تتصاعد في العراق هذا العام إشكالية معقدة تتعلق بتحديد غلة محصول الحنطة وحدود استلامه، وسط حديث حكومي عن وجود فائض في الإنتاج المحلي، يقابله استمرار استيراد الطحين من الخارج. هذه المفارقة تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول دقة السياسات الزراعية والتجارية، وحدود التنسيق بين المؤسسات المعنية، بل وحتى حول حقيقة الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.
أولى هذه الإشكاليات تتمثل في قرار وزارة التجارة تحديد سقف استلام المحصول عند 700 كغم للدونم الواحد، وهو قرار أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الزراعية. تُبرر الوزارة هذا الإجراء بأسباب تنظيمية ومالية، أبرزها الحد من ظاهرة “تدوير الحنطة”، أي إدخال حبوب مستوردة أو مهربة أو مخزونات قديمة إلى مراكز الاستلام للاستفادة من الدعم الحكومي الذي يصل إلى 850 ألف دينار للطن. ومن هذا المنطلق، جرى اعتماد سقف يُمثل المعدل العام للإنتاجية لضمان توافق الكميات المسلمة مع المساحات المزروعة فعلياً.
غير أن هذا التبرير لا يخلو من إشكاليات عميقة، إذ يرى مختصون أن معالجة التهريب لا تكون عبر معاقبة الفلاح المنتج، بل من خلال تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والجمعيات الفلاحية، وتفعيل الرقابة الحقيقية على المنافذ والأسواق. كما أن تحديد سقف موحد للإنتاج يتجاهل الفوارق الكبيرة في الإنتاجية بين المناطق، خاصة في المشاريع الحديثة التي تعتمد الري المحوري أو المرشات، حيث تتجاوز الغلة في كثير من الأحيان طناً واحداً للدونم. بذلك، يتحول القرار من أداة تنظيم إلى عامل إحباط للفلاح المجتهد الذي استثمر في رفع إنتاجيته.
أما التبرير الآخر، والمتعلق بالضغط على الموازنة، فيعكس بوضوح أن القرار يحمل بعداً مالياً أكثر من كونه فنياً، إذ تسعى الحكومة من خلال هذا السقف إلى ضبط النفقات وتقدير الالتزامات مسبقاً. لكن هذا التوجه يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يجب أن تُبنى السياسات الزراعية على أساس القيود المالية، أم على أساس دعم الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي؟
الإشكالية الثانية تتعلق بتداخل الصلاحيات بين الوزارات. فبحسب السياقات القانونية والفنية، تُعد وزارة الزراعة، بالتعاون مع وزارة التخطيط (الجهاز المركزي للإحصاء)، الجهة المسؤولة عن تقدير الغلة والإنتاجية عبر الكشف الميداني وعينات القص. إلا أن وزارة التجارة، بوصفها المشتري والممول الوحيد، فرضت ضوابطها الخاصة، ما أدى إلى تجاوز التقديرات الفنية وإرباك المنظومة الزراعية. هذا التداخل يعكس خللاً مؤسسياً واضحاً، حيث تتحول القرارات الفنية إلى أدوات مالية وإدارية بيد جهة غير مختصة بالكامل.
أما على مستوى البنية التحتية، فتبرز أزمة المخازن كأحد أبرز التحديات. فبالرغم من الحديث عن إنتاج يتراوح بين 5 إلى 6 ملايين طن، لم تتطور الطاقة التخزينية بالمستوى ذاته. لا تزال السايلوات القديمة تشكل العمود الفقري لعمليات الخزن، فيما يُعتمد بشكل كبير على “البناكر” المكشوفة التي تعرض المحصول للتلف بسبب الظروف الجوية. ورغم وجود مشاريع لإنشاء سايلوات حديثة في مناطق مثل كربلاء والموصل، إلا أن بطء تنفيذها جعلها عاجزة عن مواكبة الطفرات الإنتاجية، خاصة في مواسم الوفرة.
وتزداد الصورة تعقيداً مع التناقض الظاهر بين إعلان الاكتفاء الذاتي من الحنطة واستمرار استيراد الطحين، لا سيما من تركيا. غير أن هذا التناقض يمكن فهمه عند التمييز بين نوعين من الإنتاج: الحنطة المخصصة للبطاقة التموينية (الخبز)، والتي يحقق العراق فيها مستويات اكتفاء جيدة، والطحين الأبيض التجاري المعروف بـ ”الطحين الصفر”، والذي يتطلب مواصفات نوعية خاصة من حيث نسبة البروتين وتقنيات الطحن. ورغم شروع وزارة التجارة بمشروع إنتاج الطحين الصفر محلياً عبر تشغيل أكثر من 40 مطحنة، إلا أن القدرة الإنتاجية لا تزال غير كافية لتغطية حاجة السوق، ما يفتح المجال للاستيراد.
في المحصلة، يبدو الفلاح العراقي هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المعقدة. فهو يواجه قيوداً إنتاجية غير منصفة، وقرارات إدارية متضاربة، وبنية تحتية غير مهيأة، فضلاً عن سوق مشوشة بين الاكتفاء والاستيراد. إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط استقرار القطاع الزراعي، بل يضعف فرص تحقيق أمن غذائي حقيقي ومستدام.
إن الحل لا يكمن في قرارات جزئية أو معالجات مؤقتة، بل في إعادة بناء منظومة متكاملة تقوم على وضوح الصلاحيات، ودعم الإنتاج الحقيقي، وتطوير البنية التحتية، وربط السياسات الزراعية بالأهداف الاستراتيجية للدولة، بعيداً عن الحسابات الضيقة.
ــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري