مع ولادة التشكيلة الرأسمالية كانت الطبقة العاملة قد وُلِدت في تلك التشكيلة لتُستكمَل علاقات إنتاج جديدة على أنقاض التشكيلة السابقة. أما الشغيلة أو البروليتاريا Proletarius)) فهي إذن، وليدة الاقتصاد الاحتكاري لتمثل وجودا طبقيا مستقلا لا يملك أيّ (وسائل إنتاج)؛ وتسد عيشها بأجور الحد الأدنى التي تعيش بها من (بيع) مجهودها سواء العضلي منه أم الفكري.. وتنفتح علاقات الكفاح الطبقي بعمق الوجود الأممي لها من دون انفصال عن الوطني وهويته المخصوصة، والسبب في ذلك هو المقابل المتمثل في الصراع مع مالكي وسائل الإنتاج الذين تندمج شركاتهم لتتحول بالنهاية، إلى شركات كوزموبوليتية أو بتعبير آخر لا قومية لتصير شركات (احتكارية) كبرى تدفع الشغيلة نحو كفاح أوسع وأشمل وأعمق من حدود الكفاح الطبقي وطنيا لتقود نضال (الشعوب) بنهج موحد ضد يمكنه التصدي لقوى الاحتكار التي توحد بناها كوزموبوليتياً. ومن هنا يتحد النضال الطبقي الوطني مع نضال شعوب الأرض لإنهاء ظاهرة بيع طاقة العمل الفكري و\أو الثقافي أو العضلي بتغيير ملكية وسائل إنتاج، وتحرير الإنسان فرديا جمعيا من أشكال التمييز والاستغلال وإذا دققنا بالإشارة إلى مقارنة بين استخدام مصطلح البروليتاريا اليوم واستخدامه الكلاسيكي القديم تاريخيا فإننا سنجد بوضوح استدعاء الفحوى أو المعنى بتجديد محتوى المصطلح في دلالته على (العبودية الحديثة). وعليه فإن الانعتاق والتحرر سيؤكد معاني إعادة بناء التشكيلة الاقتصا اجتماعية كليا وجوهريا.
إن نقاء البنية الطبقية يعتمد على درجة تطور المنظومة الاقتصا اجتماعية والفرز الطبقي بنيويا فيها حيث يتأكد الطابع التقدمي للشغيلة عندما لا تتلوث بالملكية الخاصة ما يمكِّنُ وعيها من العمل الثوري في هدف إنهاء التناحر الاستغلالي للطبقات ومخرجات وجودها لتصل مرحلة إلغاء تلك الطبقات في ضوء إلغاء احتكار وسائل الإنتاج من طبقة بعينها بتحقيق العدالة الاجتماعية والبديل البنيوي تاريخيا..
ومع تعريف الطبقة العاملة بكونها الطبقة الاجتماعية التي ليس لديها ملكية كبيرة لوسائل الإنتاج (المصانع، والآلات، والأراضي، والمناجم، والمباني، والسيارات) وتتمثل وسيلة عيشها الوحيدة في بيع قوة عملها مقابل أجر أو راتب، على وفق ماركس؛ فإن رهطا آخر ربط الأجر بتعريف الموظف.. وفي كنف هذه الأجواء هناك فئات طبقية مجاورة من أصحاب العمل الحر مثل مالكي المتاجر الصغيرة وتجارة التجزئة أو من يجمع بين العمل المأجور والحر إلى جانب البروليتاريا الرثة وهي تلك الفئات المهمشة غير المنتجة ممن يقع خارج علاقات الإنتاج الرأسمالي تلك التي تضم تكوينا اجتماعيا من المشردين، المتسولين والمحتالين النصابين، الغوغاء.. والسرّاق المجرمين ومدمني البطالة والعطالة والمومسات. ولابد من التوكيد على حقيقة أن البروليتاريا الرثة تتسم بسبب طابع التهميش والانفصال عن المساهمة في الإنتاج كونهم فعليا خارج العملية الإنتاجية ولا يملكون أيا من وسائل الإنتاج ما يضعهم بمنطقة هامشية هزيلة أو ضعيفة مجتمعيا ويفتقرون لأشكال الوعي سواء بمصالحهم أم بوسائل انعتاقهم وسبل العيش الكريم.. أما أخطر ما تتسم به تلك الفئة من البروليتاريا (الرثة) نتيجة سماتها وهويتها هي كونها فئة بل أداة للارتشاء أو لسهولة بيع الولاء وتحولاته وتقلباته وهنا بخاصة في استعمالها بقمع كل إيجابي وبنّاء مما يدخل في الحراك المجتمعي الطبقي والوطني من أجل الانعتاق فيما الرثاثة تقف العقبة الكأداء بوجه التغيير والتقدم ومنطق تحرير الإنسان.
