اخر الاخبار

التطور التاريخي لاختيار رئيس الوزراء في النظم البرلمانية

مرت طريقة اختيار رئيس الوزراء بمراحل وأشكال متعددة، ارتبطت جميعها بالخلفية التاريخية التي نشأ عليها النظام البرلماني في بريطانيا، والذي انتشر منه هذا النظام إلى مختلف الدول، مع إدخال كل دولة تعديلات عليه بما يتلاءم مع خصائصها الوطنية وتطور أوضاعها السياسية. والأصل في هذا النظام أن رئيس الدولة يتمتع بحرية اختيار من يشاء لرئاسة الحكومة، ولا يقيّده في ذلك سوى واقع الحياة الحزبية؛ إذ يتمتع بقدر كبير من الحرية عند غياب التنظيم الحزبي، وتضيق هذه الحرية بوجود تعددية حزبية، إلا أنها تتقلص إلى حدٍّ كبير حين يتقاسم العمل السياسي حزبان قويان، حيث يُضطر رئيس الدولة عندئذٍ إلى اختيار رئيس الوزراء من الحزب الحائز على أغلبية المقاعد البرلمانية، وغالباً ما يكون هذا الشخص زعيم الحزب نفسه (د. منذر الشاوي، القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية العراقية، 1966، ص 179).

تراجع الدور الشكلي لرئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية المعاصرة

وحتى هذا الدور الشكلي لرئيس الدولة في اختيار رئيس مجلس الوزراء قد تلاشى في بعض الأنظمة البرلمانية المعاصرة، إذ انتقلت هذه الصلاحية إلى البرلمان بصورة مباشرة. ففي السويد، خرج الدستور الجديد الصادر في كانون الثاني/يناير 1974 على النموذج البرلماني التقليدي، وأناط اقتراح ترشيح الوزير الأول برئيس مجلس النواب، ويُعرض هذا الترشيح على البرلمان للتصويت. فإذا نال المرشح أغلبية الأصوات، يتولى رئيس البرلمان تعيينه وزيراً أولاً. أما إذا لم يحصل على الأغلبية، فيُعاد التصويت، وتُجرى عملية الاقتراع لما لا يزيد على أربع مرات، فإذا أخفق المرشح في نيل الثقة، عُدّ البرلمان منحلاً بحكم الدستور. وبذلك لم يعد للملك السويدي أي دور، ولو شكلي، في اختيار رئيس مجلس الوزراء (محمد قدري حسن، رئيس مجلس الوزراء في النظم البرلمانية المعاصرة، 1986، ص 39).

الانتخابات العامة وأزمة التمثيل في التجربة العراقية

تمثل الانتخابات العامة في الأنظمة الديمقراطية الأداة الأساسية التي يُعبّر من خلالها الشعب عن إرادته في اختيار من يحكمه. غير أن التجربة العراقية، منذ إقرار دستور عام 2005، كشفت عن فجوة متزايدة بين نتائج الاقتراع الشعبي وآلية تشكيل السلطة التنفيذية، بما أفضى عملياً إلى إفراغ العملية الانتخابية من مضمونها الحقيقي. وتكمن جذور هذه الإشكالية في التفسير الملتبس للمادة (76) من الدستور العراقي، الأمر الذي يستدعي تدخلاً تشريعياً يعيد الاعتبار لصوت الناخب.

الإطار الدستوري للمادة (76) وإشكالية الغموض

تنص المادة (76/أولاً) من الدستور العراقي على أن: «يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء». ورغم وضوح النص في ظاهره، إلا أن عبارة “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” لم تُحدَّد على نحو قاطع، مما أثار تساؤلاً حول ما إذا كانت تعني الكتلة الفائزة في الانتخابات، أم تلك التي تتشكل لاحقاً داخل مجلس النواب، وهو ما فتح الباب أمام اجتهادات متعارضة.

تفسير المحكمة الاتحادية العليا والجدل الفقهي

ذهبت المحكمة الاتحادية العليا في تفسيرها الصادر عام 2010 إلى أن الكتلة النيابية الأكثر عدداً قد تكون تلك التي تتشكل بعد الانتخابات من خلال تحالف عدة كتل داخل البرلمان. ورغم اكتساب هذا التفسير صفة الإلزام القضائي، إلا أنه أثار العديد من الملاحظات في أوساط الفقه الدستوري، حيث يرى اتجاه معتبر أن التفسير الأقرب إلى منطق النص وروحه هو اعتبار الكتلة الفائزة بأعلى عدد من الأصوات هي المعنية بتشكيل الحكومة، انسجاماً مع مبدأ الإرادة الشعبية (د. أحمد خورشيد حميدي، السلطة التنفيذية بموجب الدستور العراقي لسنة 2005، 2012، ص 19).

الآثار العملية للتفسير القضائي على الواقع السياسي العراقي

انعكس هذا التفسير سلباً على الواقع السياسي العراقي في الدورات الانتخابية المتعاقبة، إذ بات من المألوف أن تُعلن نتائج الانتخابات، ثم تُعقد اجتماعات مغلقة بين قادة الأحزاب للاتفاق على مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، بغض النظر عن الأصوات التي حصل عليها، أو حتى مشاركته في الانتخابات، وهو ما أدى أحياناً إلى تكليف شخصيات لم تخض السباق الانتخابي أصلاً.

تآكل الثقة الشعبية وتكريس منطق التوافق

أفرغت هذه الممارسة الانتخابات من قيمتها الجوهرية، ورسخت لدى المواطن قناعة بعدم جدوى صوته، مما أسهم في تراجع نسب المشاركة، واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، فضلاً عن تكريس منطق التوافقات السياسية على حساب مبدأ الأغلبية.

الضرورة التشريعية لتفعيل مبدأ السيادة الشعبية

تبرز، إزاء ذلك، الحاجة الملحّة إلى تشريع قانون ينظم آلية تكليف رئيس مجلس الوزراء بما ينسجم مع مبدأ السيادة الشعبية، من دون تعديل النص الدستوري ذاته، بوصف أن الدستور لا يمنح الشرعية إلا لمن يحوز ثقة الشعب.

الأساس الديمقراطي وملامح القانون المقترح

يقوم التشريع المقترح على ربط الحق في تشكيل الحكومة بنتائج الانتخابات مباشرة، بتكليف مرشح الحزب أو القائمة الحاصلة على أعلى عدد من الأصوات، مع تحديد مدد زمنية واضحة، وتقييد تكليف غير المشاركين في الانتخابات، وعدم الانتقال إلى كتل أخرى إلا عند الفشل الدستوري الصريح. 

الخاتمة

إن استمرار العمل بالتفسير الحالي للمادة (76) لا يمثل إشكالاً قانونياً فحسب، بل تهديداً مباشراً لجوهر النظام الديمقراطي في العراق. ومن ثم، تقع مسؤولية تصحيح المسار على عاتق المشرّع والقوى السياسية والرأي العام، عبر الدفع نحو تشريع يعيد الاعتبار لصوت الناخب، ويؤكد أن الشرعية السياسية تُستمد من صناديق الاقتراع لا من التوافقات المغلقة.

ــــــــــــــ

* رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية