اخر الاخبار

يحتفي الشاعر بالعمال في عيدهم، مشيدا بدورهم فيقول:                    

يا من بنيتم بعرق الجبين صرح المجد    تحية لكم في العيد يا أهل العطاء 

لولاكم ما زهت أرض ولا عمران  فأنتم النور في الدنيا..و أنتم الضياء

أيار شهر الدلالات والمعاني منذ أن وعى الانسان وجوده، فهو شهر الجمال والنور والخصب في الثقافة الرافدينية، وفي اللغة الأكدية يعني الزهرة وفي السريانية هو الدفء والضياء وفي العربية هو مشتق من أوار ويعني شدة النور. وباختصار فأيار يمثل امتزاج النور وجمال الطبيعة، ويمثل بالفعل مزيجا من نور الشمس وجمال الطبيعة والازهار وخصوبة الأرض ويعرف بأنه شهر الورود والنمو الخضري، وبداية أيار هو يوم العمال العالمي.

اليوم يحل العيد ويسود المنطقة نزاع وخوف تحت ظلال الحرب والأزمات، مما يدفعنا للتأمل في الواقع وفي تبعات وتأثيرات ما يجري. ومع ذلك فنحن على قناعة بان الشعوب ستبقى ولن تفقد الامل وستحول اثار نكبات ودمار الحرب إلى مستقبل واعد مزدهر، بجهد العمال وعزمهم.

من هو العامل؟

العامل، حسب التشريع العراقي الحالي، هو كل شخص طبيعي (ذكر أو أنثى) يعمل تحت إدارة وإشراف صاحب عمل ومقابل أجر، سواء بعقد مكتوب أو شفوي. وهذا يشمل العاملين في قطاعات الدولة من الذين يمارسون مهنة او صنعة. ويُنظر إليه كطرف في علاقة إنتاجية تخضع لقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015. وهذا يشمل كل شخص بلغ عمر 15 عام او تجاوزه، حتى لو مارس العمل لمدة ساعة واحدة في اليوم.

وبالرغم من انعدام الاحصائيات الدقيقة عن عدد العمال في العراق، لكن التقديرات تشير إلى وجود 9 ملايين عامل 650 ألف منهم فقط مسجل في الضمان الاجتماعي وبلغت نسبة العمالة العراقية التي تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 24 عاما 34 في المئة في عام 2023 وتقدر نسبة البطالة بينهم تقدر ب 15.5 في المئة. وتشير الأرقام إلى وجود حوالي 47 ألف عامل أجنبي مسجل ولكن هناك توقعات بوجود أكثر من مليون عامل أجنبي في العراق. وهكذا يشكل العمال أغلبية كبرى من السكان ومن أبناء الشعب العراقي، ويمكننا القول إنهم المكون الأساسي ونجد فيهم الكردي والعربي والمسيحي والمسلم الشيعي والسني وغيرهم.

بطبيعته يتمسك العامل بوسائل وأدوات عمله فهي مصدر رزقه ورزق أولاده. ويطمح إلى استتباب الأمن والاستقرار في البلاد فهو الأكثر مصلحة من أبناء الشعب الآخرين في الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، لأن هذا يعني توفر أسباب الحصول على العمل والرزق، وتحسن الأجور والنمو والتطور وشروط العيش الكريم.

لكن العمال العراقيين يواجهون تحديات كبيرة ومتعددة، أشار إليها تقرير رأسمال البشري في العراق عام 2025 الصادر عن وزارة التخطيط، من أبرزها:

• غياب الحقوق والضمان الاجتماعي وتغطية الخدمات الصحية.

• تدني الأجور والتعسف في تجاوز القوانين السائدة وغياب العقود الرسمية في كثير من القطاعات.

• منافسة العمالة الأجنبية القانونية وغير القانونية مما يشكل ضغطا على سوق العمل ويقلل فرص العمل المتوفرة.

• ضعف القطاع الخاص، وأحد أهم أسباب ذلك هو شيوع القطاع غير المنظم في الاقتصاد العراقي، وضعف قدرات القطاع الخاص، يؤدي إلى ضعف استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

• استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية مما يزيد من معاناة العمال.

