في كل عام، يأتي الأول من أيار محملا بالشعارات الرنانة عن "كرامة العمل" و"حقوق العاملين"، لكن بالنسبة للنساء العاملات، يبدو هذا اليوم أقرب إلى مفارقة قاسية منه إلى مناسبة احتفالية. فبينما ترفع اللافتات وتلقى الخطب، تواصل آلاف النساء معاناتهن في بيئات عمل قاسية، بأجور متدنية، وتهميش ممنهج في كافة أشكال العمل.
من باب التوظيف إلى سقف الترقي
لا يبدأ التمييز ضد النساء عند بيئة العمل، بل يسبق ذلك منذ لحظة التقديم على الوظيفة، حيث تستبعد الكثير من النساء بذريعة "عدم القدرة على التفرغ" أو "الالتزامات الأسرية، وكأن الرجل كائن خارج معادلة العائلة. وحتى حين تنجح المرأة في دخول سوق العمل، تصطدم بسقف زجاجي يمنعها من الوصول إلى المناصب القيادية، رغم كفاءتها وخبرتها، كل ذلك لأن الكثير من المؤسسات مازالت تُدار بعقلية ذكورية تعتبر القيادة حقا مكتسبا للرجل، لا استحقاقا مبنيا على الجدارة.
عمل أكثر… أجر أقل
واحدة من أكثر أشكال الظلم فجاجة هي فجوة الأجور. تعمل النساء في وظائف موازية للرجال، بل غالبا بأعباء مضاعفة، لكنهن يتقاضين رواتب أقل، سواء في القطاع الخاص أو حتى في بعض مؤسسات الدولة. هذه الفجوة ليست مجرد خلل إداري، بل انعكاسا لثقافة ترى أن دخل المرأة "ثانوي"، حتى لو كانت المعيل الوحيد لأسرتها.
التحرش والصمت القسري
التحرش في أماكن العمل ليس استثناء، بل واقعا مسكوتا عنه. كثير من النساء يتعرضن لمضايقات لفظية أو جسدية، لكن الخوف من فقدان الوظيفة، أو الوصم الاجتماعي، يدفعهن للصمت. لا توجد آليات فعالة لتقديم الشكاوى، وإن وجدت فهي غالبا شكلية، لا تحمي الضحية بل قد تعرضها لمزيد من الأذى أو الانتقام المهني.
القطاع غير المنظم: استغلال بلا حدود
في الأسواق، والمصانع الصغيرة، والمنازل، تعمل آلاف النساء خارج أي إطار قانوني، حيث لا عقود، ولا ضمان اجتماعي، ولا تأمين صحي، بل ساعات عمل طويلة، وأجور زهيدة، واستغلال يصل أحيانا إلى حد العمل القسري. هذه الفئة هي الأكثر هشاشة، والأقل ظهورا في الخطاب الرسمي، رغم أنها تمثل شريحة واسعة من القوة العاملة النسائية.
عبء لا يحتسب
بعد انتهاء يوم العمل، لا تنتهي مهام المرأة. تعود إلى منزلها لتبدأ "وظيفة" أخرى غير مدفوعة الأجر: رعاية الأطفال، الأعمال المنزلية، الاهتمام بكبار السن. هذه الازدواجية تستنزف جسدها وعقلها دون أي اعتراف أو دعم. لا سياسات مرنة، ولا حضانات كافية، ولا إجازات أمومة عادلة في كثير من القطاعات الخاصة. وكأن المجتمع يطالبها بأن تكون "عاملة مثالية" و"ربة منزل مثالية" في آن واحد، دون أن يوفر لها الحد الأدنى من الدعم.
العنف المؤسسي والقانوني
رغم وجود بعض النصوص القانونية التي تدعي حماية المرأة العاملة، إلا أن التطبيق ضعيف، والثغرات كثيرة. ولا توجد تشريعات شاملة تجرم جميع أشكال العنف في العمل، ولا رقابة صارمة على أرباب العمل في القطاع الخاص. كما أن الوصول إلى القضاء مكلف ومعقد، ما يجعل الكثير من النساء يتنازلن عن حقوقهن تحت ضغط الحاجة والخوف.
تمكين على الورق
تتحدث المؤسسات الرسمية عن "تمكين المرأة" و"دعم مشاركتها الاقتصادية"، لكن الواقع يكشف فجوة هائلة بين الخطاب والممارسة، فرغم تنظم الورش والمؤتمرات، تبقى السياسات الحقيقية غائبة أو غير مفّعلة.
الأول من أيار… صرخة لا احتفال
في الأول من أيار، لا تحتاج النساء العاملات إلى كلمات تهنئة، بل إلى اعتراف صريح بحجم الظلم الواقع عليهن، وإجراءات جذرية تنهي هذا التهميش. المطلوب ليس خطوات تجميلية، بل إعادة صياغة كاملة لعلاقة العمل، تقوم على العدالة والمساواة والكرامة.
إن استمرار هذا الواقع ليس مجرد إخفاق اقتصادي، بل فشل أخلاقي واجتماعي. فمجتمع يُقصي نصف قوته العاملة، ويستنزفها دون إنصاف، هو مجتمع يحكم على نفسه بالتخلف.
الأول من أيار يجب أن يكون يوم مساءلة، لا يوم مجاملة. يوم ترفع فيه أصوات النساء عاليا: نريد عملا عادلا، وأجرا منصفا، وبيئة آمنة، وحقا كاملا في أن نكون شريكات حقيقيات، لا مواطنات عاملات من الدرجة الثانية.