اخر الاخبار

تفصح سرديات الأستاذ سليم الربيعي في كتابه (حكاياتي)، الصادر عن دار الصواف في بابل عام 2025، عن محاولة جديرة بالتأمل، إذ يقدم إضمامة من النصوص المنتقاة بعناية من هوامش الحياة، نصوص تنطوي على ثيمة الاشتباك ما بين التاريخ والأدب، وتمتح من وقائع الماضي بقدر ما تستثمر طاقة المخيلة. وقد ضم الكتاب بين دفتيه اثنتين وأربعين حكاية، سبقتها مقدمة بقلم الشاعر الراحل شكر حاجم الصالحي، وامتد على نحو مئة وعشرين صفحة، مقدماً للقارئ سرديات تتحاور فيها الذاكرة مع لحظات العابر اليومي و ما هو مقبل.

ولعل من المناسب القول في البدء إن الكاتب أحسن اختيار ثريا النص (حكاياتي)، فهذه العتبة بما تحوزه من أهمية بالغة بوصفها نصاً موازياً، تومئ في لمحة خاطفة إلى طبيعة المحتوى وتحفز أفق التلقي، وقد جاء العنوان منسجماً كل الانسجام مع مضامين الكتاب، لما ينطوي عليه من إحالة مباشرة إلى عدد من الحكايات التي تشكل نسيج هذا العمل.

لا أخفي أن ما بثه الكاتب في هذه الحكايات من بوح قد استفز ذاكرتي، وحرضني على استعادة سنوات من مطلع السبعينيات من القرن الماضي، تلك السنوات المفعمة بحيوية الشباب ودفء المحبة، أتذكر اقتربنا من بعض آنذاك عبر ممارسة الألعاب الرياضية، وتعارفنا رغم أننا كنا في مدارس وألعاب مختلفة -هو في إعدادية الفيحاء وأنا في الإعدادية المركزية- وقد عرفته يومها رياضياً بارعاً ومثابراً، يمتلك قدراً لافتاً من الإرادة والاصرار، وبفضل تلك السمات، المقرونة بالجهد والمواظبة على التدريب الشاق، استطاع أن يحقق تفوقاً واضحاً في ألعاب الساحة والميدان، مسجلاً انجازات رياضية متعددة، وتحديداً في منافسات عدو المسافات الطويلة.

بعد هذا الاستذكار الوجيز الذي نراه ضرورياً نعود إلى كتاب (حكاياتي)، الذي آثر فيه سليم الربيعي أن يقدم سرديات وثيقة الصلة بالواقعية، قريبة من أمكنة وأزمنة محطات حياته المتعاقبة، وعلى الرغم من أن هذه السرديات لا يمكن أن تشكل مدونة لسيرة ذاتية بالمعنى الاصطلاحي، فأن (الكتابة عن الآخر) لا تبتعد كثيراً عن (الكتابة عن الذات)، إذ يتقاطع المساران في متون الحكايات، كما أن قلم الكاتب كان يجوب في فضاء حاضنته المكانية، سواء زمن الطفولة أو الشباب، قرية الجمجمة.. مدينة الحلة.. وجامعة البصرة، متوقفاً عند ملامح عائلته وأقرانه وأصدقائه، ومستعرضاً طيفاً واسعاً من تجاربه الحياتية والثقافية والمهنية سواء داخل العراق وخارجه.