إنّ هوية الشغيلة من طبقة العمال تعرف قيمة الإنسان ومعنى بيع قوة عمله فتدرك بهذا قيمة الانعتاق والتحرر والانخراط بتنظيم نفسها من أجل ذلك فيما البروليتاريا الرثة وهي في المجتمعات النامية المتخلفة التي يجري هدم بناها الاقتصادية المنتجة وتخريبها تشكل قسما واسعا من المتبطلين العاطلين المزمنين ومدمني التسول والسرقة والكسب من غير مساهمة في الإنتاج ما لا يوفر فرص وعي أو إدراك لمعاني التنظيم وأهميته وعلاقته بالتحرر والانعتاق لأنها فئات أدمنت العبودية والرثاثة بأدنى مؤشراتها..
وإذا كانت الرؤية الطبقية للشغيلة (الطبقة العاملة) تتأسس على تحليل دورها الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع، حيث تعدّ البروليتاريا طبقة تعتمد في عيشها على بيع قوة عملها (يدويا أو فكريا) من دون امتلاك وسيلة إنتاج، إذا اتفقنا على هذا التحديد فإننا سنتجه نحو تسجيل أبرز ما تتسم به في ضوء ذلك التعريف:
فأولا تتسم بعلاقات إنتاج استغلالية تقوم على تعظيم الأرباح على حساب سرقة قوة العمل بتهميش مجمل حقوق الشغيلة والإفراط في تضخيم التشغيل بحثا عن مردودات مضاعفة متنامية..
لكننا في ثانيا سنضع مؤشراتنا اليقينية على كون الطبقة العاملة وجودي بنيوي عضوي لا يُنظر إليها على أنها مجرد أفراد كما الفئة الرثة من البروليتاريا، لكنها "كل عضوي" متماسك قبل أن ينضوي في بنية المجتمع، يتسم بقواسم نضالية مشتركة ضد التهميش والفوارق الطبقية وضد ما يعتدي على البنية الوطنية برمتها كون ذلك جزء من قيم الشغيلة النضالية أمميا. إنَّ تلكم الحقيقة تجعل ثالثا من السمات يتركز على كون الوعي الطبقي ينصب على ضرورة التحول بمعرفة الذات من مستوى الإقرار بوجود طبقة الشغيلة في حد ذاتها واقعيا إلى مستوى جديد من الوعي الطبقي ذلك الذي يمكنه عند تحققه، من أن ينتقل بالطبقة لتشتغل من أجل ذاتها بوساطة تشكيل التنظيم النقابي الحيوي الفاعل باستراتيجية تتناسب والوجود الواقعي للطبقة ولكفاحها الطبقي المخصوص ونضالها ضد كل أشكال الاستغلال والابتزاز.
إن كل تلك المؤشرات والسمات تؤكد وطنيا وهنا بالنموذج الذي يمكن لفت النظر إليه عراقيا أن الطبقة العاملة تتشكل تكوينيا وجوديا من امتدادات قومية وانتماءات دينية ومذهبية وعرقية إثنية مختلفة أو متنوعة. كما أن الطبقة تتشكل من مستويات وظيفية أو تشغيلية مختلفة ما يجعلها متعددة في فئات التوظيف والاشتغال على أننا في مجتمع يفرض بنى فئوية لا تمتلك الشهادات والتخصصات المتقدمة دراسيا علميا وبمستويات غير جامعية ما يجبرها على القبول بأجور منخفضة..
لكن ذلك لا يمنع من وضع برامج كفاحية وأدبيات عمالية بقصد مجابهة الهشاشة أو التفكيك البنيوي فتخوض جانبا من معاركها ضد بيع الوحدات الإنتاجية وخصخصتها وضد نهج الإفقار المتزايد وإرسال جموع جديدة نحو منطقة العطالة أو التشرد والرثاثة بعامة، فتسعى منظمات الشغيلة بالضرورة إلى ربط النضالات الفئوية بالحراك الطبقي الأعمق والوطني الشعبي الأوسع..
وفي العراق والعالم فإننا، تاريخياً، نؤكد ارتباط الرؤية الطبقية بوصفها جوهرة الوعي في الفكر السياسي، نربطها بنشوء أحزاب عمالية وحركات نقابية بهدف الدفاع عن مصالح الشغيلة وجموع فقراء الشعب وتحسين ظروفهم بكل مساراتها وتحقيق العيش الحر الكريم والعدالة الاجتماعية بإطار من مبدأ المساواة.. وعلى هذا الأساس كانت ولادة الحركة النقابية مطلع القرن العشرين قبل حوالي القرن وتحولات تالية لولادة حزب الشغيلة وأحزاب وطنية ديموقراطية تأخذ من برامج الأول منظومتها ومطالبها وسبل كفاحها..
