يحتفل العالم كل عام في الاول من أيار بعيد أكبر طبقة اجتماعية عابرة للحدود الدولية تشترك في همومها وتخضع لذات الظروف التي تفرضها عوامل الانتاج (حسب ماركس) والتي تجعل منها ضحية الاستغلال الرأسمالي والتي دفعت بها على الأقل في اوربا والولايات المتحدة لإعلان يومها العالمي الذي اقرته الدولية الثانية وجعلت منه عطلة رسمية في كل انحاء العالم.
الأساس التاريخي للحركة العمالية
كان لحلول عصر التنوير أواخر القرن السابع عشر، وفي إثر قيام الثورات ضد الملكية والكنيسة واصحاب المصالح الاقتصادية من الإقطاعيين وأصحاب السلطة السياسية، وما تلاه من قيام الثورة الصناعية في أوربا الغربية، تلك الثورة التي أتت على الأفكار الدينية التي (جاءت بها الكنيسة) والتي انتقلت بالعالم من الأفكار القديمة إلى عالم خلق الحاجات وإقامة التصنيع، وتحولت الحياة الاجتماعية من مرحلة الإيمان بالغيبيات على يد الكنيسة وما لها من تأثير على طاقات العالم المادية إلى الإيمان بقوة المصانع وضوضاء الماكنات، وقد كان لأفكار أصحاب المدرسة التقليدية أثرها المباشر في عملية تكوين الرأسمال وتحوله إلى عدو لدود لقوى العالم المنتجة واستغلاله لقوة عملها محققا ما يطلق عليه بفائض القيمة التي جاءت بنظريتها المدرسة الماركسية الحديثة، التي تحولت فيما بعد إلى معين يمد تلك القوى المنتجة بالقوة للدفاع عن مصالحها الطبقية، وهكذا تشكل أول اتحاد للعمال، يقول ماركس في كتابه بؤس الفلسفة في معرض رده على برودون (ص167--168 طبعة بيروت) إن أول محاولات العمال ليتجمعوا مع بعضهم كانت على شكل اتحادات، وأن الاحوال الاقتصادية حولت مجموعة سكان القرى إلى عمال، وخلق تماسك هذه المجموعة حالة عامة ومصالح مشتركة وهذه المجموعة بحد ذاتها كونت تجمعا ضد الرأسمال، ففي هذا الصراع تتحد هذه المجموعة وتشكل طبقة لنفسها وتصبح المصالح التي تدافع عنها مصالح طبقة، لكن صراع طبقة ضد طبقة يكون صراعا سياسيا، وقد تجسدت أفكار ماركس هذه في حركات العمال الثورية التي بدأت في أوربا الغربية وقد كانت الشرارة من مدينة برمنكهام والتي تعد أول مدينة صناعية في العالم تلتها مانشستر مركز صناعات النسيج، وكانت النقابات أول اشكال التنظيمات العمالية في بريطانيا التي تبنت أول حركات العمال إلى جانب مجموعة سياسية نشطة أطلق عليها بمجموعة (شهداء تولبودل artys of tolpuddle) عام 1834 --- 1848، والتي كونت بدورها ما أطلق عليه بالحركات الچارتية او (الحركات الميثاقية chartism movements) مشتقة من كلمة ميثاق بالإنكليزية، وكانت هذه الحركة تنادي بالإصلاح السياسي تحت رؤية ميثاق الشعب، وتعد اول حركة عمالية حاشدة في العالم، وكان لانتشار أفكار هذه الحركة وصدور البيان الشيوعي عام 1848، والذي جاء فيه ما يحرض العمال على الثورة الأثر الحقيقي في تقوية شوكة العمال، وقد جاء في البيان الشيوعي، إن البرجوازية لم تصنع فحسب الأسلحة التي تودي بحياتها بل أنجبت الرجال الذين يستعملون هذه الأسلحة العمال المضربين او البروليتاريين، وقد أخذت هذه الحركات تنمو وتتطور، وراحت تتنظم لتخلق أول أشكال التنظيم النقابي، ولعل الاستغلال الرأسمالي البشع للشغيلة وانكار دور قوة عملها وما لهذه القوة الانتاجية من دور مهم في نمو المصانع وتراكم رأس المال، وقد تشكلت التنظيمات العمالية بفعل عوامل وحدة الظروف الانتاجية او ما اطلقت عليه الماركسية بالطبقة العاملة التي وحدتها ظروف العمل وجمعتها التنظيمات النقابية الحديثة التي رفعت العلم الأحمر لأول مرة في التاريخ والذي نال تأييد الحركات الاشتراكية العالمية والذي انتقل بدوره إلى العالم الجديد مع هجرة البريطانيين إلى شمال القارة الأمريكية، وبعد قيام النهضة الصناعية في الولايات المتحدة انتقلت أمراض الرأسمالية المزمنة إلى هذه البلاد بعد توحيدها والقائمة على الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة، وقد