المقدمة
تُعدّ عبارة «الدين أفيون الشعوب» المنسوبة إلى كارل ماركس من أكثر العبارات الفلسفية التي غادرت سياقها التاريخي والمعرفي لتعيش حياة مستقلة بوصفها شعارًا أيديولوجيًا يُستخدم في الهجوم على الدين أكثر مما يُستخدم في فهم النص الذي وُلدت فيه، وقد تحولت هذه الجملة القصيرة، بفعل الاقتطاع والتكرار، إلى أداة صدام بين أنصار التدين وخصومه، حتى بدا وكأنها حكم نهائي على الدين بوصفه وهمًا أو خداعًا أو أداة تخدير جماعي، بينما القراءة الدقيقة للنص الذي وردت فيه تكشف أنها كانت جزءًا من تحليل اجتماعي وفلسفي أوسع بكثير يتعلق بعلاقة الإنسان بالمعاناة التاريخية وبالبنية الاجتماعية التي تُنتج القهر والاغتراب، لا بعلاقة الإنسان بالله بوصفها قضية ميتافيزيقية خالصة، ومن هنا تنبع ضرورة هذا الكتاب الذي لا يهدف إلى الدفاع الأيديولوجي عن الماركسية ولا إلى مجادلة لاهوتية حول صحة الإيمان أو بطلانه، بل يسعى إلى مهمة معرفية محددة هي إعادة العبارة إلى سياقها الأصلي داخل نص مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل، وبيان ما كان يقصده ماركس فعلًا عندما استخدم هذه الاستعارة، ثم فحص حدود هذا التحليل عندما يُنقل من سياقه الأوروبي في القرن التاسع عشر إلى أديان أخرى وبخاصة الإسلام، إذ إن الإشكال الأكبر لم ينشأ من نص ماركس ذاته بقدر ما نشأ من الطريقة التي أُعيد بها استخدام عبارته خارج شروطها التاريخية والاجتماعية لتصبح حكمًا عابرًا للثقافات والأزمنة، مع أن الرجل كان يتحدث عن واقع محدد هو أوروبا الصناعية الناشئة حيث كان الفقر والاستغلال والاغتراب يشكلون الإطار اليومي لحياة ملايين البشر، وكانت الكنيسة جزءًا من البنية الرمزية التي تمنح المعنى لهذا الواقع دون أن تغيّره جذريًا، فرأى أن الدين يعمل في مثل هذه الظروف بوصفه تعبيرًا عن الألم واحتجاجًا رمزيًا عليه وفي الوقت نفسه وسيلة لتسكينه، ومن هنا جاءت استعارة الأفيون التي كانت في زمنه تُفهم أساسًا بوصفها مسكنًا طبيًا للألم لا مادة للإدانة الأخلاقية، غير أن انتقال العبارة إلى فضاءات ثقافية أخرى، وخصوصًا إلى المجال الإسلامي، جرى دون فحص الفروق الجوهرية بين دين يعمل بوصفه عزاءً داخل بنية اجتماعية ثابتة، ودين يقدّم نفسه في نصوصه التأسيسية بوصفه مشروعًا تشريعيًا وأخلاقيًا لإقامة العدل وتنظيم الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية ومنع الاستغلال، وهو فرق حضاري عميق يجعل تعميم التحليل الماركسي على الإسلام تعميمًا غير دقيق من الناحية العلمية، ومن هنا تأتي الفكرة المركزية لهذا الكتاب التي يمكن تلخيصها في أن عبارة ماركس تصف وظيفة اجتماعية للدين داخل سياق تاريخي محدد، لكنها لا تصلح حكمًا ميتافيزيقيًا على الدين في ذاته، ولا توصيفًا لازمًا لكل تجربة دينية، وأن إنصاف ماركس يقتضي قراءة نصه كاملًا لا شعاره المبتور، كما أن إنصاف الإسلام يقتضي فهمه من داخله بوصفه منظومة قيم وتشريع وبناء حضاري لا مجرد ملاذ نفسي للمقهورين، وبين هذين الإنصافين يحاول هذا الكتاب أن يفتح مجالًا لحوار معرفي يتجاوز السجال الأيديولوجي، فيضع العبارة في مكانها الصحيح داخل تاريخ الفكر، ويمنع استخدامها كسلاح تبسيطي في معارك الهوية، ويعيد النقاش إلى مستواه الفلسفي والاجتماعي حيث تُفهم الأفكار في سياقاتها وتُقاس بحدودها، لا تُحوَّل إلى شعارات عابرة للزمن والثقافة
المحور الأول.. النص الأصلي الذي لم يقرأه أحد
يرد المقطع الذي اشتهر منه قول «الدين أفيون الشعب» داخل فقرة تحليلية متصلة في نص مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيغل الذي كتبه كارل ماركس سنة 1844، وقد جاء هذا النص تمهيدًا فلسفيًا لنقد البنية السياسية والاجتماعية التي كانت سائدة في المجال الألماني–الأوروبي، وهو نص جدلي يشتبك مع فلسفة هيغل ومع واقع الدولة والكنيسة والمجتمع، ولا يظهر فيه المقطع بوصفه حكمًا منفصلًا أو شعارًا، بل جزءًا من بناء حُجّة يصف علاقة الدين بالمعاناة الاجتماعية والاغتراب التاريخي، ومن ثم فإن أول خطوة لفهم العبارة هي إعادتها إلى موضعها داخل هذا النسيج النصي حيث تتوالى الجمل في تدرّج دلالي يبدأ بوصف المعاناة وينتهي بالاستعارة الطبية.