لكن مسيرة العراق تعثرت طويلا مثلا باستهداف وجود حركة وطنية وأية أنشطة كفاحية مطلبية كتلك التي بلورتها الحركة النقابية العمالية وحزب الشغيلة هنا حتى أن الاستهداف اندفع لمستويات تصفوية دموية بسلسلة من الإعدامات والاغتيالات وأشكال العزل في المعتقلات وغياهب أشكال من السجون وأشكال الأسر والابتزاز وانتزاع أي شكل للاشتغال قهريا قسريا.. حتى وصلنا ما بعد 2003 لتظهر عقب تدمير وخراب منظومات مقصودة في الصراع جسَّدتها رؤية طائفية للإدارة عبر تنظيم الدولة والمجتمع في ضوء الانتماءات المذهبية [الطائفية] بدلاً من المواطنة المتساوية، مما أدّى ويؤدي إلى تحويل الولاء من الوطن بيتا والدولة منظومة عيش معاصرة إلى الطائفة.
ولعل أبرز ملامح هذه الرؤية الطائفية في إدارتها المجتمع و\أو الدولة تتسم بالآتي:
إنَّ قوى الطائفية تعتمد إشاعة الأمية وإفشاء التخلف والجهل مجتمعيا فيما تدير الدولة بمنظومة اقتصاد ريعي يُضاف إليه تعطيل وسائل الإنتاج بتخريب الزراعة وتحويل الأرض الخصبة إلى بور غير منتجة بخاصة مع استغلال ظروف المتغيرات المناخية وإهمال الموقف تجاه حجب مياه النهرين من حصص العراق المائية فيما المصانع والمعامل بين خربة متقادمة متهالكة تدخل في تلويث الأجواء أكثر من خدمة الحاجات والمطالب وبين تعطل ونهب وخصخصة تحيلها إلى فروع غير إنتاجية أو استهلاكية بحتة! مع صرف الشغيلة نحو بطالة بكل أشكالها ومستوياتها ما يحيل الطبقة العاملة وجموع الموظفين ومعهم جيل جديد من أناصف المتعلمين من مخرجات تعليم مشوّه بمنظومة الخرافة وهو ما يطعن وجوديا تركيبة الطبقة العاملة بمقتل ويحيل جموع فئاتها ومكوناتها إلى منطقة الهشاشة والرثاثة ومن ثم إعداد كل تلك الجموع لخطاب فكري بمحمولات منغلقة للخرافة والتخلف واستبدال ردود الفعل النوعية الواعية ببديل من الخزعبلات والدجل والأضاليل وأباطيل كل ذلك..
أما تاليا من تدرُّج أسْرِ المجتمع وطبقاته وفئاته وتشويهها فكريا بنيويا، فيقوم على أساس (تعبئة الولاءات) بما يضبط كل تلك الجموع خلف رايات الرؤية الطائفية وما تُنتجه من سلطة تعمل خارج سلطة المساءلة الديمقراطية ومؤسسات الدولة الموجودة شكليا لكنها المفرَّغة من مهامها ووظائف وجودها وهوية القوانين الناظمة لها. يرافق ذلك استمرار في تفتيت المجتمع إلى طوائف متناحرة، ما يواصل الانحدار في إضعاف النسيجين الطبقي والوطني بمعانيهما المعاصرة ليجتر منظومات دويلات الطوائف المنقرضة بإحالته الدولة الحديثة إلى تشكيلات قبلية و\أو طائفية لا تساوي تعريفهما القديم ولكنها تختلق بدائل معادلة من جماعات تسمى طائفة وأخرى تسمى قبيلة في أُطُر شكلية تتحكم قهريا بكل شيء لتفرض صراعات مصالح متناحرة.
