اخر الاخبار

المعلم والأستاذ والمفكر الراحل عز الدين لم يرحل، فلا  يزال الرجل حيًّا بيننا بكتبه التي اقتربت من المائة، باللغات الكردية والعربية والروسية، وبجهاد جده المرحوم الحاج ملا رسول الديليزه يي (أحد خلفاء الصوفي الكردي الشهير كاكه أحمد الشيخ، رئيس الطريقة الصوفية القادرية في العراق والعالم)، وكان الديليزه يي من أبرز داعمي الملك محمود الحفيد في جهاده الطويل ضد الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن المنصرم. فضلًا عن ذلك فإن عز الدين مصطفى رسول  كان وارث تراث أبيه، عالم الدين المستنير، الشاعر والأديب الملا مصطفى رسول الملقب (صفوة)، الذي كان يحشد الحشود من الشباب الكردي لدعم قضية فلسطين بالدم والمال والسلاح إبان الحرب العربية – الإسرائيلية عام ١٩٤٨، مثلما كان مشهودًا له بنضاله الوطني المخلص كشخصية فكرية مرموقة في مضامير السياسة والثقافة والتعليم الجامعي والصحافة ، سريتها وعلنيتها، والإذاعة والعمل النقابي التعليمي واتحاد الأدباء العراقيين، ناهيك عن عمله في صفوف الحزب الشيوعي العراقي والمنظمات الطلابية العراقية والعالمية، فكان صوتًا واعيًا متفردًا بالإخلاص والوطنية داخل الوطن وخارجه، مرتبطًا بأقوى العلاقات مع أشهر الأدباء العراقيين كالجواهري والسياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري وحسين مردان وفاضل ثامر ومظفر النواب وصلاح خالص ومهدي المخزومي وعبد الملك نوري وعبد الله كوران وشيركو بيكس وعبد اللطيف بندر أوغلو، ومن العرب أدونيس وحسين مروة وأحمد سليمان الأحمد وسميح القاسم ومحمود درويش وحنا مينا وغيرهم.

وأذكر، وقد كنت قريبًا منه جدًا أنا والشاعر الكردي الراحل محمد البدري والدكتور رؤوف والدكتور فؤاد حمه خورشيد أيام سكن رسول  في بغداد في السبعينيات والثمانينيات الماضية، حيث كنا نلتقيه تقريبًا بشكل شبه يومي في صالة جمعية الثقافة الكردية ليحدثنا بحديثه الشجي عن أمور الأدب والحياة ووقائع الأمور النضالية في عراقنا العزيز، وعن ذكرياته الأدبية في كوردستان الحبيبة والعالم، حديث العالم لمحبيه، والأستاذ لتلامذته، والأب لأبنائه. وبالإضافة الى شيوعيته   كان  اعتزازه عميقا  بقوميته الكردية  الذي كان يسير مع فكره الأممي الإنساني في خط متوازٍ.

وكانت الجمعية الكردية الشهيرة منتدى فكريًا مرموقا  تُطرح فيه الأمور بهدوء وشفافية من قبل أعلام مفكري الكرد ومشاهير مثقفيهم، منهم د. مكرم الطالباني، ود. عز الدين مصطفى رسول، ومحمد الملا عبد الكريم، ود. معروف خزندار، ود. كاوس قفطان، ود. عبد الرحمن حاج معروف، ود. وريا عمر أمين، ود. حسين قاسم العزيز، ود. أحمد عثمان أبو بكر، ود. عبد الستار طاهر شريف، ود. سامال مجيد فرج، وغيرهم.

وفي تلك الفترة تم تشكيل الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكرد ببغداد للمرة الثانية بعد تأسيسه الأول عام ١٩٦٩ على ما أذكر، وفي التأسيس الثاني كانت الهيئة الإدارية قد تشكلت برئاسة الراحل العزيز د. عز الدين وعضوية الراحلين الملا شكور مصطفى وعبد الستار طاهر شريف ومحمد البدري، والأساتذة لطيف هلمت وصلاح شوان وبدر خان السندي وآخرين.

وأذكر، وبعد زيارة  صدام حسين إلى منطقة (قشقولي) في كوردستان  العراق في نوروز عام ١٩٧٨، ولما لم تجد الزيارة صداها في كتابات الأدباء الكرد، أغاظ هذا الموقف المشرف لأدبائنا تجاه الزيارة (غير المرحب بها من قبل الكرد) تلك السلطات الحاكمة الجائرة، وفي مقدمتهم وزير شؤون الشمال يومئذ المدعو خالد عبد عثمان الكبيسي، الذي استدعى الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكرد المتواجدين في بغداد (على غير عادة مسؤولي البعث في حينها) إلى اجتماع غير اعتيادي، وقد أثارت الدعوة استغراب أدبائنا، ولغرض إظهار التفاف الأدباء الكرد حول اتحادهم ذهب حتى بعض الأدباء من غير أعضاء الهيئة الإدارية معهم في اللقاء، وكنت أنا ومحمد زامدار من بينهم.

وكان موقع الوزارة في بداية مدخل شارع الجمهورية قرب نفق العبور من جهة ساحة التحرير، وعند دخولنا مكتب الوزير الفخم أحسسنا من تقاطيع وجهه المتجهم وبرودة استقباله لنا بأن ثمة أمرًا غير ودي في الطريق إلى إسماعنا، حتى قال د. عز الدين بهمس وكنت قريبًا منه: (يا ربي سترك). ولم تمضِ على جلوسنا إلا دقائق قليلة جدًا، وحتى قبل فراغنا من تناول أقداح شاي الضيافة، حتى قال الوزير (الدميم قصير القامة) بدون مقدمات، موجهًا كلامه بشكل مفاجئ إلى رئيس الوفد: صدك دا أكلك يا دكتور عز الدين، تره آني عاتب عليك أولًا بشدة وعلى ربعك الأدباء الجايين وياك، ثانيًا شلون ما انعكس إنزال السيد النائب في منطقة قشقولي في الشمال في أشعار وترحيبات أدبائكم بهذا الإنزال البطولي في عيد نوروز؟ شيء غريب وغير متوقع جدًا جدًا منكم.