النص الألماني الكامل للمقطع كما يورده ماركس هو:
Die religiöse Not ist zugleich der Ausdruck der wirklichen Not und zugleich der Protest gegen die wirkliche Not. Die Religion ist der Seufzer der bedrängten Kreatur, das Gemüt einer herzlosen Welt, wie sie der Geist geistloser Zustände ist. Sie ist das Opium des Volkes.
وترجمتها حسب الذكاء الاصطناعي: «المعاناة الدينية هي في الوقت نفسه تعبير عن المعاناة الواقعية، وهي في الوقت نفسه احتجاج على المعاناة الواقعية. الدين هو تنهّد الكائن المقهور، وهو وجدان عالمٍ بلا قلب، كما أنه روح أوضاعٍ بلا روح. إنه أفيون الشعب."
وهذا الترتيب ليس عارضًا، إذ يبدأ بربط «المعاناة الدينية» بالمعاناة الواقعية ربطًا مزدوجًا بوصفها تعبيرًا عنها واحتجاجًا عليها في آنٍ واحد، ثم ينتقل إلى تصوير الدين بوصفه تنهّدًا وعاطفةً وروحًا لعالم فاقد للرحمة والمعنى، ثم يختم بالاستعارة التي شبّهته بالأفيون، وبذلك يكون التشبيه نتيجةً لتراكم توصيفات إنسانية لا مدخلًا للهجوم.
أما التحليل اللغوي للمفردات المحورية فيُظهر عمق البناء الدلالي الذي يضيع عند الترجمة المبتسرة، فكلمة Seufzer تعني التنهّد أو الزفرة التي يطلقها المتألم، وهي صورة صوتية–وجدانية للألم لا تعبيرًا عن الخداع أو الوهم، وكلمة herzlosen Welt تعني «عالم بلا قلب» أي عالم قاسٍ فاقد للرحمة، وهو توصيف أخلاقي–اجتماعي للواقع لا للدين، وكلمة Geist التي ترد في عبارة «Geist geistloser Zustände» تعني الروح أو المبدأ الحيوي أو المعنى الداخلي، ويصف بها الدين بوصفه الروح لأوضاع بلا روح أي أنه يمنح معنى لواقع فاقد للمعنى الإنساني، ثم تأتي كلمة Opium التي كانت في القرن التاسع عشر تشير أساسًا إلى مسكن الألم الطبي الذي يخفف المعاناة دون أن يزيل أسبابها، فتأخذ الاستعارة هنا طابعًا علاجيًا لا أخلاقيًا، وأخيرًا كلمة Volk التي تعني الشعب أو العامة بوصفهم الجماعة البشرية الواقعة داخل شروط اجتماعية تاريخية محددة، لا الأمة القومية بالمعنى السياسي الحديث، وبذلك يكون المعنى الكامل للجملة أن الدين يعمل داخل مجتمع مأزوم بوصفه تنهّد المقهور وعاطفة عالم بلا قلب وروح واقع بلا روح ومسكنًا لآلام الناس، وهو توصيف وظيفي لدور الدين في سياق تاريخي محدد، لا حكمًا ميتافيزيقيًا على حقيقة الإيمان ولا إدانة أخلاقية للمتدينين، ومن هنا يتضح أن القراءة المجتزأة التي تقتطع «الأفيون» من شبكة هذه المفردات تُفقد النص بنيته الإنسانية التحليلية وتحوله إلى شعار لم يقصده صاحبه.
