شهد العراق خلال الفترة الماضية نقاشًا واسعًا وجدلاً محتدمًا، وصل في بعض الأحيان إلى إعلان مواقف رافضة وخروج احتجاجات وتعقيبات رسمية، وذلك عقب بدء نفاذ جداول التعرفة الكمركية التي أقرّها مجلس الوزراء قبل نهاية العام الماضي. ويعكس هذا الجدل حساسية العلاقة بين السياسات المالية والواقع الاجتماعي، ولا سيما في بلد يعتمد بدرجة عالية على مورد واحد هو النفط.
تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على أهمية الرسوم الكمركية بوصفها أداة مالية وتنظيمية، مع قراءة خاصة في الواقع العراقي ذي الطابع الريعي، واستعراض قانون التعرفة الكمركية النافذ، ونسب الإيرادات المتحققة قياسًا إلى الواردات العامة، فضلًا عن وضع التجربة العراقية في سياق مقارن إقليمي، وتحليل إشكالية التوقيت التي رافقت تطبيق القرار.
أهمية الرسوم الكمركية
تُعد الرسوم الكمركية من الأدوات الأساسية للسياسة المالية في مختلف دول العالم، إذ لا تقتصر وظيفتها على رفد الخزينة العامة بالإيرادات، بل تمتد لتكون أداة تنظيمية تؤثر في حركة التجارة، وأنماط الاستهلاك، وبنية الإنتاج المحلي، فضلًا عن دورها في إعادة تنظيم الدخل. وفي معظم الاقتصادات، تشكّل الجمارك والضرائب معًا عماد الإيرادات العامة، وتُستخدم لتحقيق أهداف متعددة، من بينها تمويل الموازنة، وحماية الصناعات الوطنية، وتقليص الاختلالات في ميزان المدفوعات، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية.
في الحالة العراقية، تكتسب الرسوم الكمركية أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة الريعية للاقتصاد. فالاعتماد شبه الكامل على إيرادات النفط جعل المالية العامة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، وأضعف الحوافز لتطوير مصادر دخل بديلة.
وإذا ما طُبّقت الرسوم الكمركية بصورة مدروسة، فإنها تسهم في تحسين الدورة الإنتاجية داخل البلد، عبر منح المنتج المحلي ميزة تنافسية أمام السلع المستوردة، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل، مع ضرورة الإبقاء على نسب منخفضة للسلع الأساسية لتجنّب أي آثار تضخمية أو ضغوط معيشية على ذوي الدخل المحدود.
قانون التعرفة الكمركية العراقي
شرّع مجلس النواب العراقي قانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010 ليحل محل قانون التعريفة الكمركية رقم (77) لسنة 1955، وأوامر سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة، ولا سيما أمر سياسة تحرير التجارة لعام 2004، الذي علّق الرسوم الكمركية وفرض بدلًا عنها “ضريبة إعادة إعمار العراق” بنسبة 5 في المائة، ما فتح الباب واسعًا أمام غزو السلع الأجنبية للأسواق المحلية، وأدى إلى تعطّل مئات المشاريع الصناعية والزراعية.
ونصّ القانون النافذ على أن جداول التعرفة الكمركية والرزنامة الزراعية تُعد جزءًا لا يتجزأ منه، ومنح مجلس الوزراء صلاحية تعديل نسب الرسوم عند الضرورات الاقتصادية والنقدية، سواء لأغراض حماية المنتج الوطني أو المعاملة بالمثل مع الدول الأخرى. كما أجاز فرض رسم لا يتجاوز 20 في المائة على السلع غير المدرجة ضمن الجداول.
ومن المهم التأكيد على أن التعرفة الكمركية في العراق ليست موحّدة النسب، بل جاءت متدرجة وفق طبيعة السلع، إذ حُددت بنحو 30 في المائة للسلع الكمالية، و15 في المائة للسلع المتوسطة، ولم تتجاوز 5 في المائة للسلع الضرورية والأساسية. ويعكس هذا التدرج مراعاة واضحة للتباينات الاجتماعية، ويؤدي دورًا مهمًا في إعادة تنظيم الدخل، عبر تحميل العبء الضريبي الأكبر للطبقات الميسورة وتخفيفه عن الطبقات الفقيرة.
التعرفة الكمركية في سياق مقارن
تُظهر المقارنات الإقليمية تفاوتًا واضحًا في نسب الإيرادات الجمركية إلى قيمة الواردات. ففي تركيا تبلغ هذه النسبة نحو 3 في المائة، بينما ترتفع في مصر إلى حوالي 7 في المائة نتيجة اعتماد أكبر على الجمارك ضمن الإيرادات الضريبية، وتصل في الأردن إلى قرابة 10 في المائة، في حين تتراوح في العراق بين 2– 3 في المائة. وتدل هذه الأرقام على أن التعرفة الكمركية العراقية ليست مرتفعة أو استثنائية، بل تقع ضمن النطاق الإقليمي الطبيعي، خصوصًا مع اعتمادها التدرج الاجتماعي في نسب الرسوم.