وبناء على ذلك تعيش شريحة واسعة من العمال في العراق وضعا “صعبا للغاية” في ظل عجز واضح من الدولة على تحسين ومعالجة هذه الظروف.

فنجد انتشار القطاع الاقتصادي غير المنظم (او الهامشي) وهو مجموعة الانشطة الاقتصادية والوظائف والشركات، التي تعمل خارج نطاق القانون والرقابة الحكومية ولا تخضع للضمان الاجتماعي. ويشمل هذا القطاع أكثر من نصف القوى العاملة التي تتمثل بالعمالة اليومية والباعة المتجولين وأصحاب البسطات والورش الصغيرة والمنزلية والمحلات التجارية غير المسجلة رسميا وقطاع النقل غير الرسمي كأصحاب المركبات الخاصة الذين يعملون كسواق سيارات أجرة دون ترخيص. مما يؤدي إلى تزايد البطالة بين الشباب فنجدهم يتوجهون للاعتماد على القطاع الحكومي المثقل والمترهل أساسا.

كلا القطاعين الصناعي والزراعي يواجهان تراجعا حادا في العراق، حيث تعطلت معظم المصانع بسبب الإهمال وتقادم التكنولوجيا ونقص وعدم استقرار الطاقة، كما وتوقفت أكثر من نصف الاراضي الزراعية عن الانتاج بفعل شح المياه ومواسم الجفاف والتصحر والملوحة وضعف الدعم الحكومي وضغط الزحف العمراني مما ادى إلى الاعتماد المتزايد على الاستيراد.

وسادت المنافسة غير العادلة كلا القطاعين مما أدى إلى ضعف القدرة على منافسة المنتجات المستوردة وخاصة في ظل غياب التشريعات الداعمة.

ويرتبط واقع الصناعة والزراعة المتردي في العراق بشكل وثيق بانتشار ظاهرة الفساد المالي والإداري مما أدى إلى عرقلة الانتاج المحلي والاعتماد المفرط على الاستيراد الخارجي.

تبعات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

جاءت الحرب الدائرة في المنطقة لتشدد من وطأة الوضع على الطبقة العاملة. فهي إلى تأثيرات سلبية إضافية جسيمة على وضع العمال العراقيين وعلى الاقتصاد العراقي بشكل عام، إضافة لوجود قوى متعددة تحاول جر العراق وسحبه ليكون ساحة في هذا الصراع.

فوفقا للمعطيات والتقارير الاقتصادية والإنسانية الحديثة (2024-2026). أدت الحرب والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الاوسط إلى تفاقم معاناة الطبقة العاملة بشكل ملحوظ من خلال عدة جوانب، منها ارتفاع معدلات البطالة نتيجة التعطيل الواسع للنشاط الاقتصادي، لاسيما في قطاعات الانشاءات والسياحة والخدمات. ومن خلال تآكل القدرة الشرائية، فقد ادى التصعيد إلى انهيار في العملات الوطنية وارتفاع حاد في اسعار السلع والمحروقات، مما جعل الأجور-حتى لو توفرت- لا تغطي الاحتياجات الأساسية، مما وضع العمال والموظفين تحت “مطرقة الحرب وسندان الغلاء”. وتم توقف وتقليص مناوبات العمل، بعد تسبب المخاطر الأمنية إلى إغلاق العديد من المؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة أو اضطرارها لتقليص ساعات العمل والمناوبات، مما أدى إلى تقلص دخل العمال اليومي. كما وأجبرت الحرب أعدادا كبيرة من العمال على النزوح، مما سبب فقدانهم لعملهم ومصادر رزقهم وزاد من خطر الوقوع في براثن الفقر. وتشكل الحرب تهديدا للأمن الغذائي فرفع أسعار الأسمدة عالميا وإقليميا يشكل أحد أسباب شحة المواد الغذائية، مما يفاقم من معاناة أسر العمال والفئات الضعيفة اجتماعيا. علاوة على ذلك وحسب تقارير منظمة العمل الدولية والبنك الدولي، فان الحرب لن تقتصر آثارها على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل “انتكاسة تنموية” تزيد من وطأة الفقر وتضيق الخناق على العمال. 