المحور الثاني.. ما الذي كان ينتقده ماركس حقًا؟
حين كتب كارل ماركس تحليله الذي اشتهر منه وصف الدين بأنه «أفيون الشعب» لم يكن يخوض سجالًا لاهوتيًا حول وجود الله أو بطلان العقائد، بل كان يوجّه نقده إلى الواقع التاريخي الملموس الذي تشكّل في أوروبا الصناعية المبكرة حيث تراكمت الثروة في أيدي قلة ضيقة بينما كانت الكتلة الكبرى من الناس تعيش أوضاعًا قاسية من الفقر وساعات العمل الطويلة وانعدام الضمانات الاجتماعية والاغتراب عن العمل والحياة، وقد رأى أن هذا الواقع لا يجرّد الإنسان من وسائل العيش الكريم فحسب بل يجرّده من الإحساس بالمعنى والسيطرة على مصيره، فيتحول إلى كائن يعمل داخل نظام لا يفهمه ولا يملك توجيهه، ومن هنا كان نقده موجّهًا إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تُنتج هذا الاغتراب لا إلى الإيمان بوصفه تجربة داخلية.
وفي هذا السياق كانت الكنيسة جزءًا من النظام الاجتماعي القائم، إذ كانت تمنح العالم معنى أخلاقيًا وروحيًا وتدعو إلى الصبر وتعد بالعدالة في الآخرة، لكنها في الغالب لم تكن قادرة على تغيير الشروط المادية التي تصنع البؤس، فبدا لماركس أن الدين يؤدي وظيفة مزدوجة هي أنه يعبّر عن ألم الإنسان واحتجاجه الرمزي على القسوة التي يعيشها، وفي الوقت نفسه يوفّر له عزاءً يخفف وقع هذه القسوة دون أن يزيل جذورها، ولذلك لم يقدّم الدين بوصفه مصدر الظلم بل بوصفه استجابة إنسانية لوضع ظالم، أي أن العلاقة عنده ليست علاقة سبب ونتيجة بين الدين والبؤس بل علاقة تعبير وعَرَض، فالمجتمع المأزوم يلد حاجة روحية عميقة، وهذه الحاجة تتجسد في الدين بوصفه لغة للمعنى حين يعجز الواقع عن توفير المعنى.
ومن هنا يمكن فهم فكرته الأساسية على أن الدين، في ظروف القهر التاريخي، يعمل بوصفه عزاءً للمقهورين يمنحهم القدرة على التحمّل ويعيد تركيب عالمهم الداخلي عندما ينهار عالمهم الخارجي، لكنه لا يعالج الأسباب البنيوية التي تجعل هذا العزاء ضروريًا، ولذلك كان يرى أن الاقتصار على نقد الدين مع ترك البنية الاجتماعية على حالها لا يغيّر شيئًا جوهريًا، لأن الدين عنده عَرَض لحالة أعمق، فإذا لم يُعالج المرض بقيت الحاجة إلى العَرَض، أما إذا تغيّرت الشروط التي تُنتج البؤس فإن وظيفة الدين التعويضية تتراجع أو تتحول، وبذلك يكون نقده موجّهًا إلى النظام الاجتماعي الذي يصنع عالمًا بلا قلب لا إلى الإنسان الذي يبحث عن قلب ومعنى داخل هذا العالم.
المحور الثالث.. مفهوم الدين عند ماركس — تحليل وظيفي لا لاهوتي
ينبغي لفهم موقع الدين في فكر كارل ماركس أن نميّز منذ البداية بين مستويين مختلفين تمامًا هما المستوى اللاهوتي الذي يبحث في صدق العقائد ووجود الله وطبيعة الوحي، والمستوى الاجتماعي التاريخي الذي يدرس كيف يعمل الدين داخل بنية المجتمع وفي حياة البشر الواقعية، فماركس في النص الذي صدرت عنه عبارته الشهيرة لم يكن يكتب في علم الكلام ولا في فلسفة الدين الميتافيزيقية، بل كان يمارس تحليلًا وظيفيًا يصف الدور الذي يؤديه الدين داخل واقع اجتماعي مأزوم، ومن هنا فإن سؤالَه لم يكن هل الدين حق أم باطل، بل لماذا يحتاج الناس إلى الدين، وكيف يتشكّل هذا الاحتياج داخل شروط القهر والاغتراب.
في هذا الإطار يظهر الدين عنده أولًا كتعبير عن المعاناة، فالمعاناة الدينية ليست وهمًا مستقلًا عن الواقع بل انعكاس للمعاناة الفعلية التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية، وعندما يصف الدين بأنه «تنهّد المخلوق المقهور» فإنه يلتقط لحظة إنسانية عميقة هي لحظة الزفرة التي تخرج من الصدر حين يعجز الإنسان عن تغيير ما حوله، وهذه الزفرة ليست خداعًا بل إشارة صادقة إلى الألم، ولذلك يكون الدين في هذا المستوى لغة وجدانية تعبّر عن اختلال التوازن بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه.
