اخر الاخبار

تعيش المرأة المعاصرة اليوم حالة مركبة من الصراع، لا يمكن اختزالها في ثنائية مبسطة بين الأنوثة والاسترجال، بقدر ما هي نتاج تفاعل معقد بين تحوّلات اجتماعية واقتصادية وثقافية متسارعة. ففي ضجيج الواقع وفوضى الفضاء الرقمي، لم يخفت صوت المرأة ولم يسكت، بل تصاعد وتنوع، أحيانا تعبيرا عن وعي متقدم، وأحيانا أخرى نتيجة ضغط متزايد وتوقعات متناقضة.

لم تعد معركة المرأة مقتصرة على إثبات الوجود أو نيل الاعتراف، بل باتت صراعا داخليا مع صورة مثالية تُفرض عليها من جهات متعددة: المجتمع، السوق، الإعلام، وأحيانا من ذاتها. تطاردها فكرة “الكمال” في العمل، والأسرة، والمظهر، والاستقلال، فتتوزع بين أدوار متشابكة ومسؤوليات متراكمة، إلى حدِّ فقدان التوازن، لا فقدان الهوية فقط.

لقد أسهمت المرأة، سيما في المجتمعات العربية، إسهاما واضحا في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والهندسة والإعلام والفنون. ودخولها سوق العمل لم يكن مجرد ترف أو تقليد، بل استجابة لتحولات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع. ومع ذلك، فإن هذا الحضور لم يُقابَل دائما بسياسات داعمة أو أطر قانونية عادلة تخفف عنها أعباء الجمع بين الدور المهني والدور الأسري، فغالبا ما طُلب منها أن تنجح في المجالين معا، دون توفير أدوات التوازن.

في هذا السياق، لا يمكن تحميل الاستقلالية بحد ذاتها مسؤولية إنهاك المرأة، بل إن الإشكال يكمن في الاستقلالية حين تفهم بوصفها قطيعة مع الاحتياج الإنساني، أو حين تتحول إلى عبء إضافي يُفرض على المرأة دون دعم اجتماعي ومؤسسي. فالصلابة التي تضطر إليها المرأة في مواجهة قسوة الواقع لا تعني بالضرورة تخليها عن الأنوثة، كما أن الأنوثة لا تختزل في الرقة وحدها، بل تشمل القدرة على التكيف، والعطاء، واتخاذ القرار.

من جهة أخرى، أسهمت العولمة وجشع الرأسمالية في إعادة إنتاج صورة نمطية جديدة للمرأة، لا تقل اختزالا عن الصور التقليدية القديمة. فقد جرى تسويق مفاهيم الحرية والتمكين أحيانا ضمن إطار استهلاكي يربط قيمة المرأة بالمظهر، والشراء، والجسد، والقدرة على الإنفاق، أكثر مما يربطها بالوعي، والإبداع، والمعرفة. وهنا يبرز الخلط الشائع بين النسوية بوصفها تيارا فكريا وحقوقيا متنوعا، وبين النسخة المشوهة التي تروج لها بعض منصات التواصل بوصفها سلعة أو نمط حياة استهلاكي.

فالنسوية، بمختلف تياراتها، ليست جهة تشريعية تمنح امتيازات مالية أو تعفي من الضرائب، ولا يمكن اختزالها في شعارات سطحية أو صرخات إعلامية. إنما هي، في جوهرها، محاولة لإعادة التوازن في علاقات القوة داخل المجتمع. غير أن غياب الوعي النقدي جعل كثيرا من الخطابات المتداولة باسمها عاجزة عن تقديم حلول واقعية، أو عن مواجهة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل المرأة والرجل معا.

إن أزمة المرأة المعاصرة ليست أزمة أنوثة، ولا أزمة طموح، بل أزمة منظومة كاملة تُحمل الفرد ما يفوق طاقته، ثم تطالبه بالنجاح دون أخطاء. ومن هنا، فإن الحل لا يكمن في عودة المرأة إلى نماذج جامدة من الماضي، ولا في ذوبانها الكامل في أنماط مستوردة، بل في بناء وعي متوازن يبدأ من الذات، ويمتد إلى التربية، والتعليم، والتشريع، وسياسات العمل.

تبقى المرأة شريكة أساسية في صناعة هذا التوازن، عبر وعيها بذاتها، وحدودها، واحتياجاتها، وبقدرتها على التمييز بين التمكين الحقيقي والتمكين الزائف. غير أن مسؤولية الإنصاف لا تقع على عاتقها وحدها، بل هي مسؤولية مجتمع كامل، يعيد تعريف النجاح، والعدالة، والكرامة الإنسانية، بعيدا عن المقارنات القاتلة وصور الكمال الوهمية

ــــــــــــــــــــــــــــ

* طالبة قسم هندسة تقنيات بناء وانشاءات في الجامعة التقنية الوسطى