ويمكن، حسب التقارير الإخبارية الاقتصادية، تحديد تأثيرات هذه الحرب على عمال العراق كما يلي:

- تهديد توفير رواتب العاملين والموظفين: نتيجة لانهيار صادرات النفط (وصلت إلى 93 في المئة وفق بعض التقديرات)، الناتج عن انقطاع وسائط النقل او مغادرة الشركات، مما يهدد رواتب ملايين العمال والموظفين إضافة لفواتير الرعاية الاجتماعية.

- تفاقم أزمة الكهرباء وضعف الخدمات: فتوقف امدادات الغاز الايراني او انخفاضه بسبب الصراع الجاري إلى أزمات حادة في الطاقة مما يؤثر على انتاجية المصانع والورش التي تعتمد على الطاقة، وبالتالي يسبب توقف الانتاج وتسريح العمال.

- ارتفاع أسعار السلع: التوترات والصراعات الحربية الواسعة تؤدي إلى ارتفاع كبير في اسعار المواد الاساسية (من اهمها المواد الغذائية)، مما يزيد من وطأة الأعباء المعيشية على الطبقة العاملة والموظفين والفئات الكادحة والفقيرة، وفعلا لوحظ مثل هذا الارتفاع بالأسعار بنسب كبيرة (مثل الطماطم).

- انكماش الاستثمار والتشغيل: إن عدم الاستقرار وغياب الأمن يؤدي إلى تعطيل حركة الانتاج وتأجيل الاستثمارات المحلية والاجنبية، مما يؤدي إلى تقليص فرص العمل وتزايد البطالة.

- تهديد استقرار العملة: إن التدهور الاقتصادي وتعريض البلاد لضغوطات أمريكية مالية على العراق (تعليق عائدات النفط مثلا) قد يؤدي إلى انخفاض العملة العراقية، ويقلل من القوة الشرائية للأجور والتي هي شحيحة في الاساس.

- تحويل البلد إلى ساحة صراع للقوى الخارجية: إن تحويل العراق إلى ساحة حرب يعيد البلاد إلى دوامة الانهيار الاقتصادي، وسيكون العمال والمواطن العراقي هو الخاسر الأكبر.

باختصار، يؤدي الانجرار إلى الحرب الأمريكية الإيرانية لجعل بيئة العمل في العراق خطرة وغير مستقرة، مما يؤدي إلى تهديدات مباشرة للأمن الوظيفي والمعيشي للعمال العراقيين.

هذه الاوضاع والازمات تستوجب إدارة وحوكمة رشيدة وطنية مخلصة ووضع خطط استراتيجية شاملة لإنعاش هذه القطاعات.

ضرورة تشكيل حكومة وطنية تحظى بقبول محلي ودولي

ان ما تقدم يستوجب إدارة وطنية مخلصة ورشيدة. لذلك تعد عرقلة تشكيل الحكومة العراقية امرا يضر بالمصلحة الوطنية ومصلحة الطبقة العاملة العراقية، فتشكيلها حاليا أمر ضروري لإنهاء حالة الانسداد السياسي، ولتوفير استقرار الوضع الامني القلق، ومعالجة التحديات والأزمات الاقتصادية الحادة وسط حالة الصراع الإقليمي والدولي، وعليها المباشرة فورا بتنفيذ برامج اصلاحية تتناسب مع تحديات الوضع، وعلى الحكومة المقبلة مهمة احتواء حاجات ومطالب الشارع والطبقة العاملة. وعليها المهام التالية:

- إنهاء الفراغ السياسي وحسم المناصب العليا لضمان شرعية السلطة التنفيذية.

- مواجهة التحديات الاقتصادية، والحاجة الملحة لإدارة صادرات النفط وتأمين الاقتصاد من تدهور اسعار الصرف، وتخفيف وطأة تزايد الاعباء المعيشية.

- فرض سيادة الامن والاستقرار، فهناك حاجة إلى حكومة قوية قادرة على التعامل مع العواصف في المنطقة وتلاطم الازمات الاقليمية بسبب النزاع الامريكي - الايراني.