غير أن هذا التعبير لا يقف عند حدود الشكوى، بل يتحول إلى احتجاج رمزي على الواقع، فالدين لا يكتفي بتسجيل الألم بل يعلن، من خلال تصوّراته عن العدل والرحمة والجزاء، أن العالم كما هو ليس هو الصورة النهائية لما ينبغي أن يكون، وبذلك يحمل في داخله بعدًا نقديًا موجّهًا إلى الواقع القائم حتى وإن لم يتحول هذا النقد دائمًا إلى فعل سياسي مباشر، ومن هنا فإن ماركس يرى في الدين مفارقة مزدوجة هي أنه يخفف الألم ويُبقي الإنسان قادرًا على الاحتمال، وفي الوقت نفسه يكشف، من خلال رؤيته المثالية للعدل والمعنى، عن نقص العالم الواقعي وقسوته.
وهنا يظهر الفرق الحاسم بين الوصف الاجتماعي والحكم العقائدي، فماركس يصف كيف يعمل الدين داخل المجتمع ولا يصدر حكمًا على حقيقته الميتافيزيقية، فهو لا يقول إن الإيمان بالله مستحيل عقليًا أو إن العقائد الدينية زائفة منطقيًا، بل يقول إن الدين يؤدي وظيفة محددة داخل بنية اجتماعية معينة، وهذه الوظيفة يمكن دراستها مثلما تُدرس أي ظاهرة اجتماعية أخرى، ومن ثم فإن تحويل تحليله الوظيفي إلى حكم عقدي عام على صدق الدين أو بطلانه هو نقل للكلام من مجاله إلى مجال آخر لم يكن هو موضوع بحثه، وبهذا المعنى فإن فهم مفهوم الدين عند ماركس يقتضي إبقاءه داخل حدوده بوصفه تحليلًا اجتماعيًا لتجربة دينية في سياق تاريخي، لا فتوى فلسفية نهائية في شأن الإيمان ذاته.
المحور الرابع.. حدود معرفة ماركس بالأديان غير المسيحية
عند الانتقال من تحليل كارل ماركس للدين داخل السياق الأوروبي إلى السؤال عن مدى انطباق رؤيته على أديان أخرى، وبخاصة الإسلام، تظهر حدود معرفية واضحة ينبغي الاعتراف بها قبل إصدار أي حكم، فماركس لم يكن باحثًا في تاريخ الأديان المقارن، ولم يتلقَّ تكوينًا علميًا في الدراسات الإسلامية أو في اللغات الشرقية، وكانت معارفه بالعالم غير الأوروبي تمر غالبًا عبر كتابات رحّالة ومستشرقين وتقارير سياسية واقتصادية، أي عبر مصادر وسيطة تعكس منظور أوروبا إلى الشرق أكثر مما تعكس البنية الداخلية لتلك المجتمعات.
معرفته بالإسلام تحديدًا كانت معرفة عامة ومجزأة، ولم يكتب دراسة منهجية في العقيدة أو الفقه أو الفكر الإسلامي، بل كان اهتمامه بالشرق يتصل أساسًا بقضايا الاستعمار، وأنماط الإنتاج، والعلاقات الاقتصادية، كما يظهر في بعض مقالاته الصحفية عن الهند أو الدولة العثمانية، وهذا يعني أن تحليله لوظيفة الدين تشكّل انطلاقًا من تجربة تاريخية محددة هي المسيحية الأوروبية داخل مجتمع صناعي ناشئ، لا من دراسة مقارنة شاملة لأنماط التدين في الحضارات المختلفة، ومن ثم فإن تعميم هذا التحليل على الإسلام أو غيره يفترض معرفة لم تكن متوفرة لديه فعلًا.
كما أن غياب الدراسة المقارنة للأديان جعله يتعامل مع «الدين» بوصفه فئة تحليلية عامة دون تفصيل كافٍ للفروق البنيوية بين الأديان، فالدين في أوروبا القرن التاسع عشر كان في جانب منه مرتبطًا بمؤسسة كنسية لها موقع خاص في النظام الاجتماعي والسياسي، بينما الإسلام، في نصوصه التأسيسية وتاريخه المبكر، يقدّم نفسه بوصفه منظومة تشريعية وأخلاقية ومجتمعية متداخلة مع تنظيم الحياة اليومية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وهذا الاختلاف في البنية والوظيفة يجعل النقل المباشر لتحليل ماركس من السياق الأوروبي إلى السياق الإسلامي نقلًا يتجاهل الفوارق الحضارية.