إن (حكاياتي) مجموعة من النصوص السردية التي تقوم على التقاطات دقيقة مرصودة بعيون ثاقبة، تنطوي على شواهد استقاها الكاتب من بين أوساط الناس الذين عاش بينهم ولامس تفاصيلهم اليومية، وهي حكايات تعكس سلوكيات شخصيات متباينة، منها وجوه اجتماعية لامعة، وأخرى توارت مقصية بين أخاديد الحياة، وقد استحضر الكاتب هؤلاء جميعاً، وأعاد ترتيب حكاياتهم في مشغله النقدي، نافضاً عن الأحداث والأمكنة والأنفاس ما علق بها من ترسبات الزمن وغبار النسيان، وأخذ يطيل التوقف أمامها بنظرات ذات أبعاد عميقة، يقلبها على مختلف الوجوه، نفسية وإنسانية واجتماعية، وهكذا تنضج رؤيته إلى مديات تتجاوز حدود الوصف المباشر، لتغدو قراءة تحليلية تستند إلى القياس بالنقيض أو المقارنة بالنموذج الأمثل. ومبتغاه المرتجى من هذه المقاربات أن يبرز الفارق الجوهري بين حياة عاشها في العقود الماضية، اتسمت بالبساطة وامتلأت بقدر أكبر من الإنسانية، وبين ما يعيشه العراقيون اليوم من مظاهر البهرجة التي تطغي على تفاصيل الحياة الراهنة.

تمسك الربيعي بأسلوب كتابي يتسم بتلقائية الاسترسال، وجنح إلى توطين متونه ببعض المفردات من اللغة المحكية التي أدرجها بعفوية ومن غير إقحام، وقد تجلى ذلك الأسلوب في استخدامه ملفوظات من اللهجة العامية المتداولة بين أوساط المجتمع الحلي، في الريف والمدينة على حد سواء. ومن هنا تنبع فرادته، إذ يبدو أنه أراد من خلال ذلك الخيار كسر الرتابة والاقتراب من واقعية الحكاية، بما يتيح له تحقيق الغاية المرجوة من هذا المنجز الإبداعي، والمرتبطة بإيصال الأحداث والحقائق والأفكار والأمثال والتعليقات وطرائف القول، وجميع ما هو مبثوث في ثنايا الكتاب إلى المتلقي بيسر ووضوح.

يتضمن الكتاب في كل حكاية من حكاياته توجهاً نقدياً لاذعاً، يتبدى بوضوح على سطح النص بعبارات صريحة، ناهيك عما جاء مضمراً يختبئ بين السطور من رموز وتلميحات واشارات دقيقة، وهذه الوجهة تعكس رؤية الكاتب في تناول الأحوال المتلبسة ومآلات الحياة الاجتماعية، بعد أن تقلب الزمن بالبلاد من حال إلى حال. إذ قام بتسليط الضوء على اشتداد الأهوال، المتجلية في المظاهر النكوصية التي أفرزتها تتالي الأحداث من الحروب العبثية والحصار الجائر والاستبداد القهري، ثم الاحتلال وما اقترن به بعد تغيير النظام السياسي عام 2003 من سياقات المحاصصة الطائفية والحزبية، وقد اجتمعت تلك الأسباب لتنعكس بوضوح في تداعيات انتكاسية، أصبحت دافعاً للبعض من أفراد المجتمع نحو الانحرافات السلوكية المرتكسة الخارجة عن منظومة القيم الأخلاقية النبيلة، بما أفضى إلى تفشي مظاهر الفساد وانتشار الرياء والقيم المزيفة على حساب القيم الحميدة، والتشبث بالمصالح الأنانية الضيقة.

إن (حكاياتي) كتاب يحمل بين طياته قدراً وافراً من الحكمة والمواعظ والعبر، ويتجلى فيه حصاد تجربة حياتية لإنسان تقدمي، لم يخفِ انتمائه اليساري منذ شبابه، وقد انكشفت هذه التجربة الواعية عبر الإبداع التدويني، ويلزمنا التذكير بأن المرتجى والمؤمل في نظر الأستاذ سليم الربيعي، وهو يستعيد أوراق الماضي ويفترش صفحات الحاضر، أن تبقى الكلمة الوسيلة النبيلة للدفاع عن الإنسان والحرية والكرامة، وأن يظل هاجسه في كل مقاربة بين الزمنين أن يتجاوز البلد مطب الاخفاقات، توقاً إلى مستقبل يرفل بقيم العدالة الإنسانية، ويبقى الأمل فيه مشرعاً على إمكانية التغيير.