موقع الإيرادات الكمركية ضمن هيكل الإيرادات العامة
وتكتسب الرسوم الكمركية أهميتها ليس فقط من حيث قيمتها المطلقة، بل من موقعها داخل هيكل الإيرادات غير النفطية للدولة. فوفق تقديرات سنة 2025، شكّلت الإيرادات النفطية ما يقرب من 90 في المائة من إجمالي الإيرادات العامة، أي بحدود 70–75 مليار دولار، في حين لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية نسبة 10– 12 في المائة، بما يعادل نحو 7–9 مليارات دولار سنويًا. وفي هذا السياق، بلغت الإيرادات الكمركية أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 1.9–2.2 مليار دولار، بعد تحسين آليات التحصيل، وأتمتة المنافذ، وتطبيق نظام “الأسيكودا”، وهو ما يعني أن الرسوم الكمركية تمثل ما بين 22 في المائة و30 في المائة من إجمالي الإيرادات غير النفطية.
وعلى الرغم من أن نسبة الكمارك إلى إجمالي الإيرادات العامة لا تزال محدودة، إذ تتراوح بين 2–3 في المائة فقط، إلا أنها تُعد من أكبر مكونات الموارد غير النفطية وأكثرها قابلية للتطوير السريع، لا سيما بعد تحسين آليات التحصيل، وأتمتة المنافذ، وتطبيق نظام “الأسيكودا”، ومع استكمال أتمتة المنافذ الحدودية وتوحيد إجراءات التحصيل. وهذا ما يجعل من تفعيل التعرفة الكمركية خطوة محورية في مسار تنويع الإيرادات، إذا ما اقترنت بسياسات واضحة لحماية ذوي الدخل المحدود ودعم الإنتاج المحلي.
إشكالية التوقيت: قرار اقتصادي بمنطق انتخابي
لا يمكن قراءة تفعيل التعرفة الكمركية بمعزل عن سياقه السياسي. فالمشكلة لا تتعلق بجوهر القانون، الذي ظل معطّلًا لسنوات طويلة، بل بالطريقة التي جرى بها إخراج القرار إلى العلن. إذ أصدر مجلس الوزراء قراره رقم (957) لسنة 2025 بتاريخ 28/10/2025، أي قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات العامة في 11/11/2025، ثم اختار عمليًا تجنب أي نقاش عام حول تداعياته، في سلوك يعكس تغليب الحسابات الانتخابية الضيقة على متطلبات الشفافية والمصارحة مع المجتمع.
هذا النهج، القائم على تمرير القرارات الحساسة بصمت قبيل الاستحقاقات الانتخابية ثم ترك آثارها للحكومة اللاحقة، لا يمثل سياسة مالية صحيحة بقدر ما يعكس خللًا في إدارة الشأن الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى انفجار الجدل لاحقًا بشكل غير مناسب، حيث جرى تصوير التعرفة وكأنها إجراء مفاجئ أو صادم، في حين أن الإرباك الحقيقي كان نتيجة سوء التوقيت وغياب المسؤولية السياسية، لا لمضمون القرار بحد ذاته.
نحو إدارة أكثر فعالية للكمارك
تشير المؤشرات إلى أن الإيرادات الجمركية لا تزال تمثل مورداً غير مستغل بالشكل الأمثل في العراق. ويكمن الإصلاح الجوهري في تعزيز كفاءة التحصيل في جميع المنافذ، وتوحيد الإجراءات، والحد من الإعفاءات غير المبررة، وربط السياسة الكمركية بدعم الإنتاج الوطني. كما أن الشفافية في توضيح أوجه استخدام هذه الإيرادات في تمويل الخدمات العامة تعزز ثقة المواطنين وتزيد من قبول السياسات المالية.
ويجدر التأكيد أن نجاح التعرفة الكمركية لا يقاس فقط بحجم الإيرادات المحققة، بل بمدى تأثيرها الفعلي في تنظيم السوق، وتحفيز الإنتاج المحلي، وتعزيز العدالة الاجتماعية. ولتحقيق ذلك، من الضروري رفع مستوى الوعي الشعبي والإعلامي بحيث يتم تمييز السياسات الإصلاحية طويلة الأمد عن القرارات المؤقتة أو الشعبوية، بما يضمن استدامة الفوائد الاقتصادية والاجتماعية لجميع شرائح المجتمع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رئيس مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية
12/1/2026