ومن هنا يظهر الخطأ المنهجي في تعميم تحليله الأوروبي، لأن كل تحليل اجتماعي يرتبط بشروطه التاريخية، فإذا أُخذ خارج هذه الشروط دون إعادة بناء المفاهيم وفق السياق الجديد تحول إلى إسقاط، أي إلى تطبيق إطار تفسيري صُمّم لواقع محدد على واقع مختلف في بنيته ومفاهيمه ووظائف مؤسساته، ولذلك فإن إنصاف ماركس يقتضي الاعتراف بأن تحليله كان موجّهًا إلى الدين كما كان يعمل داخل أوروبا الحديثة، كما أن إنصاف الإسلام يقتضي عدم إخضاعه لوصف وُضع ابتداءً لتجربة دينية أخرى، وبهذا الفهم يصبح التفريق بين حدود التحليل الماركسي ومجاله التاريخي خطوة ضرورية لمنع تحويل فكرة جزئية إلى حكم شامل لا يستند إلى دراسة مقارنة فعلية.
المحور الخامس.. الدين في الإسلام — ليس عزاءً بل مشروعًا
عند الانتقال من التحليل الوظيفي الذي قدّمه كارل ماركس للدين داخل سياق أوروبي محدد إلى البنية الداخلية للدين في الإسلام يتبيّن أن الاختلاف لا يقتصر على التفاصيل بل يمسّ طبيعة الوظيفة ذاتها، لأن الإسلام لا يقدّم نفسه في نصوصه التأسيسية بوصفه عزاءً روحيًا يواسي الإنسان في عالم لا يتغير، بل بوصفه منهجًا شاملًا لتنظيم الحياة يربط بين العقيدة والتشريع والأخلاق والنظام الاجتماعي، بحيث لا يبقى الدين في مستوى الشعور الفردي بل يتحول إلى إطار مرجعي يُنتج قواعد للسلوك ويؤسس مؤسسات ويضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
فالدين في الإسلام منهج تشريعي يضع أحكامًا تنظّم المعاملات والملكية والعمل والعقود والعلاقات الأسرية والحقوق والواجبات، وبذلك ينتقل من المجال الوجداني إلى المجال المؤسسي، فلا يكتفي بتخفيف الألم بل يسعى إلى إزالة أسبابه من خلال قواعد تُقيّد السلطة وتضبط السوق وتحدّد المسؤوليات، وهو ما يفتح الطريق أمام تصور للعدل الاجتماعي بوصفه مقصدًا دينيًا لا مجرد مطلب دنيوي، إذ يرتبط الإيمان بالالتزام بالقسط ومنع الظلم وإعطاء الحقوق، ويُنظر إلى الظلم لا كخلل سياسي فقط بل كاختلال أخلاقي وديني.
ومن هذا المنطلق يبرز مبدأ منع الاستغلال بوصفه عنصرًا بنيويًا في الرؤية الإسلامية، فتنظيم الملكية وتحريم صور من الكسب غير المشروع ووضع ضوابط للعقود والتبادل يهدف إلى منع تحويل الإنسان إلى وسيلة للربح المجرد، أي إلى الحد من الآليات التي تُنتج الفقر والاغتراب، وهو ما يجعل الدين هنا فاعلًا في بنية الاقتصاد لا مجرد مفسّر لمعاناة نتائجه، كما يتجلى التكافل في صورة نظام اجتماعي يعترف بمسؤولية المجتمع تجاه أفراده من خلال آليات مؤسسية وأخلاقية تعيد توزيع الموارد وتربط الغني بالفقير في علاقة واجب لا تفضّل، وبذلك يتحول التضامن من شعور أخلاقي عام إلى جزء من النظام.
وعبر هذا كله يجري تحويل القيم إلى نظام حياة، فالقيم كالعدل والرحمة والأمانة لا تبقى شعارات بل تُترجم إلى قواعد وإجراءات وممارسات يومية، وهو ما يمنح الدين وظيفة تأسيسية في بناء المجتمع لا وظيفة تعويضية عن عجزه، ومن هنا يتضح أن وصف الدين بأنه مسكن للألم قد يصدق على حالات تاريخية معينة حين ينفصل الدين عن تنظيم الواقع، لكنه لا يحيط بطبيعة الدين في الإسلام حين يعمل بوصفه مشروعًا لإقامة العدل وتنظيم الحياة على أساس قيمي وتشريعي، وبذلك يظهر الفرق بين دين يُستدعى لتفسير المعاناة ودين يُستدعى لإعادة بناء الشروط التي تنتجها.
المحور السادس.. لماذا لا تنطبق عبارة ماركس على الإسلام؟
عندما تُقرأ عبارة «الدين أفيون الشعب» بوصفها توصيفًا لوظيفة الدين في سياق أوروبي محدد حيث كان الدين يؤدي دور العزاء داخل بنية اجتماعية لا تتغير جذريًا، يمكن فهمها في إطارها التاريخي، لكن نقلها إلى الإسلام بوصفه منظومة دينية حضارية يفضي إلى خلل معرفي واضح، لأن الإسلام في بنيته النصية والتاريخية لا يقدّم نفسه مبررًا للظلم ولا داعيًا إلى الاستسلام له، بل يضع مقاومة الظلم في قلب خطابه الأخلاقي والتشريعي، ويجعل العدل قيمة مركزية ترتبط بالإيمان نفسه، وبذلك فإن العلاقة بين الدين والواقع هنا علاقة تغيير لا علاقة تسكين.
