كتب مدير تحرير مجلة البعد الخامس، شادي منصور، متسائلًا: كيف يمكن للشمس أن تشرق من دون صوت فيروز؟
السؤال، في ظاهره، بسيط؛ لكنه في جوهره استدعاء لذاكرة جيلٍ كامل. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، لم يكن الصباح في عالمنا العربي مجرد توقيتٍ زمني، بل طقسًا يوميًا له نبرته الخاصة، وكانت فيروز هي تلك النبرة. صوتٌ يسبق الضوء أحيانًا، ويمنح النهار معناه قبل أن تبدأ تفاصيله.
في البيوت، كانت النوافذ تُفتح على أغنياتها، وفي المدارس كان الصغار يتعلمون الإصغاء قبل الكلام، وحتى في بعض الثكنات، حيث القسوة والانضباط، كان ثمة فسحة لصوتها كي يمرّ خفيفًا، فيمنح الصباح شيئًا من إنسانيته. لم يكن الأمر مجرد أغنيات، بل تربية ذائقة، وبناء حسّ، وإيقاع حياة.
مع الرحابنة، لم تكن التجربة مجرد نجاح فني، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا أعاد تشكيل الوجدان العربي. مزجوا الفولكلور بالحداثة، والقصيدة بالمسرح، فخرج صوت فيروز محمّلًا بذاكرة المكان وروح الحلم. وهكذا، تحولت من مطربة إلى أيقونة، ومن صوت إلى فكرة تقيم في الوعي الجمعي.
لكن السنوات الأخيرة حملت إيقاعًا مختلفًا. تبدّلت الأصوات، وارتفع الضجيج، وتراجع ذلك الصفاء الذي كان يرافق البدايات. صار الصباح أكثر خشونة، وأقرب إلى الفوضى منه إلى الطقس الهادئ الذي ألفناه. لم تعد الموسيقى مساحة للتأمل، بل غدت، في كثير من الأحيان، مصدرًا إضافيًا للتشويش.
في بلداننا، يبدو المشهد أكثر قسوة؛ كأن الشمس نفسها أصابها وهنٌ خفي، فلم تعد تشرق بذلك الصفاء القديم. ومع هذا التحول، يعود السؤال ليطرق الذاكرة بإلحاح: ماذا خسرنا حين فقدنا ذلك الصوت الذي كان يعلّمنا كيف يبدأ النهار؟
ربما لا نحتاج أكثر من استعادة هذا المعنى البسيط: أن يكون للصباح نبرة، وللضوء ذاكرة، وللحياة إيقاعٌ أقل صخبًا… وأكثر إنسانية.
صباحكم فيروزي.