في الوقت الذي تعلن فيه مجلة خبر أنقرة كوم عن قفزةٍ جديدة في سرعة القطارات بين المدن، من ٢٥٥ كم/ساعة إلى ٣٥٠ كم/ساعة، يقف العراق على رصيف الزمن، يراقب القطارات وهي تعبر المستقبل، بينما يفتّش هو عن باصٍ يتنفس. هناك، في بلدانٍ تعرف أن النقل ليس ترفا بل شريان حياة، تُقاس نهضة المدن بعدد الدقائق التي تختصرها الرحلة، أمّا هنا، فيُقاس العذاب بعدد الساعات التي تُسرق من عمر المواطن وهو محشور في مقعدٍ ممزق، داخل حافلةٍ تهتز كقلبه، وتئن كظهره، وتسير بخجلٍ لا يتجاوز ستين كيلومترا في ساعةٍ مليئة بالحفر والشتائم.
النقل في العراق ليس أزمةً عابرة، بل حالة مزمنة، مرضٌ طويل الأمد أُهمل حتى صار جزءًا من المشهد اليومي، حتى اعتاد المواطن أن يستيقظ قبل الفجر لا ليصلي أو ليعمل، بل ليحجز مقعدًا في معركة الطريق. داخل المدينة، تتحول المسافة القصيرة إلى رحلة استنزاف عصبي، إشارات معطلة، شوارع مختنقة، باصات عامة تجاوزها الزمن وتجاوزها الأمل، وسائقون يقودون أكثر مما يفكرون، لأن التفكير في هذا الواقع ترفٌ مؤلم.
أما بين المدن، فالحكاية أكثر قسوة. طرقٌ طويلة لكنها ضيقة، مهترئة، بلا إنارة، بلا محطات استراحة آدمية، بلا قطارٍ واحدٍ يحفظ كرامة المسافر. رحلة من محافظة إلى أخرى ليست انتقالًا جغرافيا، بل اختبار صبر، ومساومة مع الخوف، واحتمال دائم لحادثٍ قد يحدث بسبب حفرةٍ لا تُرى أو شاحنةٍ فقدت فراملها منذ سنوات. هنا، لا تسافر الأجساد وحدها، بل تسافر معها الشكوى، والدعاء، وصورة الوداع التي تُقال في القلب خوفًا من ألا يكون هناك عودة.
في هذا الفراغ الهائل، تحوّل المواطن العراقي إلى مستهلكٍ شره للسيارات الخاصة، لا حبًا بها، بل هروبا من عار النقل العام. صار يشتري السيارة كما يشتري الخبز، بل أكثر، لأن السيارة في العراق ليست وسيلة رفاه، بل وسيلة نجاة. كل بيتٍ فيه أكثر من سيارة، وكل شارعٍ يختنق بها، وكل عائلةٍ تنفق على الوقود والصيانة ما يفوق إنفاقها على الغذاء، في بلدٍ كان يفترض أن تقلّ فيه الحاجة إلى السيارة لا أن تتضاعف.
الدولة، في هذا المشهد، تبدو كمن يشاهد الزحام من نافذةٍ بعيدة. مشاريع معلّقة، ووعود مؤجلة، وخطط تُكتب على الورق ولا تصل إلى الإسفلت. لا مترو، لا ترام، لا قطارات سريعة، ولا حتى باصات حديثة محترمة. كأن النقل العام في العراق عُوقب لأنه للفقراء، وكأن الفقير لا يحق له أن يصل إلى عمله بكرامة، أو إلى بيته دون أن يعود محمّلًا بالإرهاق والخذلان.
المأساة ليست فقط في الطرق ولا في الباصات، بل في الفكرة الغائبة: أن الإنسان هو الهدف. في دولٍ أخرى، يُبنى النقل حول حياة الناس، أما هنا، فيُترك الناس ليتكيفوا مع الإهمال، حتى صار الزحام جزءًا من الهوية، والتأخير ثقافة، والشكوى طقسًا يوميًا. المواطن العراقي لا يسأل عن السرعة القصوى، بل عن وسيلةٍ تحمله دون أن تكسره، عن طريقٍ لا يشعره أن الوصول معجزة.
بين قطاراتٍ تركض في العالم، وباصاتٍ تزحف في العراق، يقف المواطن كعلامة استفهام طويلة، يتساءل: متى نتحرك نحن؟ متى نكفّ عن الدوران في نفس الشوارع ونفس الأزمات؟ متى يصبح الطريق وسيلة حياة لا أداة استنزاف؟ إلى أن يحدث ذلك، سيبقى العراق بلدا يمشي على أربع عجلات مكسورة، ويتنفس بصعوبة، وينظر إلى المستقبل من خلف زجاجٍ مغبرّ، وهو عالقٌ في ازدحام لا ينتهي.