فالإسلام لا يبرر الظلم بل يحرّمه ويعتبره خروجًا عن النظام الأخلاقي الذي أُمر الإنسان بإقامته في الأرض، ولذلك فإن الظلم لا يُفهم كقدر تاريخي ينبغي احتماله إلى حين الجزاء الأخروي فحسب، بل كاختلال يجب تصحيحه في الواقع، وهو ما ينعكس في الربط المستمر بين التقوى والعدل وبين العبادة والسلوك الاجتماعي، بحيث يصبح التدين الحقيقي مقترنًا بإعطاء الحقوق ومنع التعدي، لا بالاكتفاء بالطقوس، ومن هنا يتضح أن الدين هنا لا يوفّر غطاءً للواقع القائم بل يضع معيارًا أخلاقيًا يحاكمه.
كما أن الإسلام لا يؤجل العدالة فقط بل يفرض السعي إليها في الدنيا، فالآخرة ليست بديلاً عن إقامة القسط في الأرض بل أفقًا يوسّع معنى المسؤولية، ولذلك لا تنفصل العبادة عن المعاملة، ولا الإيمان عن الالتزام بالنظام الأخلاقي والاجتماعي، وبذلك لا يبقى الدين وعدًا مؤجلًا يواسي المظلوم فحسب، بل يتحول إلى قوة دافعة نحو إعادة بناء الواقع على أسس أقرب إلى العدل، وهو ما يخرجه من وظيفة التسكين السلبي التي ركز عليها ماركس في وصفه لتجربة دينية أخرى.
ومن هنا أيضًا يتضح أن الإسلام لا يعالج الألم نفسيًا فقط بل مؤسسيًا، لأنه لا يكتفي بإعطاء معنى للمعاناة بل يضع قواعد تنظّم السلطة والمال والعلاقات الاجتماعية بما يحد من إنتاج هذه المعاناة، فحين يتحول العدل والتكافل ومنع الاستغلال إلى مبادئ لها تجليات قانونية ومجتمعية، يصبح الدين جزءًا من بنية الحل لا مجرد لغة للتأقلم مع المشكلة.
وتؤكد التجربة التاريخية هذا البعد العملي، إذ لم يكن الدين في المجتمعات الإسلامية مجرد عزاء تحت الاحتلال بل كان عنصرًا في تعبئة الناس لمقاومته، كما يظهر في مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر بقيادة شخصيات دينية مثل عبد القادر الجزائري التي جمعت بين المرجعية الدينية والعمل العسكري والسياسي، وكذلك في مقاومة الاستعمار الإيطالي في ليبيا بقيادة عمر المختار الذي انطلق من خلفية دينية وجعل من مقاومة الظلم واجبًا، وفي هذه النماذج لا يظهر الدين كمسكن للألم بل كمصدر للشرعية الأخلاقية للفعل المقاوم، أي كطاقة تحرّر لا كآلية تخدير.
وبذلك يتبيّن أن العبارة الماركسية، بوصفها توصيفًا لدور الدين في سياق تاريخي معين، لا تنطبق على الإسلام حين يعمل بوصفه مشروعًا لإقامة العدل ومقاومة الظلم وتنظيم الحياة على أساس قيمي وتشريعي، لأن الدين هنا لا يكتفي بتخفيف الألم بل يسعى إلى تغيير الشروط التي تولّده، وهو فرق جوهري بين دين يُستدعى ليجعل الواقع محتملاً ودين يُستدعى ليجعل الواقع قابلاً للإصلاح.
المحور السابع.. متى يصبح الدين فعلًا «أفيونًا»؟
إذا كان التحليل الذي قدّمه كارل ماركس قد وُضع في سياق محدد يصف وظيفة الدين داخل عالم اجتماعي قاسٍ، فإن القيمة النقدية لهذا التحليل لا تنتهي عند حدود أوروبا القرن التاسع عشر، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لفحص أي تجربة دينية حين تنحرف عن مقاصدها الأخلاقية، إذ إن الدين لا يصبح «أفيونًا» بطبيعته بل في ظروف معينة تتعلّق بكيفية توظيفه داخل المجتمع، وهنا يلتقي النقد الماركسي مع نقد ديني داخلي يرفض أن يتحول الدين إلى أداة تخدير بدل أن يكون أداة تحرير.
