن يوقد نيرانها. يبدأ الكاتب رحلته من عتبة العنوان ذاتها، فكلمة "سمنان" ليست مجرد إحداثيات جغرافية لمدينة إيرانية، وإنما هي "ثقب أسود" ابتلع سنوات من أعمار المناضلين واللاجئين العراقيين الذين تقاذفتهم أمواج السياسة بين جبال كردستان ودهاليز المعتقلات. أما وصف هذه الأوراق بـ (المهملة)، فهو إدانة مضاعفة لكل من حاول طمس هذه الذاكرة، وانتصار أدبي للأرواح التي طُحنت في تروس الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها المريرة. ينساب السرد في الكتاب بصدق جارح، حيث يمزج الدكتور "محمد الكحط" بين دقة الطبيب في التشخيص وحس الأديب في تصوير الوجع الإنساني. هو لا يؤرخ للانتصارات الوهمية أو الخطابات الحزبية، بل يغوص في (أدب السجون) ليروي قصة الإنسان العراقي الذي هرب من ديكتاتورية وطنه ليجد نفسه سجيناً في المنفى. تبدأ المأساة من لحظات الانسحاب المرير من جبال كردستان في عام 1983، حيث تحولت أحلام التغيير والنضال إلى رحلة تيه طويلة انتهت في "سجن إيفين" الرهيب بطهران، ومن ثم في معسكر "سمنان" الذي يصفه الكاتب بأنه مكان "خارج العالم"، مكان معزول تجتمع فيه المتناقضات وتتحول فيه كرامة الإنسان إلى "رقم" في سجلات المراقبة والتحقيق. ما يميز هذا العمل هو قدرته الفائقة على "أنسنة" المأساة؛ فالمؤلف لا يكتفي بوصف الجدران والأسلاك الشائكة، بل يرسم لنا بورتريهات حية لمن ضمتهم تلك القاعات الضيقة. نلتقي في ثنايا الأوراق بالطبيب والمهندس والفنان جنباً إلى جنب مع الفلاح والجندي الهارب، كلهم انصهروا في "بوتقة الألم المشترك". يرصد الكاتب ببراعة كيف تتحول الحرب إلى ماكينة لسحق الزمن، وكيف يواجه الإنسان هذا السحق عبر "النكتة السوداء" أو الصداقات العميقة التي ولدت من رحم القهر. إن تسليط الضوء على هذه الشخصيات يحول الكتاب من مجرد تاريخ سياسي إلى دراسة سوسيولوجية عميقة للشخصية العراقية في أقصى حالات انكسارها واغترابها، حيث يصبح "الصمت" أحياناً وسيلة للنجاة، والذاكرة هي السلاح الوحيد المتبقي لمواجهة النسيان. إن كتاب "أوراق سمنان المهملة" هو صرخة احتجاج ضد (لبيروقراطية الأمنية) التي لا ترى في البشر سوى ملفات للاشتباه، وهو إدانة صريحة للأنظمة التي تتاجر بمصائر الشعوب. تكمن القوة الإبداعية في هذا النص في لغته التي تبتعد عن التزويق لتنقل تفاصيل "رائحة الغبار والانتظار" وعتمة الزنازين. وفي الختام، يبرز العمل كفعل مقاومة أخلاقي؛ فإخراج هذه الأوراق للنور بعد كل هذه السنين هو تأكيد على أن الأعمار التي أُهملت في معسكرات سمنان لا يمكن أن تُنسى، وأن صوت الضحية سيظل دائماً أقوى من ضجيج المدافع وقسوة السجان. إنه كتاب يقرأ وجع جيل كامل، ويضعنا أمام مسؤوليتنا التاريخية تجاه تلك لأوراق لتي لم تعد مهملة بفضل هذا التدوين الجريء والشجاع.