ليست الأفكار كائنات مكتملة عند ولادتها، إنها تخرج إلى الوجود مرتجفة، محاطة بالأسئلة، ومفتوحة على الشك. غير أن الزمن، بدل أن يكون ميزان اختبارها، يتحوّل أحياناً إلى شاهد زور. فمع التكرار تفقد الفكرة هشاشتها الأولى، ومع الألفة تسقط عنها صفة التساؤل، حتى تبلغ مرحلة تُعامل فيها بوصفها أمراً مقدساِ لا يُمس. المفارقة أن ما يبدأ كتصور قابل للنقاش، ينتهي كحقيقة مُغلقة، لا لقوته، بل لاعتياد الناس عليه. فالتكرار لا يصنع الصواب، لكنه يصنع الطمأنينة، والطمأنينة حين تطول تتحول إلى هوية. عندها لا يعود النقاش مسموحاً، لأن الفكرة لم تعد فكرة، بل جزءاً من تعريف الذات. الخطر لا يسكن في الخرافة وحدها، بل في المسافة الزمنية التي تفصلها عن لحظة نشأتها. حين يُنزَع عنها سياقها، وتُسلَّم للأجيال اللاحقة بلا تاريخ ولا مساءلة، تكتسب سلطة لا تستند إلى عقل أو برهان. هكذا يصبح الماضي وصياً على الحاضر، لا لأنه حكيم، بل لأنه أقدم. ومن منظور نفسي اجتماعي، يمكن تتبّع هذا التحول بوصفه رحلة الفكرة بين ثلاثة عقول: عقل يسأل، ثم عقل يتكيّف، ثم عقل يتصلّب. في مرحلتها الأخيرة، لا تُدافع الفكرة عن صدقها، بل عن موقعها داخل النفس. فالهجوم عليها يُفهم كتهديد للانتماء، وكأن التفريط بها يعني خسارة المعنى الذي بُني حولها. هنا، يتبدل جوهر الصراع. لم يعد صراع أفكار، بل صراع بقاء الخرافة لا تُقاتَل لأنها صحيحة، بل لأنها مألوفة، ولأن سقوطها يفتح فراغاً يخشاه الإنسان أكثر من الخطأ ذاته. وهكذا يُستبدل السؤال بالخوف، ويُستبدل العقل بالدفاع الأعمى. إن أصعب ما يواجه الوعي ليس اكتشاف الخطأ، بل الشجاعة على الاعتراف بأن بعض ما ورثناه عاش طويلاً لأنه لم يُمتحن، لا لأنه يستحق الحياة. فليس كل ما عبر الزمن جديراً بالقداسة، وبعض الأفكار لا تبقى لأنها حقيقة، بل لأن أحداً لم يجرؤ يوماً على إخضاعها للسؤال.