يصبح الدين فعلًا أفيونًا عندما يُستعمل لتبرير القهر، أي عندما تتحول النصوص والمفاهيم إلى وسائل لإضفاء الشرعية على الظلم، فيُطلب من المظلومين الصبر على أوضاع لا تُبذل جهود حقيقية لتغييرها، ويُقدَّم الواقع القائم بوصفه قدرًا لا يُناقش، وهنا ينقلب الدين من معيار يحاكم السلطة إلى خطاب يخدمها، ومن قوة أخلاقية ناقدة إلى غطاء أيديولوجي، وفي هذه الحالة لا يعود الدين احتجاجًا رمزيًا على المعاناة بل أداة لإدامتها.
ويتحول الدين إلى أفيون أيضًا عندما يصبح خطاب تخدير، أي حين يُختزل في وعود أخروية منفصلة عن المسؤولية في الدنيا، فيُوجَّه الوعي نحو التعويض الغيبي وحده ويُفصل عن واجب السعي لإصلاح الواقع، وبذلك يُستخدم المعنى الديني لتسكين الألم دون مساءلة أسبابه، فتتكرس القناعة بأن وظيفة الإيمان هي الاحتمال لا التغيير، وهذا التحول لا يمثّل جوهر الدين بقدر ما يمثّل انحرافًا في فهمه وتوظيفه.
كما يصبح الدين أفيونًا عندما ينفصل عن العدل، لأن العدل هو المعيار الذي يمنع الدين من التحول إلى طقوس معزولة عن الحياة، فإذا ضعفت الصلة بين التدين والالتزام بالقسط وبحقوق الناس، تحوّل الدين إلى هوية شكلية أو شعور فردي لا ينعكس في بنية المجتمع، وعندها يفقد بعده الإصلاحي ويغدو ملاذًا نفسيًا أكثر منه قوة تغيير، وهنا تحديدًا يلتقي نقد ماركس مع النقد الداخلي الذي يرى أن فقدان البعد الأخلاقي–الاجتماعي للدين يفرغه من وظيفته الأصلية.
بهذا المعنى لا يكون وصف الدين بالأفيون حكمًا مطلقًا بل تحذيرًا من إمكانية انحرافه حين يُفصل عن العدل ويُستخدم لتثبيت الواقع بدل إصلاحه، وفي هذه النقطة يمكن أن يتحول النقد الماركسي من هجوم خارجي إلى مرآة نقدية داخلية تُذكّر بأن الدين حين ينفصل عن مقاصده الأخلاقية والاجتماعية يفقد طاقته التحريرية ويتحول إلى ما يشبه المسكن الذي يهدئ الألم دون أن يعالج المرض.
المحور الثامن.. من سوء الفهم إلى الحوار الحضاري
بعد تفكيك العبارة وإعادتها إلى سياقها التاريخي يتبيّن أن المسافة بين تحليل كارل ماركس ووظيفة الدين في الإسلام ليست مسافة صراع بالضرورة، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة حوار إذا انتقلنا من مستوى الشعار إلى مستوى المقاصد، لأن ماركس لم يكن يعترض على العدل ولا على كرامة الإنسان بل على البنية الاجتماعية التي تنتج القهر وتدفع البشر إلى الاحتماء بعزاء روحي دائم، وفي هذا المستوى تحديدًا يمكن أن يلتقي نقده مع المقاصد الكبرى للعدل في الإسلام التي ترى أن الظلم اختلال يجب رفعه وأن إقامة القسط ليست مسألة سياسية عابرة بل جزء من المسؤولية الأخلاقية للإنسان في الأرض.
إن الفهم الحضاري للقرآن خاصة وللإسلام عامة يضع الدين في موقع الفاعل التاريخي الذي يوجّه حركة المجتمع نحو الارتقاء، فالدين هنا ليس مجرد إجابة عن القلق الوجودي بل إطار لتشغيل القيم داخل الحياة الواقعية، بحيث تتحول المبادئ الأخلاقية إلى نظم ومعايير تضبط السلطة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وعندما يُفهم الدين بهذا المعنى يصبح قوة تحرير لأنه يدفع الإنسان إلى تجاوز البنى الظالمة لا إلى التكيف معها، ويجعل من الإيمان دافعًا لإعادة بناء الواقع على أساس أقرب إلى العدل، وهو ما ينقل الدين من وظيفة التسكين النفسي إلى وظيفة الإصلاح المؤسسي.
وفي هذا الأفق يمكن إعادة قراءة نقد ماركس لا بوصفه نفيًا للدين بل بوصفه تنبيهًا إلى الخطر الذي يتهدد الدين حين يُفصل عن العدالة الاجتماعية، إذ إن تحوّل الدين إلى خطاب تخدير هو ما حذّر منه النقد الماركسي وما يحذّر منه أيضًا النقد الأخلاقي الداخلي حين يؤكد أن الإيمان بلا عدل يتحول إلى شكل بلا مضمون، ومن هنا يصبح الحوار الحضاري ممكنًا لأن الطرفين، رغم اختلاف المرجعيات، يشيران إلى نقطة مشتركة هي ضرورة تحرير الإنسان من البنى التي تسلبه كرامته.
