في كل موسم انتخابي في العراق، تتصدر وعود تثبيت عمال العقود وتعيين العاطلين عن العمل واجهة الخطاب السياسي، وتتحول معاناة آلاف الأسر إلى مادة دعائية سهلة تستثمر لكسب الأصوات، خصوصا في المدن التي تعاني نسب بطالة مرتفعة واعتماداً واسعاً على العمل الهش. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء الانتخابات وحسم النتائج هو: أين ذهبت تلك الوعود؟
الحملات الانتخابية والوعود الكبيرة
خلال الحملات الانتخابية الأخيرة، لم يكد يخلو خطاب أو ملصق أو لقاء جماهيري من تعهدات صريحة بحل ملف العقود، وإنهاء ما يوصف بـالاستغلال المزمن للعمال، إلى جانب فتح أبواب التعيين أمام الخريجين والعاطلين عن العمل. وذهب بعض المرشحين إلى تحديد مدد زمنية قصيرة، وتعهدوا بمتابعة الملفات شخصياً داخل مجلس النواب، في محاولة واضحة للاقتراب من هموم الشارع واستثمارها سياسيا.
المكاتب المغلقة بعد الفوز
لكن ما إن أُعلنت النتائج، حتى تبدد هذا الزخم. أُغلقت المكاتب الانتخابية التي كانت توزع الوعود على الزائرين أيام الحملة، واختفى نواب جدد وقدامى عن الأنظار، ولم يعد العمال ولا العاطلون يجدون من يجيب على اتصالاتهم أو يستقبل شكاواهم. هذا الغياب لم يكن مجرد تقصير فردي، بل تحول إلى نمط متكرر، يعكس أزمة أعمق في العلاقة بين الناخب وممثله البرلماني.
معاناة العمال والعاطلين تتفاقم
عمال العقود، الذين انتظروا سنوات على أمل التثبيت، وجدوا أنفسهم مجدداً أمام الوعود ذاتها دون أي تغيير ملموس. فلا تشريعات حاسمة أُقرت، ولا جداول زمنية واضحة أُعلنت، بل استمر التعامل مع الملف بسياسة الترقيع والقرارات الجزئية، التي غالبا ما تربط بالضغوط أو الاحتجاجات، لا برؤية اقتصادية واجتماعية عادلة.
أما العاطلون عن العمل، فقد اصطدموا بواقع أكثر قسوة. فبرامج التشغيل التي وعدوا بها بقيت حبيسة التصريحات، فيما استمر الاقتصاد الريعي في إنتاج البطالة نفسها، دون خطط جدية لدعم القطاع الخاص أو خلق فرص عمل مستقرة تحترم كرامة الإنسان.
أخلاق العمل السياسي على المحك
اللافت أن بعض النواب برروا تنصلهم من وعودهم بـ "غياب التخصيصات المالية" أو "تعقيدات الموازنة"، متناسين أنهم كانوا على دراية بهذه المعوقات قبل إطلاق تعهداتهم. وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول أخلاق العمل السياسي، وحدود الصدق مع جمهور أدلى بصوته على أساس وعود محددة.
مسؤولية مشتركة
إن غياب المتابعة البرلمانية الحقيقية لملفات العقود والبطالة لا يهدد فقط ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، بل يعمّق الشعور بالإحباط والعزوف، ويغذي القناعة بأن الانتخابات لا تغيّر شيئا في حياة الفئات الأكثر هشاشة.
في المحصلة، لم تختف الوعود الانتخابية فحسب، بل ذابت في دهاليز المصالح السياسية، تاركة العمال والعاطلين في مواجهة مصيرهم وحدهم. ومع استمرار هذا النهج، تبقى المسؤولية قائمة على الناخبين ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في محاسبة من جعل من معاناة الناس سلّما للوصول، ثم أغلق بابه بوجههم بعد الفوز.