- البدء بالإصلاح ومحاربة الفساد، استجابة لمطالب الشارع وحاجات التنمية والتطور من الضروري تشكيل حكومة فاعلة تعالج ملفات الفساد المستشري وتخفف الأعباء عن كاهل الطبقة العاملة والمواطنين.

- ضمان التمثيل العادل والمنصف والشامل وتجاوز “بازار” المحاصصة وتقاسم السلطة والنفوذ للفئات الحاكمة والانتقال إلى تمثيل الاغلبية القادرة على الانجاز الوطني.

لذا يجب تشكيل حكومة تحظى بقبول داخلي ودولي وتجنب التأثيرات الغير وطنية على استقرار ومصالح الطبقة العاملة والشعب العراقي.

ضرورة اشراك الطبقة العاملة في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية

يعتبر إشراك العمال وتنظيماتهم النقابية في تشكيل وقرارات وسياسة الحكومة امرا ضروريا وحيويا لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والتنمية، ولكننا لانزال نجد تحديات سياسية وهيكيلية تواجه هذا الدور، ومن أبرزها نهج المحاصصة الطائفية.

ومن أبرز اهمية واسباب الضرورة ما يلي:

- صنع سياسات عمالية صحيحة، فتمنح النقابات العمالية إضافات جوهرية مهمة في مناقشات مشاريع قوانين العمل والتنمية والضمان الاجتماعي، من أجل مواءمة التشريعات العراقية مع متطلبات التنمية والمعايير الدولية.

- تعزيز الديموقراطية والاستقرار الاجتماعي، فتعتبر النقابات العمالية ركيزة اساسية للاستقرار الديمقراطي، فالنقابات ليست مجرد ممثلة للمصالح، بل هي حاوية لهيكلة حاجات ومخاوف العمال واستيعاب وتوجيه غضبهم ومنعها من الانزلاق إلى اجندات التطرف.

- تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فالنقابات تساهم في تحسين سياسات العمل ووضع خطط تنموية تدعم العمال واصحاب المهن مما يدفع بالنمو الاقتصادي إلى امام.

- وضع شراكة حقيقية، من خلال التمثيل الحقيقي للعمال في الحوار الثلاثي بين الحكومة واصحاب العمل والعمال لرسم السياسات العامة.

وأبرز التحديات التي تواجه واقع العمل النقابي في العراق هي:

- ضعف التأثير الفعلي ، بالرغم من وجود نقابات، فأن تأثيرها على السياسات العامة لايزال غير ملموس بشكل كبير، ويرافق ذلك انخفاض في مستويات العضوية النقابية.

- التبعية والتسييس، فتعاني كثير من النقابات من تجيير أعمالها لخدمة سياسات أحزاب ومجاميع سياسية حيث يسعى الفرقاء السياسيون إلى السيطرة على النقابات واستخدامها كأدوات نفوذ سياسية حزبية فئوية بدل من دعمها كمؤسسات مهنية مستقلة تدافع عن حقوق العمال بغض النظر عن آرائهم ومعتقداتهم السياسية.

- الخلافات حول قانون النقابات فلاتزال هناك خلافات بين النقابات والسياسيين حول قانون النقابات المقترح، خاصة فيما يتعلق بحق عمال القطاع العام في التنظيم النقابي.

- تحديات الانتقال الاقتصادي، فتساهم محاولات التوجه نحو اقتصاد منفلت (يدعونه اقتصاد سوق وهو اقتصاد هجين ومشوه) دون حماية كافية لحقوق العمال والاعتراف بدورهم. هذا يستدعي وبشكل ملح وجود نقابات قوية مستقلة وفاعلة.

كما ويجب دعم التوجهات للعمل على تشريع قوانين تناسب المرحلة والعصر للنقابات العمالية.

فإشراك العمال في صنع القرار ليس مجرد مطلب نقابي، بل ضرورة دستورية وديموقراطية لضمان حقوق الاغلبية ولتحقيق استقرار سياسي ونمو اقتصادي مستدام.

إن أي ضعف للحركة العمالية وعرقلة منظماتها هو اضعاف وعرقلة لتطور المجتمع والاقتصاد الوطني بكامله.