وهنا تصدى أديبنا الكبير للهجوم العدواني غير المبرر والاتهام السافر لأدبائنا، ورد عليه بعصبية وبكل جرأة: سيادة الوزير المحترم، كلامك لا داعي له وغير مقبول مع احترامي الشديد لسيادتك. فانفعل الوزير بتصنع وانفعال ظاهرين وقال بعصبية: قائد يذهب إلى منطقة خطرة للتهنئة ولا يكون لفعله البطولي أي صدى في أدبياتكم؟ وهنا رد الدكتور له الصاع صاعين وقال له: هل كوردستان أرض غير عراقية يا سيادة الوزير؟! وهل أهلها أعداء للسيد النائب حتى تصفها وأهلها بهذا الشكل؟! ، فالرجل كان في وطنه وبين أهله وناسه، ولا أظنه سيقبل بكلامك هذا مطلقًا إن سمع به.

وهنا أدرك الوزير الحاقد (الذي أُعدم بعد فترة قصيرة جدًا من لقائنا به فيما أُطلق عليها بمجزرة قاعة الخلد) خطل ما قال وخطأ ما وقع فيه، وقال نادمًا مخافة أن يحاسبه سيده الدكتاتور الكبير: عفوًا عفوًا عفوًا، أنا لم أقصد ذلك نهائيًا وأعتذر جدًا عن سوء الفهم، فالسيد النائب يحب الكرد. لكن د. عز الدين أصر على موقفه المنتصر: ولكن يا سيادة الوزير هذا ما فهمناه بكل أسف من كلامك. وهنا وجه كلامه إلينا وقال: بالله عليكم أليس هذا ما فهمتموه من كلام سيادة الوزير أيها الزملاء؟ فقلنا نكاية بالوزير البعثي وبصوت واحد: "نعم". ثم تابع د. عز الدين قائلًا: إني كرئيس للاتحاد ليس عندي منفاخ لأنفخ في أدبائنا روح الوطنية التي تريدها منهم، فهم أحرار.

وهكذا انقلب السحر على الساحر، فألقم رئيس وفدنا الوزير البعثي الحاقد درسًا لن ينساه.

وهناك موقف اخر مشهود  لمسته من أستاذي ومعلمي الدكتور عز الدين، فهو عندما كرمه الاتحاد الوطني الكردستاني بالميدالية الذهبية للمفكر والمناضل السياسي الكبير إبراهيم أحمد، التي قدمها له فخامة الرئيس الراحل مام جلال وزوجته  السيدة الأولى هيرو إبراهيم كونه أديبًا كرديًا بارزًا ومناضلًا من أجل قضية وطنه وشعبه، إذ شكر الدكتور عز الدين الاتحاد الوطني المناضل على هذا التكريم، كما شكر فخامة الرئيس مام جلال وزوجته  بقوله: فخور جدًا جدًا بهذا التكريم العظيم من لدن فخامة الرئيس المناضل وزوجته الكريمة والاتحاد الوطني المناضل، وبهذه المناسبة السعيدة جدًا أشكر الحزب الشيوعي العراقي المناضل العنيد والمدافع العتيد عن حقوق شعبنا العراقي العظيم بعربه وكورده وباقي مكوناته المتحابة، إذ لولا تشبعي بمبادئه الإنسانية العظيمة ونضالي لما يقرب من خمس وستين عامًا (لحد الآن) في صفوفه، وإيماني بعظمة القضايا التي ينادي بها ويسعى لتحقيقها، لما وصلت إلى هذه الدرجة التي استحققت فيها أن أُكرم بهذه الميدالية النضالية الكردية القيمة... ذلك الحزب العظيم الذي لم أنقطع عن العمل في صفوفه والنضال من أجل تحقيق أهدافه حتى ولا يوم واحد خلال السنوات الخمس والستين من عمر انتمائي إلى صفوفه، بالرغم من كل الظروف التعسة التي مر بها البلد والظلم والإرهاب والاضطهاد الذي تعرض لها  أعضاؤه.

وبعد فترة قصيرة من هذه المناسبة التقيت شخصيًا مصادفة في أروقة مقر الحزب الشيوعي المناضل ببغداد بالمناضل التاريخي أبي داود (حميد مجيد موسى)، وكان في حينها سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المناضل، فقلت له ما سمعناه من أديبنا الكبير، فقال بأريحيته المعهودة: إذا قال عزي إنه لم ينقطع ولا يوم واحد عن التواصل مع حزبنا فأنا أضيف: إن عزي لم ينقطع حتى ولا ساعة واحدة من التواصل مع حزبنا.

وقد علمت أيضًا شخصيًا من الأديب الكردي الدكتور رؤوف عثمان عضو البرلمان العراقي الأسبق، بأنه وأثناء عضويته في البرلمان العراقي كان المناضل أبو داود يحمله تحياته الحارة لمفكرنا الكبير عزالدين مصطفى رسول كلما عاد في إجازة إلى بلدته (السليمانية) بقوله: بلغ أحر تحياتي وأطيب تمنياتي للرفيق الكبير العزيز المناضل عز الدين.