اخر الاخبار

في كل عام، تتجدد ذكرى يوم الشهيد الشيوعي بوصفها محطة لاستحضار تضحيات مناضلين آمنوا بأن العدالة الاجتماعية ليست شعارا، بل التزاما أخلاقيا ونضالا يوميا. لم يكن أولئك الشهداء يبحثون عن مجد شخصي أو امتيازات خاصة، بل عن وطن يضمن الكرامة والحقوق لمن يكدحون في المصانع والورش وحقول النفط. وفي صدارة هؤلاء، وقف الشهداء الشيوعيون من أبناء الحركة النقابية العمالية، الذين جعلوا من مواقع العمل ساحات للنضال السلمي دفاعا عن حقوق زملائهم.

جذور النضال العمالي الشيوعي

ارتبط تاريخ الحركة العمالية في العراق مبكرا بنشاط الحزب الشيوعي العراقي الذي تبنى قضايا الكادحين منذ ثلاثينيات القرن الماضي. فقد ساهم في تنظيم الإضرابات وتأسيس النقابات، ودعم مطالب تحسين الأجور وتقليل ساعات العمل وتوفير شروط السلامة المهنية. لم تكن تلك المطالب ترفا، بل ضرورة فرضتها ظروف عمل قاسية وأجور متدنية وغياب متطلبات السلامة والحماية الاجتماعية.

في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، خاض عمال النفط والسكك الحديد إضرابات واسعة، كان للشيوعيين دور بارز في تنظيمها. وقد واجهت السلطات هذه التحركات بالقمع، فسقط شهداء وامتلأت السجون بالمئات من العمال الكادحين. ومع ذلك، أسهمت تلك التضحيات في ترسيخ ثقافة العمل النقابي بوصفه حقا مشروعا وأداة للدفاع عن المصالح الجماعية.

أصوات أُسكتت بالقوة

لم يكن الشهداء الشيوعيون من أبناء الحركة النقابية مجرد منتمين سياسيا، بل كانوا قادة ميدانيين في مواقع العمل، يتقدمون الصفوف في الإضرابات والمفاوضات. طالبوا بعقود عمل عادلة، وضمانات اجتماعية، وتأمين صحي، وبيئة عمل آمنة. وكان رد السلطة في فترات متعددة هو الملاحقة والاعتقال والفصل التعسفي، بل ووصل الحال الى التعذيب والتصفية الجسدية.

في عهود الاستبداد، تعرّضت النقابات إلى التضييق، وتحوّل العمل النقابي المستقل إلى تهمة. كثير من النقابيين الشيوعيين أُعدموا بعد محاكمات صورية، أو اختفوا قسرا، أو قضوا سنوات طويلة خلف القضبان. ومع كل ضربة، كانت السلطة تعتقد أنها تسكت صوتا، لكنها في الواقع كانت تزرع بذرة جديدة للوعي والاحتجاج.

لقد شكلت دماء هؤلاء الشهداء جزءا من التاريخ الاجتماعي للعراق. فبفضل نضالهم، تحققت مكاسب مهمة في قوانين العمل، واقرت حقوق أساسية تتعلق بساعات العمل والإجازات والضمان الاجتماعي. صحيح أن تلك الحقوق تعرّضت لاحقا للتراجع أو الالتفاف، لكن أثر النضال بقي شاهدا على أن التنظيم النقابي المستقل قادر على إحداث تغيير حقيقي.

التحديات مستمرة

رغم التحولات السياسية التي شهدها العراق بعد 2003، ما زال العامل العراقي يواجه تحديات كبيرة، حيث تنتشر العقود المؤقتة والتي تتضمن شروط عمل تعجيزية ومخالفة لقانون العمل النافد والعمل غير المنظم، وتضعف مظلة الحماية الاجتماعية، فيما تتسع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة. وفي ظل هذه الظروف، تستعيد ذكرى يوم الشهيد الشيوعي معناها العميق: أن الحقوق لا تُصان إلا باليقظة والتنظيم والتضامن.

إن استذكار الشهداء الشيوعيين من الحركة النقابية العمالية لا يعني الوقوف عند حدود الحنين، بل يدعو إلى إعادة الاعتبار للعمل النقابي الحر، وتحصين استقلاليته، وتحديث تشريعات العمل بما ينسجم مع المعايير الدولية. كما يفرض ضرورة حماية النقابيين من أي شكل من أشكال الترهيب أو التضييق، وصون حق الإضراب والتظاهر السلمي بوصفه حقا دستوريا.

الوفاء للتضحيات التزام بالمستقبل

وأخيرا، في يوم الشهيد الشيوعي، تتلاقى الذاكرة مع المسؤولية. فدماء الشهداء ليست مجرد صفحات في كتاب التاريخ، بل عهدا يتجدد بالدفاع عن الكرامة الإنسانية. لقد أثبت الشهداء الشيوعيون من أبناء الحركة النقابية العمالية أن التضحية من أجل العدالة ليست شعارا بل ممارسة، وأن الدفاع عن حقوق الكادحين هو دفاع عن المجتمع بأسره.

إن أفضل وفاء لهم يتمثل في المطالبة ببناء دولة تحترم العمل المنتج، وتكافئ الجهد، وتضمن توزيعا عادلا للثروة. حكومة تعترف بأن من يصنعون الخبز ويشيدون المصانع هم عماد الاقتصاد وركيزته. يوم الشهيد الشيوعي ليس فقط ذكرى حزن، بل دعوة مفتوحة لمواصلة الطريق نحو مجتمع أكثر إنصافا، حيث لا يضطر إنسان إلى دفع حياته ثمنا لمطالب عادلة.