كان لطول ساعات العمل التي تربط ظلام الفجر ببدايات الليل، ولسوء ظروف الانتاج في مصانع أوربا ومعامل الولايات المتحدة، ولسوء حالة العمال المعاشية جراء أجر الكفاف، أن بدأت حركة عمالية نقابية مطلبية، تطالب بتخفيض ساعات العمل إلى عشر ساعات أول الامر، وزيادة الأجور بعد أن كان أجر العامل 1،5دولار لعمل يوم واحد ولمدة تفوق عشر ساعات، وتوفير مستلزمات الأمن الصناعي حفاظا على أرواح العمال. كل هذه العوامل يضاف إليها انتشار الفكر اليساري في العالم الجديد، أن توحدت جموع العمال تحت قيادة اتحاد نقابات العمال في تلك الولايات ودعا الأخير عام 1886 إلى إضراب في الأول من ايار المطالبة بأن يكون يوم العمل محددا فقط بثماني ساعات وقد شارك في هذا الإضراب ما يناهز نصف مليون عامل، وفي الثالث من أيار اقتحمت الشرطة موقع الإضراب وقد تم جراء الاقتحام قتل ثلاثة عمال في مدينة شيكاغو حيث تظاهر اكثر من أربعين ألف عامل، وفي اليوم التالي واثناء التجمع العمالي الحاشد انفجرت قنبلة بين الحشود، قتل على إثر الانفجار سبعة من أفراد الشرطة وعدد من العمال المضربين إضافة إلى عدد كبير من الجرحى، وفي العام 1887 تمت إحالة عدد من العمال إلى المحاكم، وتم الحكم بالإعدام على أربعة منهم، وظل العمال في تناحر مستمر مع السلطات الحكومية ثأرا للعمال، وقد كتب رئيس اتحاد نقابات العمال في الولايات المتحدة رسالة إلى مؤتمر الأممية الثانية المنعقد في باريس داعيا إياها إلى توحيد نضال العمال وطالبها بمطالبة الدول لتحديد ساعات العمل، وبفعل زخم الحركة الشيوعية العالمية بفضل البيان الشيوعي المكرس لحقوق العمال فقد قرر المؤتمر الاستجابة لهذه المطالب، وفي عام 1904 دعا مؤتمر الاشتراكية الدولية المنعقد في مدينة امستردام جميع المنظمات والنقابات العمالية في جميع أنحاء العالم سيما المنظمات الاشتراكية منها إلى عدم العمل في اليوم الأول من ايار من كل عام، والعمل على جعله عطلة وطنية في كل دول العالم، وفي عام 1935 باركت الكنيسة الكاثوليكية هذا اليوم، واعتبرته عيدا مقبولا، وقد كان لهذه المباركة أن شكلت زخما إضافيا لقوة تأثير الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والعمالية على عواصم العالم، أما في الولايات المتحدة فقد تم الاعتراف بهذا اليوم ولكن جعلته في الاثنين الأول من ايلول من كل عام، وقد اسمته عيد العمل (لا عيد العمال) وقامت كندا هي الأخرى بتسميته بيوم العمل تبعا للولايات المتحدة، غير أن اليساريين والاشتراكيين الأمريكيين ونقابات العمال ظلوا جميعا يحتفلون في الأول من ايار من كل عام على أنه عيدهم الوطني الامر الذي دفع بالكونغرس الأمريكي، وفي خضم المظاهرات العارمة التي اندلعت في كل من ولايتي شيكاغو وسياتل ومدينة نيويورك وولايات أخرى، نعم، دفعت هذه الحركات الشعبية بالكونغرس بإصدار قرار عام 1958 أعتبر فيه هذا اليوم يوم وفاء لذكرى شهداء ولاية شيكاغو، واعلن اثر ذلك الرئيس الأمريكي آنذاك الجنرال أيزنهاور أن الأول من أيار من كل عام إجازة رسمية.
كان لنضال الطبقة العاملة في عموم كوكبنا، أن تم الاعتراف بالأول من ايار من كل عام عيدا عالميا تخطت فيه تلك الطبقة وحدة الدول وسيادتها إلى وحدة الطبقة العاملة وتشابه ظروف عملها، وكان لذلك النضال أن توج العالم اعترافه بحقوقهم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وانشأت الامم المتحدة منظمات تعتني بالعمال وتصدر اللوائح والتعليمات، لتطبيق مفاهيم حق العمل وحق تحديد الساعات، وحق العامل للعمل في ظروف تليق بالإنسان، وحقه في تشكيل النقابات، وحق الاضراب والاعتصام. وصارت الدول تصدر قوانين العمل وتلتزم بالتشريعات.
إن يوم الأول من ايار صار رمزا لوحدة العالم رغم تباين الأنظمة الاقتصادية واختلاف النظم السياسية، وأصبح عيدا تحتفل به جميع الامم، (سمي بعيد العمال) ترتفع فيه قامة العامل ويقام فيه الاحتفال.