وعندما يُفهم الإسلام في ضوء هذا الفهم الحضاري يتبيّن أنه لا يكتفي بمنح المعنى للألم بل يسعى إلى تغيير الشروط التي تولّده، فيربط العبادة بالعمل، والإيمان بالمسؤولية، والروح بالمؤسسة، وبذلك يغدو الدين طاقة لتحريك المجتمع نحو نظام أعدل لا وسيلة لتسكين ضميره تجاه الظلم، ومن هنا يمكن القول إن سوء الفهم الذي حوّل عبارة ماركس إلى سلاح ضد الدين يمكن أن يتحول، إذا أُعيدت قراءته علميًا، إلى جسر حوار يكشف أن المشكلة ليست في الدين حين يعمل بوصفه مشروع عدل، بل في الدين حين يُعزل عن وظيفته الحضارية ويتحوّل إلى تعويض رمزي عن عالم لا يتغير.
الخاتمة
العبارة التي أُسيء استخدامها
بعد هذه الرحلة عبر النص والسياق واللغة والتاريخ يتبيّن أن عبارة «الدين أفيون الشعب» التي ارتبطت باسم كارل ماركس لم تكن يومًا جملةً قائمة بذاتها ولا حكمًا ميتافيزيقيًا نهائيًا على الإيمان، بل كانت جزءًا من تحليل اجتماعي وفلسفي يصف وظيفة الدين داخل واقع أوروبي محدد اتسم بالقهر الطبقي والاغتراب وفقدان العدالة، وقد جاءت العبارة خاتمةً لسلسلة توصيفات إنسانية عميقة رأى فيها ماركس الدين تنهّد المقهور وقلب عالم بلا قلب وروح أوضاع بلا روح، ثم شبّهه بالأفيون بوصفه مسكنًا لألم تاريخي حقيقي، ومن هنا فإن العبارة في أصلها لم تكن سخرية من الإيمان ولا ازدراءً للمتدينين، بل قراءة لدور الدين داخل عالم مأزوم.
إن سوء الفهم نشأ حين اقتُطعت الجملة من هذا البناء التحليلي وحُوّلت إلى شعار يُستخدم خارج سياقه ليصبح سلاحًا أيديولوجيًا في مواجهة الدين عمومًا، بينما النص الأصلي يبيّن أن نقد ماركس كان موجّهًا إلى البنية الاجتماعية التي تُنتج المعاناة وتجعل البشر محتاجين إلى عزاء دائم، لا إلى الضمير الديني الفردي ولا إلى حقيقة الإيمان من حيث هو إيمان، ومن هنا فإن إنصافه يقتضي الاعتراف بأنه وصف دينًا يعمل داخل واقع ظالم ولم يكن يكتب حكمًا على كل الأديان.
وعندما يُنقل هذا التحليل إلى الإسلام دون مراعاة الفروق الحضارية يقع خطأ آخر، لأن الإسلام في نصوصه التأسيسية وتاريخه لا يقدّم نفسه عزاءً يبرر الواقع بل مشروعًا يطالب بإقامة العدل ويحوّل القيم إلى نظم حياة، وبذلك لا يكون الدين فيه مجرد استجابة نفسية للمعاناة بل إطارًا لتغيير الشروط التي تولّدها، ومن هنا فإن تعميم العبارة عليه بوصفها حكمًا شاملًا يتجاهل اختلاف البنية والوظيفة، ويحوّل تحليلًا تاريخيًا جزئيًا إلى مقولة مطلقة.
إن استعادة العبارة إلى سياقها لا تعني تبنّي فلسفة ماركس كاملة ولا التسليم بكل مقدماتها، بل تعني وضع الفكرة في حدودها المعرفية ومنع استخدامها خارج مجالها، وبذلك يتحول الشعار الذي استُعمل طويلًا لإشعال الصراع إلى مدخل لفهم أعمق للعلاقة بين الدين والمعاناة التاريخية، ويغدو النقد فرصةً للتصحيح لا للهدم، وللحوار لا للإقصاء، إذ يتضح في النهاية أن المشكلة ليست في الدين حين يعمل بوصفه طاقة عدل وبناء، بل في تحوّله، في ظروف معينة، إلى خطاب يهدئ الألم دون أن يسعى إلى إزالة أسبابه، وهنا فقط يصحّ التحذير، وهنا أيضًا يمكن أن يلتقي النقد الخارجي مع المراجعة الداخلية في خدمة إنسان يبحث عن معنى وعدل في آنٍ واحد.