اخر الاخبار

أعظم شاعر في تاريخ البلاد الحديث، وواحد من أعظم شعراء اللغة العربية، يقدّم الشاي لرئيس الوزراء الحالي، الجالس خلف مكتبه. الشاعر ليس على قيد الحياة. ولكنها الطفرة الهائلة في التكنولوجيا وآخر إنجازاتها، الذي يسمّى (زوراً أحياناً) «الذكاء الاصطناعي»، هو الذي يستقدم الشاعر الكبير ويظهره حيّاً في مقطع عابر في إعلان ترويجي أنتجته شركة «بانا ماركِتِنغ» (المفردة الأخيرة أرقى وأفصح من «تسويق»، طبعاً، وتوحي بالحداثة والتقدّم الحضاري). والبلد الذي يحفل بالعجيب والغريب من هذا وكثير غيره، هو العراق. والشاعر هو محمد مهدي الجواهري (1899-1997). يظهر في الإعلان أيضاً نوري السعيد (1888- 1958) وهو يقدم الشاي لمحمد الحلبوسي، رئيس حزب «تقدّم».

تحفل وسائل التواصل اليوم بملايين النصوص البصرية، والمشاهد التي يختلط فيها الحابل بالنابل، وتتداخل فيها الشخصيات والحقب المستعارة من سياقات ومدونات متضاربة ومتناقضة. وكل ذلك يمتزج في محاكاة قد تكون هزليّة أو جديّة. إذ تختلف نوايا وأهداف منتجي ومروجي هذه النصوص ومقاصدهم، من مزح ونزوات عابرة وعبث بريء، إلى ما يخلو بلا شك من البراءة، ويمكن وضعه في خانة النقد السياسي والثقافي والاجتماعي والأمثلة كثيرة.

وهناك بالطبع الإعلانات الترويجية لأغراض سياسية واستهلاكية، التي تنتجها شركات مختصّة. ويفترض أن يكون الإعلان الذي نحن بصدده من هذه الأخيرة، لكنه يفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب من الحساسيّة والذكاء والذوق. كان مشهد الشاعر وهو يقدم الشاي لرئيس الوزراء الحالي، صادماً وغريباً، وأثار موجة من الغضب والاستهجان في العراق. لكن كاتبة النص، وهي مخرجة ومنتجة الإعلان (وعنوانه «عراق مُوحّد») وصاحبة الشركة المنتجة تفاجأت من ردود الفعل. وظهرت في لقاءات لتدافع عن «فكرتها» وتشرح «رؤيتها» قائلة «إن الإعلان يحمل رسالة وطنية بسيطة تتمثل في الشاي العراقي كرمز للوحدة (يشربه الكل من الشحاذ إلى السياسي، حسب تعبيرها!). وإن استحضار روح الشاعر العراقي الكبير هو لتعزيز الرمزية الوطنية، من دون الإساءة لأي رمز. وأن المعترضين لم يفهموا».

يا لها من فكرة ضحلة ومقاربة سطحية، تعكس جهلاً مخيفاً وأميّة ثقافية ومجانية، وخفّة في التعامل مع رموز البلد وتاريخه. مع حبّي للشاي الممزوج بحب الهال، لكنه قد لا يكون الخيار الأول الذي يخطر على بال الكثيرين لتجسيد وتعزيز «الوحدة العراقية».. أم هل أن الخلافات والانقسامات لم تترك لنا إلا الشاي؟ إعلان رث يختزل تاريخ البلاد ورموزها في مشاهد عابرة.. إعلان آخر عن الحضيض الذي وصلت إليه البلاد، كان بالإمكان إظهار الشاعر الأيقونة بأكثر من طريقة وصيغة مقبولة، ويمكن لها كلّها أن تؤدي الوظيفة الفنيّة التي تقول المخرجة، إنها كانت ترمي إليها، من دون إساءة ولا إسفاف، لكن الشاعر لا يظهر، مثلاً، وهو يلقي بصوته بيتاً من إحدى قصائده الخالدة التي تتغنى بالعراق، والتي تحفظها أجيال من العراقيين عن ظهر قلب، وما يجب الإشارة إليه هو أن الشاعر لا يظهر في حيّزه ومكانه هو، بل أظهر الإعلان رئيس الوزراء جالساً خلف مكتبه، بينما ظهر الشاعر الرمز يأتي له بقدح الشاي، وكأنه أحد أفراد طاقمه، ومن الذين يعملون تحت إمرته.

والمفاجأة هي أن المخرجة نفسها فوجئت من ردود الفعل. قد يكون ذلك لأنها لا تجد غرابة ولا غضاضة في افتراضات النص، الذي كتبته، أو في فكرتها التي ترجمها أسلوبها الرث إلى المشهد الذي أخرجته. وقد يعكس هذا، بدوره، نظرة سائدة ومترسّخة عن العلاقة الطبيعية بين الثقافة وبين السلطة السياسية. ما قد يُفهم من المشهد، هو ألا ضير البتّة، بل من الطبيعي، أن تكون الرموز الثقافية في خدمة السلطة السياسية، وأن تكون الثقافة في خدمة السلطة، تدور في مدارها وتساهم في ترسيخ شرعيتها وتقدم فروض الطاعة والولاء لها ولرموزها.

وهذا هو الحال عموماً والاستثناءات قليلة، فهناك أفواج من المثقفين والمستشارين، ومن الكتبة والإعلاميين، الذين يبرعون ويتنافسون في مهارات وطقوس «تقديم الشاي» إلى الطبقة الحاكمة أمام الملأ، ويعملون في طواقم من يجلسون خلف المكاتب. ومن هؤلاء من كان يمارس هذه الطقوس قبل 2003 ويدبّج القصائد في تمجيد القائد، أو يكتب المقالات التي تحتفي بالحزب والثورة والحكم آنذاك، وتحولوا بمهارة وبمرونة لتقديم الشاي إلى رموز النظام الجديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

"القدس العربي" – 21 شباط 2026