ومما تكشفه التجربة أو النموذج العراقي اليوم من سمات وآليات اشتغال ومناهجه ذاك التمييز الوظيفي بين أبناء الطوائف من أتباع الديانات والمذاهب في الحقوق والواجبات، الأمر الذي أدى ويؤدي لغياب المساواة وضياع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة والعيش بكنف اجترار الصراعات التاريخية تبريراً للرؤية الطائفية وتمترسها خلف مصالح تدعي دفاعها عن طائفة أو أخرى. وزيادة وإمعاناً أو إيغالا أكثر في التناحرات الطائفية بقصد تكريس سلطة الطائفية وقواها يُستعمل الخطاب الطائفي لاختلاق وجود شعبي واسع وقاعدة جماهيرية تتماهى مع تلك السلطة ونهجها وتجد فيها ما يسد جانبا من مطالبها المصطنعة وهذا ما يواصل التغطية على إخفاقات الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويتستر على الأسباب الحقيقية للأزمات التي تعصف بالناس الذين لا يجدون سببا لتنظيم أنفسهم أو الالتفاف حول قيادة واعية وبرامج تلبي حل معضلاتهم المستفحلة بقدر ما يلجأ الأفراد وما يضارعهم وجوديا إلى الأمور القدرية الغيبية بتفسير أوضاعهم وإلى ممثليها المزعومين ليكونوا مرجعا فكريا لا يملك فعليا سوى الإيهام بأضاليل وأباطيل ما أنزل بها دين أو معتقد من سلطان!
وفي ضوء الرؤية الطائفية لا يجري تهميش الطبقي وتنحيته فما يقاوم منه يجري تشويهه بالتكفير بكل مستوياته وأشكالها وذرائعه ولكن أبعد من ذلك لا وجود للدولة مثلما توجد فعليا ميدانيا على الأرض إمارات يتحكم بها كربتوقراط ديني هو الأشد والأوسع فسادا في التاريخ البشري وتتقيد سمات المواطنة مقابل صعود نجم الطائفية وخرافات قراءاتها ورؤاها الفكرية المختلطة عن قصد وعمد بالاعتقاد الديني ما يقسم المواطنين ومجمل المجتمع بين فئات غير التركيبة الطبقية أو التي يتبدلون بها تلك التركيبة والأنكى أن مؤسسات الدولة بين الخواء والتفريغ وبين التعطيل حتى بأدائها الشكلي البعيد عن وظيفتها الأصل تصير خارج فلسفة وجود دولة حديثة لتقوم بدور مخادع يخدم وجود طبقة مستفيدة تبيع وتشتري بكل شيء وضمنا الإنسان الذي يعد لعبودية من نمط أو جوهر جديد وتسمية مختلفة.. هنا ما يتبقى من الدولة لا يمكنه أن يحمي المواطن فاعلا يمكنه الدفاع عن وجوده بمعنى يسلبه لا من حقوقه ومطالبه وحاجاته بل يلسبه من قيمته بوصفه إنسانا حرا وابن عصر الحقوق والحريات..
مثل هذه التوصلات ومخرجاتها تدفع بالحتم نحو ارتكاب أشد أشكال العنف والفتنة فتكا ودموية مع اختلاق بيئة خصبة للتفرقة العنصرية والنزاعات الداخلية وعنفها المسلح. وهنا تغيب سبل العيش بكنف الديموقراطية ومؤسساتها وآليات وجودها حيث الاختيارات لا تعود للبرامج وللبنى الطبقية المعاصرة بقدر ما تعود لفروض قهرية تجسد عبودية العصر وأحابيل مناهجها لتحيل الطائفية نفسها التي يستند المواطن إليها على أقل تقدير في تفريغ ضغوط آلامه ومواجعه بل فواجعه؛ تحيلها إلى سجن واسع ليس رمزيا بل سجن الإنسان في بوتقة الخرافة التي تنتزع طاقاته الاجتماعية لتمنع فرص تطوره وتنميته وتقدم مؤسسات دولته واغتناء منظوماتها ما يعني أن الصراع اليوم برؤية طبقية يجابه طحنا من قدرات الرؤية الطائفية بامتلاكها سلاح العنف وهمجية الخرافة واندفاع طبقة الكربتوقراط الديني لشهوات وغرائز جهنمية عدوانية بلا حدود..
ولأن المعالجة كلية شاملة فإنها تؤكد عدم الاكتمال مثلما تؤكد تطلعها للإجابة عن أسئلة: إذن، ما العمل؟ وبمَ نبدأ؟ وفي ضوء فهم الرؤيتين الطبقية والطائفية ما جوهر الصراع القائم؟ وما مسارات استعادة طبقة عاملة منتجة وآليات تنظيمها وتنظيم تحالفاتها في ضوء المتاح واقعيا اليوم؟؟
كل عام وشغيلة الوطن والعالم بقدرات أكثر تمكنا في الاقتراب من الانعتاق والتحرر كل عام وحزب الشغيلة، الحزب الشيوعي وجموع النقابات العمالية تتقدم الصفوف إلى حيث الأهداف الإنسانية الأسمى.